مرحبا بضيف الجزائر في عاصمة السلام.
ينزل البابا لاوون: 14 هذه الأيام (13 – 15 أبريل 2026) ضيفا على دولة الجزائر، ووجهته إلى مدينة (بونة التاريخية) التي كانت لفترة طويلة – قبل الفتح الإسلامي – مدينة الفلسفة والاعترافات والعشق الإلهي..!! زمن القديس أوغسطينوس المولود في تاغاست (سوق أهراس حاليا) سنة 354 ميلادية. من أب عريق ذي أصول أمازيغية يسمى (باتريكيوس) وأم رومية مسيحية تسمى (مونيكا) صارت قديسة متبتلة متفرغة لخدمة “بيت الله” بعد إنجابها ولدها العبقري الذي غير مفهوم العلاقة بين العبد وربه في عقيدة النصارى!! وحمل اسم القديس أوغسطينوس.
ففي مدينة عنابة كتب مؤلفة الرائع “الاعترافات” ونشره حوالي سنة 400م . وهو عبارة عن سيرة ذاتية روحية يروي فيها محطات حساسة من حياته الماجنة قبل أن يكتشف الله..!! كما يقول. وقبل أن ينحاز إليه..!!
ومذكراته هذه عبارة عن رحلة فكرية فلسفية بين الشك واليقين استعرض فيها مساره المتخبط في الوثنية والشهوة واللهو والضلال.. أيام مراهقته وخلال سنوات طلبه العلم في قرطاجنة (تونس)؛ وما كان من طيشه ومغامراته..!! قبل رحلته الفارقة إلى روما وميلانو..
فهناك عرف طريقه إلى دين عيسى عليه السلام قبل ظهور الاسلام بحوالي 250 عاما. فتحول من الشك إلى المسيحية بفقه: الله. والنفس . والزمن. وأصدر مذكراته في 13 فصلا (الطفولة والشباب. والبحث عن الأفلاطونية. والتحول الكبير. وتأملات فلسفية. والعلاقة مع الله.. الخ).
وبعد مرحلة تيه وضلال وانحلال.. عرف الله بتصور روحي كنسي..!! بعد أن عرف نفسه فقهرها عن الشهوات وارتقى بها من ثقلة المادة إلى خفة الروح.
ومازال هذا الكتاب مرجعا للفكر الغربي في جوهر البحث عن الحقيقة داخل النفس البشرية. وفي بيان طرق حسم المعركة الوجدانية بين الأرض والسماء لبلوغ قمة الراحة في ظل الله.
عاد إلى عنابة (هيبون) عام 389 تقريبا. واستقر فيها وصار كاهن زمانه !! وارتقى إلى مقام الأسقفية عام 395. وفي عنابة أنجز أضخم أعماله المسمى (مدينة الله) الذي سلخ من عمره 13 عاما بين سنوات 413/426 لمواساة المسيحيين بسقوط روما على أيدي جيش القوط عام 410 م.
وظل يرسم معالم الفكر الغربي تلقاء “روحانية الشرق” إلى أن رحل عن هذه الدنيا عام 430 م سنوات حصار الوندال مدينة عنابة عن عمر ناهز 76 عاما.
وبين ميلاده ومماته كان الشرق الجزائري – وشمال إفريقيا – يعيش صراع هوية متعددة التوجهات والأعراق بين الأمازيغ والرومان والوثنيين والمناويين والمسيحيين وبقايا القوط .
عندما انتخب البابا لاوون: 14 على رأس القيادة المسيحية الكاثوليكية قبل عام . وتحديدا في شهر مايو 2025 صرح أنه ابن أوغسطين. وأنه ينتمي إلى الرهبنة الأوغسطينية.. ووضع في برنامجه زيارة جده أوغسطين بمرتفعات جبال بونة. مع أنه زار الجزائر مرتين – قبل انتخابه – عندما كان مسؤولا عن التعمبد والرهبنة في الكنيسة الرومية.
ولكي نعرف “عقيدة البابا” وما سوف يذيعه من رسائل خلال زيارته للجزائر علينا أن نتعرف على عقيدة جده أوغسطين وعلى مساره الفكري والروحي كون البابا “تلميذا روحيا” لابن سوق اهراس. وهو يفتخر بهذا الانتساب.
أوغسطين هو أحد الأربعة الذين هم ركائز الكنيسة. وهو الذي أخرج المسيحية من ضيق الصراع اللاهوتي إلى سعة التسامح الديني. ووضع معالم عقيدة الخلاص على محك الشك المنهجي بتأمل فلسفي عميق يجعل للبشرية وجودين متكاملين. أو مدينتين متصارعتين:
١- مدينة الله القائمة على الإيمان والقيم والحق.
٢- ومدينة الدنيا القائمة على صراع السلطة والشهوة..
أي وجود الله في القلب. وهو وجود لا يتأثر بالصراع الخارجي. وقد فسره قي كتابه (مدينة الله). ووجود البشر الذي استعرضه في مذكراته (الاعترافات) وفي رحلته من الوثنية إلى روح عيسى عليه السلام.
وهي الفكرة التي بثها في نفسيات أتباعه لما سقطت روما فقال بعضهم: أسقطها تمسك ساكنيها بالدين..!! فرد عليهم بكتاب كامل قال فيه: إن روما لم تسقط بسبب “الروحية المسيحية” بل سقطت لأن البشر أفسدوا الدين وباعوا به وشروا. فضاعت العدالة.. فسقطت روما بجور ساكنيها وبفقدانهم العدل وبارتخاء قبضتهم عن دينهم. إذ ليست العدالة سوى معيار بين الروح والمادة. وقيمة الإنسان في داخله وليست خارجة عنه.
هذه هي القيم التي سيحملها البابا إلى عنابة رسائل محبة وسلام وتضامن.. من روما إلى بونا تعبيرا عن تاريخ مشترك. وعن تأثرة بفكر جده القديس أوغسطين..
ونحن نتوقع أن تكون كلماته للطائفة المسيحية رسائل هادئة وعميقة مستمدة لن تخرج عن هذه المعاني الكبرى:
١- شكر وامتنان ومحبة وسلام.. واستعداد لمد جسور التعايش السلمي بين العالمين الإسلامي والمسيحي. ونبذ العنف واستنكار القوة.. والدعوة إلى تعزيز علاقات التعاون والاحترام المتبادل بين الصفتين الشرقية والغربية.
٢- طي صفحات الماضي المؤلم في مسمى “الحروب المقدسة”. والبدء بكتابة صفحات جديدة..
٣- اعتبار أن ما مس الجاليات غير المسلمة المقيمة في الجزائر خلال سنوات المأساة الوطنية: 1992 / 2012 شهادة على أن القتل لا يفرق بين مسلم ومسيحي ولا بين مواطن ومقيم ولا بين بريء ومجرم.. وأن ال19 مسيحيا الذين كانوا ضحايا تلك السنوات المأساوية من كهنة ورهبان (بمن فيهم رهبان تيبحرين السبعة) هم ضحايا العنف السياسي.. وهم – كما قال الكاردينال فيسكو – رموز اختبار للتضامن لمن اختاروا البقاء في الجزائر وهم يعلمون أن حياتهم كانت عرضة للخطر.
من موقع السيادة الكاملة على دينها وأرضها وجوها وحدودها ومؤسساتها وشعبها الأبي.. ترحب الجزائر بكل ضيف يدخلها من الباب الواسع. باب الجمهورية ذات السيادة التي تعرف معنى التسامح والحرية والحوار والتعاون مع الجميع لتأمين المصالح المشتركة. وإدانة كل عدوان يمس سيادة الأوطان ويزعزع أمنها واستقرارها.