-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الشارع يفرض منطقه ويعيد رسم المشهد

الحراك الشعبي يخلط أوراق السلطة ويتجاوز حسابات المعارضة

محمد مسلم / إيمان كيموش / أسماء بهلولي
  • 3030
  • 0
الحراك الشعبي يخلط أوراق السلطة ويتجاوز حسابات المعارضة
ح.م

غياب عنصر الثقة بين السلطة ومختلف مكوّنات المعارضة، يجعل هذه الأخيرة تتوجّس من الالتزامات التي قدمها عبد الغني زعلان، مدير الحملة الانتخابية للرئيس المترشح، مطلع الأسبوع الجاري. فالوعود التي قدمها زعلان لتبرير قرار الترشح لعهدة خامسة، وعلى رأسها تنظيم ندوة وطنية سيدة لرسم ملامح المرحلة المقبلة، كانت محل نقاش مستفيض على المستويين، الإعلامي والسياسي، بين مختلف الفرقاء، وتبيّن في مرحلة ما أن مبادرة حركة مجتمع السلم، التي استفاض في شرحها رئيسها عبد الرزاق مقري، باتت محل اهتمام من قبل السلطة بعد إعادة طرحها (بإيعاز..) من قبل رئيس حزب “تاج”، عمار غول، غير أن التوافق سرعان ما انتكس، بعد أن قررت السلطة العودة إلى عادتها القديمة، والمضي في خياراتها منفردة. وبعد نحو شهرين تعود السلطة إلى مربع البداية، مدفوعة بحراك غير مسبوق للشارع. فهل من شأن هذه الوعود أن تقنع الشارع بالعدول عن حراكه؟ وهل هذه الوعود جادة أم مجرد مناورة لربح الوقت؟ وهل ما قدمته السلطة من وعود تحت الضغط، يمكنها الوفاء به عندما تخرج من عنق الزجاجة؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد الإجابة عنها.

وعود السلطة.. وعبر الماضي !

تشكل الوعود التي أطلقها الرئيس بوتفليقة في رسالة ترشحه للانتخابات الرئاسية المرتقبة في الثامن عشر من الشهر المقبل، خليطا من المساعي التي بادرت بها أحزاب موالية للسلطة وأخرى معارضة لها، غير أن كل هذه المساعي، قوبلت بالتجاهل في حينها من قبل السلطة.

وكان مدير الحملة الانتخابية للرئيس المترشح، عبد الغني زعلان، قد وعد استنادا إلى الرسالة التي قرأها عقب إيداع ملف ترشح بوتفليقة، بتنظيم ندوة وطنية سيدة، تضم مختلف مكونات الطبقة السياسية على اختلاف توجهاتها ومواقعها، وإجراء انتخابات رئاسية مسبقة في غضون السنة الأولى في حال أعيد انتخابه.

كما وعد أيضا باستحداث آلية جديدة مهمتها تنظيم العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، تحل محل الهيئة الحالية، التي يقودها الوزير السابق، عبد الوهاب دربال، التي يقتصر دورها، كما هو معلوم، على الإشراف على العملية الانتخابية فقط، ما حولها إلى “شاهد زور”، كما يقول الكثير من رموز المعارضة.

هذه العناصر الثلاثة، كانت كلها محل جدل بين السلطة وواجهتها السياسية ممثلة في ما يعرف بمعسكر الموالاة من جهة، وأحزاب المعارضة من جهة أخرى، غير أن السلطة رفضت هذه المطالب في حينها، وقررت الانخراط في مشروع العهدة الخامسة، رغم تكاثر الأصوات المحذرة.

ففيما يتعلق مثلا بالآلية التي توكل إليها مهمة تنظم الانتخابات، كانت مطلبا محوريا وعلى رأس مطالب أحزاب المعارضة، منذ أن أطلق الرئيس بوتفليقة وعوده بالإصلاحات في أعقاب مظاهرات ما عرف بـ “أحداث الزيت والسكر” في عام 2011، غير أن الاستجابة لهذا المطلب جاءت بعد خمس سنوات كاملة، وكانت مشوّهة وعكس ما طالبت به المعارضة.

فالصلاحيات التي جاء بها دستور 2016، الذي نص على استحداث هذه الآلية جعل منها مجرد “شاهد زور”، كما تقول المعارضة، لأن وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، هي التي تتكفل بمهمة التنظيم من بداية العملية الانتخابية إلى نهايتها، فحتى الإعلان عن النتائج، هو من صلاحيات وزارة الداخلية التي هي أداة بيد السلطة.

أما الآلية التي طالبت بها المعارضة منذ حزمة الإصلاحات الأولى التي بادر بها الرئيس، فهي تلك التي لها صلاحيات كتلك التي تتمتع بها الهيئة العليا للانتخابات في تونس مثلا، التي يبدأ عملها من البلدية عبر مراقبة قوائم الناخبين، إلى غاية الإعلان عن النتائج، مرورا بالرقابة الصارمة على صناديق الاقتراع. أما أعضاؤها فهم منتخبون من قبل البرلمان وليس معينون، ولها ذمة مالية مستقلة وغير تابعة للرئاسة كما هي الحال بالنسبة إلى هيئة عبد الوهاب دربال.

ما تعيشه البلاد اليوم من حراك شعبي غير مسبوق رافض للعهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، كان يمكن تفاديه لو عرفت السلطة كيف تتعاطى مع المبادرات التي عرضت عليها قبل نحو ثلاثة أشهر فقط، بل إن الالتزامات التي وعد بها مدير حملة الرئيس المترشح، هي ذاتها تقريبا، تلك التي تضمنتها مبادرة مقري، التي حاول عمار غول السطو عليها بعد ذلك.

وقد أكد هذا مقري في الندوة الصحفية التي أعقبت انسحابه من سباق الانتخابات الرئاسية، عندما أكد أن الوعود التي تضمنتها وثيقة ترشحه، تكاد تكون “صورة طبق الأصل للوثيقة التي قدمتها الحركة للرئاسة في إطار مبادرة التوافق الوطني”.

وانطلاقا مما سبق، يمكن القول إن المخاوف التي رفعتها المعارضة بشأن ضمانات تجسيد التزامات الرئيس المترشح، تبدو أكثر من مشروعة، لأن التجارب السابقة بيّنت أن السلطة لم تكن في مستوى وعودها.. فالحزمة الأولى من الإصلاحات أفرغت من محتواها (قوانين الأحزاب، الانتخابات، الإعلام..)، بسبب ممارسات برلمان مطعون في شرعيته، فضلا عن تحويل هيئة مراقبة الانتخابات إلى مجرد هيكل من دون روح، غير قادرة على ضمانة نزاهة الانتخابات.

القيادي في الأفلان السيناتور السابق إبراهيم بولحية لـ “الشروق”
الوعود فات أوانها.. والحل في تأجيل الانتخابات

ما تعليقكم على الحراك غير المسبوق الذي يجتاح الشارع هذه الأيام؟

في البداية، يجب أن نحيي الشعب الجزائري الذي خرج في مسيرات سلمية بالآلاف، ونثمّن الحراك الشعبي الأخير، كما نحيي الطريقة الحضارية التي طبعت هذا الحراك، وهنا نقول إن صوت الشعب كان واضحا، لا اجتهاد ولا تفسير ولا لبس فيه، ونخاطب السلطات ونقول إنه يجب الاستماع إلى صوت الشارع، وإن التحركات المقبلة يجب أن تكون على أساس كيفية الحفاظ على بلدنا والمكاسب المحققة في الجزائر، لاسيما في ما يتعلق بالأمن والسلم الوطنيين، وهنا أبلغكم أن أي فراغ سيضر بمؤسسات الدولة، يجب الاحتكام فيه إلى صوت العقل، والسعي جاهدين للحفاظ على أمن وسلم بلادنا، وذلك قبل كل شيء.

هذا الحراك خلف ارتدادات في المشهد السياسي، وقد جاء مطالبا الرئيس بعدم التشرح لعهدة خامسة فهل من شأن الوعود التي أطلقها الرئيس المترشح أن تعيد الهدوء؟

بكل صراحة وبعيدا عن المزايدات استمعت جيدا إلى رسالة الرئيس، وأؤكد بكل موضوعية أن هذه الأخيرة كانت تتضمن استجابة للكثير من المطالب، ولكن ما يمكن قوله في مثل هذا الظرف، هو أننا اليوم لسنا في حاجة إلى هذه المبادرة التي تجاوزها الزمن، بل اليوم يجب الحديث عن التوافق، وعن حل يرضي جميع الأطراف مع أهمية الحفاظ على امن واستقرار البلاد، والأهم من كل هذا أن لا تسيل قطرة دم جزائرية واحدة، ويجب إبرام اتفاق بين جميع الأطراف من أجل الحفاظ على أراوح الجزائريين.

الكثير من هذه الإجراءات طرحت من قبل المعارضة (مبادرة حمس) لماذا رفضت من قبل برأيكم؟

أعتقد أن الوقت الذي طرحت فيه هذه المبادرة لم يكن مناسبا، وبتعبير آخر، هذه الأخيرة تستجيب للكثير من المطالب إلا أنها لم تأت في أوانها، لو طرحت في الوقت المناسب لكانت قد أتت بأكلها، كما أن الذين يختلفون مع هذه المبادرة يعلمون أن الوقت تجاوزها اليوم، وهنا أدعو إلى تأجيل الانتخابات لفترة معينة تتراوح ما بين ستة أشهر وسنة، لإعادة الأمور إلى نصابها، كما يجب بعد ذلك استحداث هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات، وهنا أنوه إلى أن الهيئة الحالية لا تستجيب للمعايير الدولية ولا لنزاهة الانتخابات، يجب وجود هيئة تعلي صوت الشارع والمواطن قبل كل شيء.

من بين المقترحات التي طرحها الرئيس المترشح إنشاء هيئة لتنظيم وليس للإشراف على العملية الانتخابية.. ما الفرق بينها وبين الآلية الموجودة حاليا؟

يجب تشكيل هيئة مستقلة لتنظيم وتسيير الانتخابات وهو المطلب الذي قلته وأرسلته قبل 3 سنوات، كما يجب التمييز بين الهيئة الحالية التي تكتفي بمراقبة بعدية فقط، والهيئة المستقلة التي نطالب بها التي تتكفل بتسيير وتنظيم والإعلان عن نتائج الانتخابات، هذه الهيئة التي نجدها في كافة الدول، حتى موريتانيا قامت باستحداث هيئة مستقلة لتنظيم ومراقبة الانتخابات، وهو المطلب الذي كان لا بد من الاستجابة له من قبل، أما اليوم فنحن في وضع شعبي وحراك محتقن، لذلك يجب دراسة الطلبات جيدا والاحتكام إلى الشعب، فهو صاحب السلطة.

الآلية المقترحة هل هي قادرة على ضمان نزاهة الانتخابات في الجزائر؟

أعتقد أن الآلية المقترحة وإذا ما تم استحداثها بالشكل المطلوب، ووفقا للمعايير التي يتم الحديث عنها، ستتمكن من ضمان نزاهة الانتخابات وستكون آلية رقابة فعالة، ولكن يجب قبل كل ذلك الاتفاق على عقد ندوة وطنية مثلما سبق أن تحدث عنه الرئيس، بهدف الوصول إلى آلية تضمن نزاهة وشفافية الانتخابات المقبلة، ويجب أيضا أن تستجيب هذه الآلية إلى المعايير الدولية المطلوبة وألا تحيد عنها، وأن تكتفي هذه الآلية بالرقابة البعدية، وإنما يجب أن تضع تحت أعينها كافة مراحل الحملة الانتخابية وأن تكون مستقلة عن الحكومة ووزارة الداخلية والجماعات المحلية.

رئيس حزب الفجر الجديد الطاهر بن بعيبش لـ “الشروق”
التزامات السلطة هدفها الالتفاف على الحراك الشعبي

تشهد الساحة السياسية حراكا غير مسبوق والسبب رفض الذين خرجوا إلى الشارع للعهدة الخامسة.. ما تعليقكم؟

هذا مطلب شعبي عبر عنه الشعب الجزائري بخروجه للتظاهر عبر 48 ولاية رفضا لترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة. الحراك كان سلميا وغير مسبوق في تاريخ الجزائر، خاصة أن المتظاهرين رفعوا شعارات موحدة تطالب بالتغيير الجذري والحاجة إلى بناء دولة مؤسسات، أي جمهورية ثانية تحترم فيها الإرادة الشعبية، لذلك يمكن القول إنه لم يبق أمام السلطة إلا أن تستجيب لنداءات الشعب، لأنه لم يعد لها خيار آخر.

أطلق الرئيس بوتفليقة جملة من الالتزامات والوعود في الرسالة التي قرأها مدير حملته الانتخابية، بهدف احتواء الوضع.. كيف تنظرون إليها؟

الوعود التي قدمها الرئيس بوتفليقة للشعب الجزائري في رسالته الأخيرة بمناسبة إعلان ترشحه الرسمي لرئاسيات 2019، أعتقد أنها لم يعد لها معنى في هذا الوقت، لا سيما أن سقف مطالب الشعب بعد مسيرات 22 فيفري الماضي، ارتفعت وأصبحت تدعو إلى ضرورة التغيير ورحيل النظام، فأين كانت هذه التعهدات منذ سنة 1999، وهي السنة التي وصل فيها الرئيس بوتفليقة إلى سدة الحكم.

فالجميع يعلم أن الكثير من المكتسبات التي تحققت على مدار العهدات الرئاسية التي قضاها بوتفليقة في الحكم، اندثر الكثير منها، وبالتالي يمكن القول إن الحديث عن إصلاحات وتعهدات سيوفي بها الرئيس بوتفليقة في حال فاز بالرئاسيات المقبلة، يعتبر مجرد كلام ومناورة سياسية. فكيف يمكن تحقيق إصلاحات بحجم الوعود التي أطلقت في ظرف سنة واحدة، في حين إن صاحبها بقي في الحكم طيلة حكم دام 20 سنة ولم ينجزها.

الجميع يعلم أن الرئيس مريض شفاه الله، وبالتالي فهو لم يعد قادرا على تقديم المزيد.. وهنا أؤكد أن الإجراءات التي تحدث عنها مدير الحملة الانتخابية للرئيس المترشح، هدفها احتواء المسيرات الشعبية الضخمة، التي خرجت منددة ورافضة للعهدة الخامسة. وأنا أعتبرها مناورة للالتفاف على مطالب الشعب والمعارضة التي سبق أن طالبت بهذه الإصلاحات قبل 5 سنوات فلماذا تأخرت استجابة السلطة لهذا النداء إلى غاية اليوم؟

الكثير من هذه الإجراءات طرحت من قبل المعارضة لماذا رفضت من قبل برأيكم؟

بالفعل، الإجراءات التي تحدث عنها الرئيس بوتفليقة في رسالته الأخيرة سبق أن طالبت بها أحزاب المعارضة سنة 2014 لكن الرد كان سلبيا، واليوم تأتي السلطة لتطرح نفس المبادرة بهدف يعلمه الجميع، فنحن سبق أن دعونا إلى فتح أبواب الحوار وإصلاح المنظومة السياسية وتعديل الدستور بكل شفافية وديمقراطية، غير أن هذه المطالب تم الالتفاف عليها وعادت اليوم في إطار آخر بعد أن تأكدت السلطة من أنه لا حل لها، فأساليبها السابقة لم تعد مجدية في ظل تراجع عائدات البترول، فالأموال التي كانت تشتري بها السلم الاجتماعي لم تعد موجودة.

من بين المقترحات التي طرحها مدير الحملة الانتخابية للرئيس المترشح، إنشاء هيئة لتنظيم وليس الإشراف على العملية الانتخابية.. ما الفرق بينها وبين الآلية الموجودة حاليا؟

نحن طالبنا بهيئة وطنية مستقلة لمراقبة الانتخابات ومتابعة العملية منذ بدايتها إلى نهايتها وليست هيئة مرسمة في الدستور، فهذا الإجراء جعلنا أضحوكة ومسخرة أمام العالم فهو اعتراف بوجود تزوير لذلك فهناك فرق كبير بين الآلية التي دعت إليها المعارضة لضمان شفافية الانتخابات وبين ما قدمته السلطة.

برأيكم.. هل الآلية المقترحة قادرة على ضمان نزاهة الانتخابات، وفق ما تطالب به المعارضة؟

المعارضة موقفها واضح من الإجراءات التي قدمها مدير الحملة الانتخابية للرئيس المترشح في رسالته، فهي لا تثق في هذه التعهدات، وبتالي فإن الآلية المقترحة لضمان نزاهة الانتخابات لن تخرج هي الأخرى عن هذا الإطار، فنحن نرفضها وندعو إلى فتح حوار جدي وحقيقي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!