الرأي

الحرب المالية الكونية

يختلف قادة الحرب الكونية الحالية على إيران، عن الذين أشعلوا الحربين العالميتين الأولى والثانية وما سبقهما من حروب، في الأسباب والأهداف وحتى في مسار المعارك، إذ يصطحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معه آلة حاسبة، لعدّ ما ينفقه يوميا من أموال، وما يجب أن يجنيه في كل خطوة يقوم بها، فإذا ثقلت ميزانيته وليس “موازينه”، فهي النار الحامية التي ستجعله ينسحب صاغرا من حرب هو الذي أشعلها، أما إن خفّت ميزانيته فهو يواصل الحرب إلى ما لا نهاية، ما دامت تقام بعيدا عن أرضه وعن شعبه، حيث يموت أبناء إيران وأبناء الخليج ولبنان وغيرهم من الشعوب، ولا يفقد هو مدنيا واحدا.

حتى الخارطة التي يصحو على رسمها، والبورصة التي يسأل عنها، فهي تتراوح ما بين جزر النفط وآباره في الخليج الكبير، ومضيق هرمز، وبين أسعار الوقود والذهب، غير مهتم بالمآسي الإنسانية المترتبة عن هذه الحروب، ولا بسُمعته وسُمعة بلاده التي صارت مرادفة لما كان ومازال يتهم به البلدان التي اعتبرها معادية له وأعلن الحرب عليها، من كاراكاس إلى طهران.

بين حادثة سراييفو وغزو بولونيا، كانت أهداف الحربين الكونيتين الأولى والثانية واضحة، فقد اندلعت الحرب الأولى، بسبب الخلافات في بلاد البلقان ومسعى طرد الخلافة العثمانية من أوروبا، فكان اغتيال وليّ عهد النمسا “فرانز فرديناند” رفقة زوجته من طرف الشاب الصربي غافريلو برينسيب، شرارة حرب لم تتوقف حتى نفد السلاح والذخيرة، بينما أصيب الزعيم النازي أدولف هتلر بوباء الاستكبار والعُجب والنرجسية وتخيّل غلبة الجنس الآري على بقية الأجناس، فباشر ابتلاع الدول من أجل إمبراطورية لا أحد استشرف مداها، فكانت الشرارة التي أشعلت حربا ثانية، لم تنته إلا عندما دخلت أمريكا بقنابلها الذرية، وانتحر المتسبِّب في الحرب، وسئم الناس أو هلكوا من الأوجاع والنار والدمار.

في الحرب الكونية الحالية التي يتابعها ويتأثر بلهيبها، أبناء السيشل، هناك في جنوب القارة الإفريقية، وأبناء هايتي في قلب البحر الكرايبي، وبقايا الأبورجين والمويسكا في أستراليا وكولومبيا، لا سبب لها ولا هدف غير الوصول إلى الثروة، فلو لم تكن إيران تمتلك ثالث احتياطي في البترول وثاني احتياطي في الغاز في العالم، لما شُدّت إليها رحال الحرب من بوارج وطائرات حربية، وما جعلت ترامب يحفظ عن ظهر قلب تاريخ الفرس وكتب الشيعة الإثني عشرية، بل ويعرف الخلاف ما بين الشيعة والسنة من حادثة السقيفة إلى ما وصل إليه الآن.

كان الناس في زمن كورونا، يحسبون موتاهم في كل يوم، ويدفنونهم ببروتوكولات مؤلمة، بينما رفض ترامب خيار الغلق والحجر الصحي، إلى أن وصل الموت إلى باب داره، وهدد بإخراجه من البيت الأبيض، لأنه كان يحسبها ماليا.

وها هي لبنان تعدّ موتاها وعُمان والكويت وإيران… في حين يعدّ قادة الحرب المالية الكونية الحالية، ما يخسروه من سعر البرنت، الذي قرع المائة دولار، وسعر البنزين في الولايات المتحدة الأمريكية الذي قارب الأربعة دولارات.. هي بالمختصر غير المفيد، حرب كونية ولكن.. مالية.

مقالات ذات صلة