في أولاد تبّان
أولاد تبّان عرشٌ مجيد من أعراش الجزائر المجاهدة، فأذاقتهم فرنسا العذابَ الواصب فما ضعفوا وما استكانوا وجاهدوا حتى طُهِّرت الجزائر من الرجس الفرنسي، ويفتخر أبناءُ هذا العرش بأنّ المؤرِّخ الكبير عبد الرحمن بن خلدون ذكرهم في مَعْلمَته “العِبر”.
تفضّل أهلُ هذا العرش فدعوني –عن طريق شعبة العلماء المسلمين الجزائريين واللجنة الدينية لمسجد المجاهد الدكتور عبد الحميد شيران- لمشاركتهم إحياء ذكرى يوم العلم. وقد تشرّفتُ بالتتلمُذ فترة قصيرة على هذا المجاهد في ثانوية رمضان عبّان في حيّ المحمّدية بمدينة الجزائر، ثم درّس في معهد العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر، وأنهى حياته في 2015 عميدا لثاني أكبر مسجدٍ في فرنسا وهو مسجد ليون. وقد قلتُ له ذات يوم، بعدما أصبحتُ “شيئا مذكورا”: لمَ لا تسعى لنيل منصب سياسي رغم جهادك وعلمك؟ فردَّ عليَّ بآيةٍ من القرآن الكريم: “لو كان خيرًا ما سبقونا إليه”. وهو لا يقصد السياسة الشريفة، ولكنّه يقصد “البوليتيك”.
حللتُ في مساء يوم الخميس 9/ 4/ 2026 ببلدة أولاد تبّان، التابعة لدائرة عين ولمان ولاية سطيف، وبعد استراحةٍ قصيرة أدّينا صلاة المغرب، ثم شرّفني الإخوة فطلبوا منِّي إلقاء كلمة في مسجد البلدة المُسمَّى باسم عرشهم “مسجد أولاد تبّان”، فألقيتُ كلمة دارت حول العلم ومكانته العالية وقيمته الغالية في الإسلام؛ إذ أمر به اللهُ –عزّ وجلّ- قبل جميع أوامره، بما في ذلك توحيده- عزّ وجلّ- “فاعلم أنه لا إله إلا الله”.
وفي صبيحة يوم الجمعة، تشرّفتُ بزيارة المدرسة القرآنية التابعة لشُعبة جمعية العلماء، ثم أدَّيتُ صلاة الجمعة في بلدة “العيون” التي يحمل مسجدُها اسم أستاذي عبد الحميد شيران، فذكّرتُ بجهاد الإمامين الفرقدين رئيسي خير جمعيةٍ أخرجت للناس، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وفضلهما الكبير على الجزائريين، ولكنّ الأراذل لهذا الفضل من الجاحدين.
ثم زرتُ مقرَّ الكشافة الإسلامية، فاطّلعتُ على بعض نشاط أعضائها المتميِّز في الجانب العلمي، وهو نشاط يُذكر ويُشكر، ثم زرتُ “متحفا”، لم أرَ مثله إلا في مدينة بريكة، وقد أسِّس هذا “المتحف”، في مكان كمِفحص قطاة، الأستاذ لخضر صبحي، رحمه الله، لأنه يعلم قول الشاعر:
واخدعِ الأحياء ما شئتَ فلن تجد التاريخ في المنخدَعين.
وأمّا أشهرُ علماء أولاد تبّان في العصر الحاضر، فهو الشيخ محمد العربي التباني، الذي هاجر في نهاية العشرية الأولى من القرن العشرين إلى مكّة المكرَّمة بسبب طغوَى فرنسا الصليبية، وأسّس هناك مدرسة للعلوم الشرعية، وقد عرفتُ أحدَ خرّيجيها وهو الدكتور نور سيف.
ويدلّك على صلابة الشيخ محمّد العربي التباني أنه عاش في بيئةٍ يهيمن عليها التيارُ الوهّابي، ولكنه كان يجاهر بنزعته الصوفية وعقيدته الأشعرية، كما أخبرني عنه الشيخ العباس بن الحسين الذي كان ممثّلا للثورة الجزائرية، ثم سفيرا للدولة الجزائرية في السعودية. أولُ ما قرأتُ اسم الشيخ التباني كان في أحد أيّام 1987 عندما مررتُ على مكتبةٍ في باريس، فوقفتُ عند واجهتها، وقرأتُ عنوان كتاب “درءُ السحابة في الردّ على من سبَّ الصحابة” وتحت العنوان اسم المؤلف: “محمد العربي التباني السطايفي الجزائري”، فاقتنيتُه، ثم حصلتُ على بعض كتبه الأخرى.
شكرًا للإخوة في أولاد تبان الذين أخجلوني وأحبّوني حتّى أتعبوني، و”من الحبِّ ما قتل”.