الرأي

الحرب على إيران: هل نستوعب دروسها الإستراتيجية؟

محمد سليم قلالة
  • 122
  • 0

كشفت الحرب ضد إيران اليوم مسائل جوهرية ذات بعد استراتيجي ينبغي إيلائها أقصى الانتباه. والأمر لا يتعلق هنا بإيران وحدها، بل بكافة دول الجنوب العالمي سواء أكانت مسلمة أو من ديانات أخرى. جميعنا نحتاج إلى إدراك مجال حركتنا الإستراتيجية بين حدود الممكن الذي نستفيد منه وغير الممكن الذي ينبغي تجنبه، وحدود ما ينبغي ألا نخافه وما ينبغي الحذر منه.

من بين ما هو ممكن وعلينا الاستفادة منه ضمن هذه الرؤية، نذكر:

1- أنه ينبغي علينا ألا نخاف على الثروات الطبيعية التي نملك مثل الغاز والبترول والمعادن وغيرها بقدر ما ينبغي أن نُخيف بها. أثبتت الحرب الدائرة اليوم أن العالم بات يخشى من استخدام الطاقة كسلاح بيد الدول المنتجة، أكثر من خشية هذه الدول السيطرة الأجنبية على مصادر الطاقة لديها. وهذا ما ينبغي للدول البترولية أن تستوعبه، بدل أن تخاف على البترول والغاز بأن يُنهبا مما يضطرها إلى طلب الحماية (غير المُجدية)، عليها أن تتعامل معه كسلاح ردع بيدها، وتستخدمه بالفعل كذلك، وستكتشف بأنها تحصل على حماية أكبر وأمن أفضل من دعوتها للقواعد العسكرية الأجنبية لحمايتها مثلا، فالإخافة بالبترول والغاز أفضل استراتيجيا من الخوف عليهما.

2- أنه على القوى ذوات الأوزان الصغيرة (قياسا للناتج الداخلي الخام، أو القوة العسكرية، أو التطور التكنولوجي…) ألا تستهين بقدراتها المحدودة؛ إذ أثبتت هذه الحرب أن الأوزان الصغيرة يمكنها ترجيح كفة الصراع بين الكبار، ومنه يتبين لنا أنه لا يوجد شيءٌ اسمه الاحتماء بالأقوياء (البلدان الخليجية) لمن لا يحمي نفسه (إيران).

3- أنه مهما تطوّرت التكنولوجيا والقوة العسكرية يبقى للجغرافيا دورٌ في أي صراع، إذ بإمكانها تحييد التكنولوجيا والانتصار على القوة المفرطة. ما يحدث اليوم حول مضيق هرمز وما حدث من قبل حول مضيق باب المندب يُبيِّن عجز أكبر جيش في العالم على منع غلق المضيق حتى وإن كان الغلق يجري بأسلحة تقليدية!

4- ينبغي عدم الاستهانة بالعمق الحضاري وبالتاريخ، إذْ تبقى الحضارات العريقة (الإسلامية، الفارسية، الصينية، الروسية…)، تُشعِر المُعتدين بعدم القدرة على هزيمة الخصم بالتطور التكنولوجي وحده أو القوة العسكرية وحدها، وهذا بعد ينبغي تعميقه.

ومن بين ما ينبغي الحذر منه اليوم وغدا، نذكر:

– مازالت بعض دوائر القرار في الغرب تعمل على منع حصول دول الجنوب على التكنولوجيا المتقدمة بكافة الوسائل بما فيه الحرب (السبب الرئيس للعدوان على إيران) حتى لا تجمع بين الحضارة والعلم!

– ستستمر السياسات الغربية المتطرفة في الاعتماد على تشجيع الانقسامات بين مكونات دول الجنوب وداخل كل مكون على حدى إن كان دينًا أو مجموعة حضارية أو مجموعة جغرافية وحتى عرقية، وتستخدم لذلك كافة السبل وتطورها (سنة – شيعة، عرب – فرس، أكراد، مسيحيين… تيارات دينية أحزاب لا تتوقف عن اصطناع تصنيفات لها… الخ).

– هناك سعيٌ لمنع تكرار تجربة الصين في دول الجنوب الأخرى حتى لا يتوقف مسار نهب ثروات دول الجنوب من قبل الشركات الرأسمالية الكبرى كما هو معدوم في الصين.

– تتجاوز أغلبية النخب الحاكمة اليوم في الغرب خلافاتها في آخر المطاف وتتحالف ضد بقية العالم، وحتى إذا كان بإمكانها التعايش مع الصين أو روسيا أو الهند كمجموعات حضارية، فإن معظمها يتردد كثيرا في التعايش مع المجموعة الإسلامية أو مع الجنوب العالمي.

– كما هي فلسطين بوصلة العالم الإسلامي التي يقيس بها مدى استعادة مكانته، تبقى “إسرائيل” هي البوصلة التي يقيس بها المتطرفون في الغرب اتجاههم ومدى سيطرتهم، لذلك ينبغي عدم انتظار أي تعامل منصف أو أي تحوُّل جوهري لمواقفهم في المدى المتوسط والبعيد.

وعليه، فإن الحركة الواعية اليوم والتي يمكنها تحقيق تقدُّم في مختلف المجالات هي التي تعرف كيف توازن بين ما ينبغي الاستفادة منه وما ينبغي الحذر منه من الحرب المعاصرة التي كما هي تضرب إيران اليوم قد تضرب غدا أي بلد آخر يتطلع لاستعادة مكانته بين الأمم، خاصة إذا كان يمتلك عمق التاريخ واتساع مجال الحضارة…

هل نستوعب مثل هذه الدروس الإستراتيجية؟

مقالات ذات صلة