الرأي

الحرية العقلية

بقلم: الشّيخ محمّـد الغزالي –رحمه الله-
  • 302
  • 0

قد يحدث أن يُكرِه المرء ولده على الذهاب إلى المدرسة، أو يكره مريضه على الذهاب إلى المستشفى، ويجد نبل الغاية مسوغا لهذا الإكراه، ويعتبر قصور الطفل عن فهم مصلحته وتوجس المريض من مرارة الدواء الذي يتجرعه أو الجراحة التي تجرى له يعتبر ذلك مبررا لفرض إرادته تحقيقا لنفع محض. ربما حاول بعض المؤمنين بدافع من الثقة في صدق دينهم أن يحملوا الآخرين على الدخول فيه، يقصدون بذلك إدخالهم في الجنة وإنقاذهم من النار، وخصوصا إذا كان هؤلاء أولادهم أو أقاربهم.

حدث على عهد رسول الله -صلّى اللهُ عليه وسلم- أن كان لرجل من الأنصار ابنان تنصرا قبل البعثة، ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يتاجرون في الزيت، فلزمهما أبوهما، وقال: لا أدعكما حتى تسلما فأبوا، واختصموا إلى النبي -صلّى اللهُ عليه وسلم-، فقال الوالد: يا رسول الله، أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟! فرفض الرسول -صلّى اللهُ عليه وسلم- حملهما على الإسلام! وأمر بتخلية سبيلهما ونزل قول الله: ((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم)).

إن الإكراه لا يكون في العقائد، إنه على العكس ينفر منها ويسيء بها الظنون، وطبائع الأشياء ترسم للعقائد طريقا يبدأ حتما من الحرية العقلية المطلقة.

تتزاحم الأفكار والمبادئ أمام الإنسان فيؤثر منها ما يراه أولى بالاعتناق وأجدر بالاتباع، فإذا اختار فكرة ما خلطها بشعوره، ورأى على توالي الأيام أنها أصبحت شطر نفسه، ثم تمتزج بعقله وعاطفته فيصدر عنها في تصرفاته ويحب ويكره على أساسها، وتزداد الفكرة تغلغلا في وعى المرء، فبعد أن كان يدفع عنها كما يدفع عن نفسه، يفتديها بنفسه وأولاده وما يملك، والناس ليسوا سواء في هذا المنطق، لأن منهم من لا يحسن التفكير والموازنة! ومنهم من يعرف الحق ويصدف عنه! ومنهم من يعرفه ويعتنقه، ثم ينزل عنه تحت عوامل الترغيب! ومنهم المرتزقة الذين يؤمنون بالمال ويكفرون من أجل المال يذكرون أنفسهم كثيرا ولا يذكرون الله إلا قليلا.

ومهما اختلفت مشارب الناس وكشفت عن معادنهم تجارب الحياة فإن الدعامة الأولى للتدين حرية العقل والإرادة، والمنهج الأول للنبيين تربية الأمم بالإقناع والمحبة، وإثارة مشاعر الإعجاب والإقدام في نفوسهم، وقد فعل ذلك صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله -صلّى اللهُ عليه وسلم-. ماذا كان يملك من القوة حتى يكره الناس على الإيمان؟

لقد جمع الناس على الله وسط عواصف عاتية من الغضب والمطاردة والعدوان وأشعل مصابيح الفكر بعد ما أطفأها التقليد وأخمدها الركود. وساق الدلائل البينة على صدق دينه، فاحتشدت من حوله الألباب النيرة والقلوب الموقنة، وظل حياته يكافح فتن القبائل المغيرة، ويكلف صحبه أن يغرموا من أنفسهم وأموالهم للذود عن دينهم فكانوا يسارعون إلى ذلك في سرور وترحيب، وجاءت أيام كان النطق فيها بكلمة التوحيد إشارة للهجوم واستباحة الحقوق. ومع ذلك قالها من انشرحت بها صدورهم وطابت بالبذل في سبيلها أنفسهم. (من كتاب “الإسلام والاستبداد السياسي“).

مقالات ذات صلة