الرأي

الحداثيون والعالم الإسلامي!!

التهامي مجوري
  • 595
  • 0

يعيش عالمنا الإسلامي تخلفا منذ عصر ما بعد الموحدين على حد تعبير مالك بن نبي، أي منذ أكثر من ثلاثة قرون، ومنها القرنين الأخيرين اللذين انطلقت فيهما فكرة النهضة على يد شخصيات في العالم الإسلامي، أمثال: جمالا لدين الأفغاني، محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي…إلخ، راحت تتلمس أسباب التخلف ومنطلقات النهضة، ووضعت بين أيد الناس صيغ وبرامج ومشاريع وأفكار، تقيم الواقع وتضع ما تراه مناسبا للتغلب على سلبياته.

ورغم معرفة أمثال هؤلاء للمواقع العالمي يومها، والتحولات التي شهدتها الأجيال؛ بل إن بعضهم زار الغرب ورأى بعينه القفزات التي سجلها الغرب على أرض الواقع، فإنهم لم يروا أن مجرد نقل التجربة الغربية إلى العالم الإسلامي يحل المشكلة التي يعاني منها العالم الإسلامي؛ لأنهم مقتنعون أن لعالمنا خصوصياته العقدية والثقافية والاجتماعي، المختلفة عن الانتماءات العقدية الثقافية الاجتماعية، التي تحكم العالم المتقدم والمتمدن اليوم ومنذ ثلاثة قرون…، بينما الحداثيون خالفوا تلك النخبة التي نُعتت بعد ذلك بالفشة المحافظة، فراحوا ينظِّرون في موضوع تخلف العالم الإسلامي، وتوصلوا بأبحاثهم التي أعلنوا عنها وأقنعوا بها النخب الحاكمة، وأنشؤوا لها مؤسسات إعلامية وبحثية، ووضعوا لها برامج وصفت بالتحديثية،  لإيمانهم بأن العالم برمته تنسحب عليه قوانين واحدة، قوانين تحكم التخلف وتحكم التقدم على حد سواء، فمن تتوفر فيه شروط التخلف تخلف، ومن استجاب لشروط التقدم والتمدن تقدم وتمدن… فهو متشابه في أسباب تخلفه وتقدمه، وتحكمه قوانين واحدة، ومن ثم فلا بد من تتبع الخطوات التي سار عليها الغرب في تشخيصه لواقعه في القرون الوسطة وكيفية معالجتها؟

وكان ذلك ابتداء من تجارب عملية التحديث التي قام بها محمد علي باشا في مصر، واعتبرت تجربة تحديثية ناجحة ولا بد من السير وفقها…

إن التجربة المصرية هذه، كانت تجربة قاصرة على الاستفادة من تقنية والآلة والجانب الصناعي فحسب، وليست تجربة شاملة للمعرفة ولجميع معاني الحياة، وخاصة فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية…، ولذلك أتبعت ببعثات علمية إلى باريس ولندن وبون…، وكان بعدها ما كان من أنشطة تحديثية، ابتداء من زيارة رفاعة الطهطاوي لباريس وإصدار كتابه المعجب بباريس المعنون بـ”الإبريز”، وإلى ما بعدها من أنشطة حداثية التي كانت سببا في معارك ساخنة ومواجهات ميدانية بين الحداثيين والمحافظين في العالم الإسلامي…، فيما يعرف بمعارك القديم والجديد، أو المحافظين والدين وصفوا بالمجددين.

من هنا انطلقت الحداثة في العالم الإسلامي وليس لذلك ارتباط بغزو بونابرت لمصر كما يذكر الكثير من المؤرخين للثقافة في مصر وللحركة الفكرية عموما، إذ لو كان للغزو علاقة بالنهضة، لبدأت النهضة من الجزائر والهند وغيرهما من البلدان التي غزاها الغرب، بحجة نقل الحضارة إليها، ولم ينقل إليها إلا الخراب والتدمير على جميع الأصعدة.

وطريقة الحداثيين في الواقع الإسلامي مستوحى من التجربة الغربية، التي أوصلتهم إلى الحكم على الكنيسة بالانحراف واتخاذ الموقف المناسب لها وهو التمرد عليها، والكنيسة متخلفة بالفعل؛ لأن الكنيسة بلغت مستوى من التخلف والانحراف والانغلاق والانفصال عن المجتمع، أنها تبيع المغفرة والرضوان الإلهي للناس !!بسبب قيم دينية جامدة خارجة عن الدين الذي جاء به موسى وعيسى عليهما السلام؛ بل لم يبق هذا السلطان الكنسي في المستويات الشعبية المحدودة، وإنما  انتقل إلى مستوى الهيمنة على مؤسسات السلطة والتحكم فيها، فلا يمكن للملك أو السلطان أن يتجاوز الكنيسة في قول أو فعل او قرار؛ بل بلغ ببعض الملوك التحالف مع الكنيسة ضد مصالح الشعوب المغبونة.

فتمرد الحداثيين في الغرب على الكنيسة مبرر وله من الشرعية ما يبرر تمرده واستبعاده للكنيسة نهائيا، من أن يكون لها دور في الحياة الثقافية والاجتماعي والسياسية، بسبب ما فيها من انحرافات بينة وباطلة.

ثم إن الحداثة في الغرب لم تقف عند هذا الحد، من التمرد على ما هو متوارث من الانحرافات الدينية، وإنما انتقلت بعملية التحديث إلى جميع مناحي الحياة، بحيث أصبح كل قديم متوارث قابل للتغيير والتحديث، على اعتبار أن القديم في العادة يفقد صلاحيته بسبب كثرة الاستعمال والممارسة، ليتم التدخل في تغيير الكثير من القيم الإنسانية، تحت هذا البند، في شكل تجديد بحكم قابلية الحياة للتطور أو بسبب فقدان الشيء القديم صلاحيته وعجزه عن مواصلة النشاط المطلوب!!

والحداثيون في عالمنا الإسلامي أرادوا تطبيق ما أنتج الغربيون من أفكار ومعتقدات بحذافيرها على واقعنا للأسباب المشار إليها آنفا، من غير اعتبار لخصوصيات مجتمعاتنا الإسلامية العقدية والثقافية والاجتماعية، ورغم أن من الخصوصيات الظاهرة في العالم الإسلامي أن المسجد لم يفعل بالمجتمعات والمؤسسات ما فعلت الكنيسة، كما لم يفعل علماء الوحي بعلماء الطبيعة، ما فعل القساوسة بإخوانهم من العلماء، ومع ذلك فالحداثيونا في عالمنا الإسلامي يصرون على التعامل مع المسجد ومع الدين كما تعامل إخوانهم في الغرب مع الكنيسة والقساوسة، فعملوا بكل ما أوتوا من قوة على استبعاد الدين من الحياة العامة بحجة، أن هناك استغلال للدين من طرف المتدينين وتسييسه، وبحجة أن الدين من القيم غير قابلة للقياس، وبالتالي لا تصلح مرجعا في تقرير مصير مؤسسات الدولة وقيمها الناظمة للمجتمع، وإنما بمكن إدراجه في خصزصيات الأفراد وليس من الشأن العام.

وبحكم أن هذا التوجه لم يكن موفقا في خياراته، وفي تعميم قناعاته على المجتمعات الإسلامية، فإن عصب هذا التوجه قد ضحت بكل شيء من فرض قناعاتها التغريبية على المؤسسات الرسمية، فضحت بحقوق الإنسان وبالديمقراطية وبالحكم الراشد في سبيل تحديث المجتمعات بالقوة.

ومع كل ذلك فإن إخفاقات الحداثيين لم تتوقف طيلة تاريخ صراعاتهم مع المحافظين، وتقرر سقوطهم بجلاء في تجربتين شهيرتين: في هزيمة 1967، وبتفكك الاتحاد السوفييتي 1991، حيث سقطت بسبب ذلك تجربتي الاتجاه القومي العربي الذي هيمن عليه اليسار، وسقوط التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، ثم بالاهتزازات التي يتعرض لها الفكر الحداثي في العالم عموما؛ بل تحولت الإخفاقات إلى ما بعد الحداثة… فتراجعت الكثير من القيادات اليسارية في العالم العربي ومنهم القوميون خاصة، ومن بقي منهم على تشبثه بمنطقه الحداثي، الكثير منهم اختار وجهة جديدة وهي تحديث الإسلام الذي لم يستطيعوا تجاوزه وتجاوز طروحاته المستعصية على التطويع في ظل منظورات حداثية ظاهرة وبخطاب حداثي متطرف، فظهرت فكرة مطاردة السنة والتضييق على الاعتراف بها كمصدر للفكر الإسلامي، واعتماد التأويل القرآني على طريقة محمد شحرور والكيالي وغيرهما.

ولم تقف اجتهادات القوم عند ذلك، وإنما انتقلوا إلى إنشاء مؤسسات متخصصة في نقد الفكر الديني وفق المنظور الحداثي، ولكن هذه المرة انتقلوا إلى محاذاة النص والمخاطرة باجتهادات بإعمال أدواتهم في اللغة والمقررات الكلامية والفلسفية الإسلامية. ومن المؤسسات التي تتصدر المشهد اليوم مؤسسة بلا حدود المغربية التي خفت صوتها نسبية، التي أتبعت بمؤسسة “المجتمع” لباسم الجمل اللبناني، التي انطلقت من تونس، وكأني بالمؤسستين تشبان من نبع واحد لتطويق المغرب العربي… وغير هاتين المؤسستين الكثير من الشخصيات والمؤسسات التي يظهر عليها الإيمان بالنص الديني والرغبة في الدفاع عنه، ولكنها معترضة على كيفية التعامل معه بالطريقة المتوارثة عن العلماء المسلمين، من علوم قرآن وحديث ومصطلح وأصول ومقاصد…

ورغم أن هذه المدرسة الحداثية الجديدة، تبدو أنها أقرب إلى خيارات عالمنا الإسلامي من المدرسة الحداثية المتغربة، إلا أنها لا تزال بعيدة عن منهجية القرآن المعرفية ومنهجية النبي صلى الله عليه وسلم، وما تحتاج إليه الإنسانية من تجديد في الفكر الإنساني؛ بل هي أخطر لأنها تنطلق من النصوص ذاتها ولا تبدي رفضها له.

لا شك أن الخطاب الإسلامي يحتاج إلى تجديد، والتراث يحتاج إلى غربلة، والأساليب المعرفية تحتاج إلى تنقيح وتطوير، ولكن كل ذلك لن يتم إلا من داخل الخطاب الإسلامي نفسه ومن نصوصه المؤسسة له، وليس من خارج الإطار كما يفعل الحداثيون في بلادنا.

مقالات ذات صلة