الحداد المرضي.. عالقون في لحظة الفقد ولوعة الاشتياق
الحزن والحداد على الميت، أمر فطري وطبيعي. ولا يمكن استنكاره، إذا انغمس فيه أهل المتوفى. لكن، أن يطول ذلك الحزن، ويمتد لشهور عديدة، فهنا، نكون قد خرجنا من دائرة ما هو طبيعي، إلى ما يسمى بالحداد المرضي. وهي حالة نفسية يستمر فيها حزن الفقدان لمدة طويلة، قد تتجاوز عاما أحيانا، ما يؤثر على حياة المريض، ويستدعي تدخلا علاجيا.
الحداد، هو استجابة إنسانية طبيعية عند فقدان شخص عزيز، يقول طاهر بوجمعة، طبيب مختص في الأمراض العقلية والصحة النفسية ومشاكل الإدمان، بالمركز الاستشفائي الجامعي عبد القادر حساني، بسيدي بلعباس. وهو، كما يضيف: “مسار نفسي مؤلم، لكنه في العادة محدود زمنيا، إذ يسمح للفرد بالتكيف التدريجي مع الفقدان. أما الحداد المرضي Deuil pathologique ou deuil compliqué فهو حالة نفسية، يحدث فيها تعثر أو تجمد في مسار الحداد الطبيعي، بحيث يستمر الحزن بشكل مفرط شديد، ومعطل للحياة اليومية لأشهر أو حتى سنوات. في هذه الحالة، لا يصبح الحزن مجرد ألم عاطفي، بل يتحول إلى اضطراب نفسي حقيقي، قد يتقاطع أو يحفز ظهور اضطرابات أخرى، مثل الاكتئاب، القلق، أو اضطرابات الصدمة. حينها، يحتاج إلى تدخل علاجي متخصص ومرافقة نفسية.
تجذر الألم جراء كبت المشاعر
تطور الحداد إلى حداد مرضي، له أسباب متعددة ومتداخلة، يوضحها طاهر بوجمعة، عضو وممثل الجزائر في قسم الأطباء الشباب للجمعية العالمية للطب العقلي: “منها المرتبطة بالفقد نفسه، أو المرتبطة بالشخص. من أهمها، طبيعة الوفاة، خاصة إذا كانت مفاجئة، عنيفة، أو صادمة، مثل حوادث المرور أو الانتحار. كما أن قوة العلاقة العاطفية مع الشخص المتوفى تلعب دورا كبيرا في الدخول في حداد مرضي، خصوصا في حالات فقدان الزوج، الطفل، أو أحد الوالدين مثلا.. ثم يأتي التاريخ النفسي السابق للشخص، كالاكتئاب أو القلق، نقص الدعم الاجتماعي، وكذلك العزلة العاطفية. هذا يزيد من خطر تطور الحداد المرضي، دون إغفال العامل الاجتماعي، مثل كبت المشاعر والضغط المجتمعي، الذي يدفع إلى تجاوز الحزن بسرعة. وبالتالي، يمنع التعبير الصحي عن الألم، فيتجذر داخليا”.
انسحاب اجتماعي وأفكار انتحارية
تداعيات الحداد المرضي، كما يؤكد الدكتور طاهر بوجمعة، قد تكون عنيفة وشاملة نفسيا، حتى إنها تظهر اجتماعيا، حزن دائم، شعور بالفراغ، فقدان المعنى، تأنيب الضمير، إحساس بالذنب.. وقد ينسحب المريض من محيطه الاجتماعي، يفقد اهتمامه بالعمل أو الدراسة، أو يهمل صحته الشخصية.. وقد يتجلى ذلك جسديا، فتظهر اضطرابات النوم، فقدان أو زيادة الشهية، آلام جسدية غير مفسرة، وإرهاق مزمن. وقد يصل الأمر إلى أفكار انتحارية أو رغبة لا واعية في الالتحاق بالفقيد، ما يجعل التشخيص المبكر والتكفل العلاجي أمرا مهما جدا.
وفي هذا السياق، يذكر الدكتور بوجمعة حالتين راسختين في ذهنه، صادفهما خلال مسيرته المهنية، الأولى لامرأة في الأربعين من عمرها، فقدت ابنها الوحيد في حادث مرور، وبعد أكثر من عامين، كانت لا تزال تعيش وكأن الوفاة حدثت بالأمس.
تحتفظ بغرفته كما هي، ترفض أي حديث عن المستقبل، تعاني من أرق شديد ونوبات بكاء يومية. بعد متابعة نفسية منتظمة، بدأت تدريجيا تستعيد توازنها، دون أن تنسى ابنها، بل تعلمت كيف تعيش بذكراه دون أن تدمرها.
الحالة الثانية، لرجل خمسيني، فقد زوجته بعد مرض عضال. يبدو في الظاهر متماسكا، لكنه داخليا كان يعاني من فراغ قاتل وانسحاب اجتماعي، واكتئاب حاد مع أفكار انتحارية صامتة.
علاجات داعمة
الشفاء وتجاوز هذه الحالة ممكن جدا، بحسب ما يقول الدكتور بوجمعة، لكنه يتطلب الاعتراف أولا بأن ما يعيشه الشخص ليس ضعفا ولا قلة إيمان،بل حالة نفسية قابلة للعلاج، الذي يعتمد أساسا على العلاج النفسي، خاصة العلاجات الداعمة المعرفية والسلوكية، التي تساعد المريض على إعادة تنظيم علاقته مع الفقد، دون إنكار للذكرى أو الألم. وفي بعض الحالات، نلجأ إلى العلاج الدوائي، إذا ترافَق الحداد المرضي مع اكتئاب شديد أو قلق مرضي. كما أن الدعم الأسري والاجتماعي وإتاحة المساحة الآمنة الكافية للتعبير عن الحزن مهم جدا، في فترة ما بعد العلاج.
ومؤخرا، يضيف المتحدث، أصبح هناك انفتاح على الفحص والمتابعة النفسية لهذه الحالات، مقارنة بالسابق، لما كان الذهاب إلى الطبيب النفسي من طابوهات المجتمع.
إن الحزن على الفقدان، مثلما يشدد الدكتور طاهر بوجمعة، أمر إنساني وطبيعي. لكن المعاناة المستمرة ليست قدرا. طلب المساعدة ليس ضعفا، بل شجاعة. وكل حزن لم يحتضن في وقته، قد يتحول إلى جرح نفسي عميق.