“الحربائيون” في الأفلان.. نموذج للانتهازية والرداءة السياسية
يعرفون في الأدبيات السياسية بـ”المتملّقين” أو “المتسلقين” أو “المتزلّفين” أو”الوصوليين” أو “الانتهازيين..” وفي المفاهيم العسكرية بـ”الجبناء”، أو “الفارين..” أو سمّهم ما شئت: “الحربائيون”، “المترددون”، أو لنقل أصحاب مواقف اللحظات الأخيرة، وبلغة بن باديس: “بني وي وي”، وبالعامية “بوزوج وجوه..”، هؤلاء هم سبب الرداءة التي طغت على الحياة السياسية، ومن ثمة فهم مصدر كل بلاء لحق بالبلاد.
هذا الصنف من البشر، إن لم نقل الكائنات السياسية، موجودون في كل البلدان وفي كل الأزمان، كما في كل الأحزاب، لكن تواجدهم في حزب جبهة التحرير الوطني، صار أكثر من لافت. هم موجودون بقوة وباستمرار، يأكلون الغلة بشراهة ويسبون الملة في صمت.. لكن المحن الكثيرة والكبيرة التي تعرض لها الأفلان، أظهرت معادنهم وأسقطت عنهم الأقنعة. لقد رسبوا في امتحان مواقفهم وغيروها، أو لنقل كيّفوها مع مصالحهم الخاصة، في أكثر من مناسبة وفي فترات قصيرة..
بمثل هذا الصنف من الكائنات السياسية، تدار كبرى الأحزاب في البلاد، وبمثل هذه السلوكات والمواقف يحكم “الجهاز”. ما من شك في أن الحزب الذي جاء من رحم آلام الجزائريين، وترعرع في جحيم معاناتهم، يتوفر على رجال من طينة مصطفى بن بولعيد وديدوش مراد، والعربي بن مهيدي، وزيغود يوسف وباجي مختار، والعقيد عميروش.. إلا أن عوائق كثيرة حالت دون تبوئهم مواقع القيادة في الحزب.
غداة الإعلان عن قوائم مرشحي الأفلان للانتخابات التشريعية الأخيرة، ثارت الثورة على الأمين العام للحزب، ووصل عدد الغاضبين حدا ظن معه الجميع أن عبد العزيز بلخادم صار وحيدا معزولا، لم يتبق معه غير الناطق الرسمي للحزب، الذي استمر على تصريحاته المدافعة عن خيارات القيادة.
اندفعت حشود من أعضاء اللجنة المركزية ذات 9 أفريل 2012، نحو المقر المركزي للحزب لسحب الثقة من الأمين العام.. كان حينها بلخادم يطلّ على الجمع من الطابق الأول عبر نافدة مكتبه في هدوء. لا أحد يعلم ما كان يدور في رأس الرجل في تلك اللحظات، وهو يشاهد من أعدّ معه قوائم المترشحين يرفع لافتة كتب عليها: “إرحل.. إرحل يا بلخادم”.
دارت الأيام وجاء موعد العاشر من ماي.. كان الكثير يراهن على سقوط الأفلان في الانتخابات، فيخرج بلخادم من الباب الخلفي، تلقائيا وكما وعد قبل الاستحقاق، لكن المشهد كان مغايرا، والسيناريو لم يكن منتظرا.. إنه اختبار حقيقي لـ “المتملّقين” و”المتسلقين” و”المتزلّفين” و”الوصوليين” و”الانتهازيين” و”المترددين”، وأصحاب مواقف اللحظات الأخيرة، و”بني وي وي”، و”بوزوج وجوه”.،
أول المنقلبين على مواقفهم، كان واحدا من أقرب المقربين لبلخادم، وعضوا بارزا في المكتب السياسي، لم يجد حرجا في أن يحجز لنفسه مكانا في الصفوف الأولى بفندق مزفران، في لقاء الأمين العام بنوابه الجدد.. يومها سئل الرجل عن سر الانقلاب على بلخادم ثم العودة السريعة إليه، فرد بالقول: “أنا مع مصلحة الحزب والبلاد حيثما كانتا؟”.
لم يكن صاحبنا الوحيد، فأمثاله كثيرون، لكن انقلابه كان سريعا وفاجأ حتى من كان يفكر من رفاقه بذات المنطق الانتهازي.. لم يفر الثور من الحظيرة، كما قال الشاعر العراقي أحمد مطر، بل الحظيرة هي من التحقت بالثور (بالطبع، ليس كلها).
“الشروق” كانت حاضرة في “موقعة” سيدي فرج بين بلخادم وخصومه.. الجميع اعتقد في ظل الشحن الإعلامي الذي سبق موعد اجتماع اللجنة المركزية، أن المنقلبين على موقفهم قليلون. وهناك من قال إن الأمر اقتصر على صاحبنا فقط، لكن المفاجأة كانت صادمة.. لقد سارع الكثير ممن طالب بلخادم في الصباح بالرحيل، إلى رفع يده مهللا لتثبيت الثقة فيه في المساء.. فهل بمثل هؤلاء الرجال نبني الأحزاب؟ وهل بمثل هذه المواقف يرتفع الآداء السياسي؟.