-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

انتصار لا غبار عليه

حسين لقرع
  • 115
  • 0
انتصار لا غبار عليه

على الرغم من نقض أحد التفاهمات الأساسية لاتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، من خلال تواصل الاعتداءات الصهيونية على لبنان، إلا أنّ هذا لا يقلّل من قيمة النصر الذي حقّقته إيران في حرب الأربعين يوما.
المعروف في أدبيات العلوم السياسية أنّ نتيجة أيّ حرب لا تقاس بما تُحدثه من خسائر بشرية ومادية، بل بما يتحقَّق من أهدافها. ووفق هذا المقياس، يمكن القول إنّ أمريكا لم تحقّق أبرز أهدافها في الحرب الأخيرة، وفي مقدّمتها إسقاط النظام الإيراني، وإجبار من يخلفه على الاستسلام المطلق على الطريقة الفنزويلية، وتفكيك البرنامج النووي للبلاد، وتدمير منظومتها الصاروخية متوسطة المدى التي يمكنها الوصول إلى الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة، وقطع العلاقة مع حلفاء طهران في محور المقاومة، ثم أضافت إليها أمريكا فيما بعد شرط فتح مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية من دون قيد أو شرط…
هذه الأهداف جميعا لم تتحقَّق؛ فالنظام الإيراني لا يزال قائما، ولم تتمكّن أمريكا من إسقاطه أو إجباره على الاستسلام بلا شروط، وهو متمسّك بدعم حلفائه، وببرامجه النووية والصاروخية، وقد أبدى صمودا كبيرا في الحرب بالرغم من الضربات القاصمة التي تلقاها، وبقي يقصف يوميّا بالصواريخ والطائرات المسيّرة القواعد الأمريكية والصهيونية ويلحق بها خسائر جسيمة، إلى غاية الإعلان عن وقف إطلاق النار صبيحة الأربعاء 8 أفريل، وأكثر من ذلك أغلق مضيق هرمز تماما وفضح أمام العالم كله عجز أمريكا عن فتحه بالقوة، ما رفع أسعار الطاقة، وأضرّ بالبورصات، وبات يهدّد نموّ الاقتصادات العالمية… وفي الأخير، لم يجد الرئيس الأمريكي، إزاء تزايد الخسائر البشرية والمادّية لبلاده، بدّا من الإعلان عن وقف إطلاق النار، والدخول في مفاوضات مع إيران في إسلام أباد، وهو الذي كان يهدّد بإعادتها إلى العصر الحجري ومحو حضارتها… أليس هذا انتصارا غير مسبوق لها؟
في علم السياسة دائما، إذا منع الطرف الأقلّ قوة في الحرب الطرف الأقوى منه من تحقيق أهدافه، فقد ربحها، وإيران صمدت ومنعت ترامب من تحقيق أهدافه، باستثناء ما ألحقه بالبلاد من دمار وخراب وقتل للآلاف، وهذا أمر متوقَّع بالنظر إلى القوة النارية الكبيرة لأكبر دولة في العالم والكيان الصهيوني اللذين تعاونا على الإثم والعدوان.. هذه القوة النارية المهولة يمكن أن تلحق أضرارا جسيمة حتى بقوى كبرى مثل روسيا والصين والهند وبريطانيا العظمى وفرنسا… فكيف بإيران الصغيرة التي حاربت وصمدت بإمكانات عسكرية متواضعة مقارنة بما تملكه هذه الدول الكبرى؟ أليس صمودها وعدم انهيارها أمام الضربات العسكرية اليومية لعشرات الطائرات الأمريكية والصهيونية الأحدث في العالم، ولمدّة أربعين يوما كاملا، انتصارا يستحقّ التقدير؟
الكثير من المحللين الغربيين، بل حتى في أمريكا والكيان ذاتهما، يؤكّدون أنّ إيران هي التي خرجت منتصرة من هذه المواجهة، وأنّها حقّقت الكثير مقارنة بحرب الـ12 يوما في جوان 2025؛ إذ استخلصت العبر والدروس الكافية من أخطائها ونقائصها في تلك الحرب وأعدّت نفسها جيدا للجولة الجديدة، فكسبتها، وأكثر من ذلك، يمكنها أن تجني الكثير من مضيق هرمز إذا نجحت في فرض دفع رسوم لا تقلّ عن 2 مليون دولار على كلّ ناقلة نفط أو سفينة تجارية، وحوّلته إلى أمر واقع، وبذلك تفكّ ضائقتها الاقتصادية وتصبح العقوبات الأمريكية والغربية بلا معنى، وهي نتيجة بالغة الأهمية ما كان لها أن تتحقَّق لولا هذه الحرب التي سارت عكس خطط ترامب ونتنياهو.
بقي لإيران الآن أن تضغط بملفّ هرمز من خلال مواصلة إغلاقه إلى غاية وقف إطلاق النار في لبنان، فإن لم يتحقَّق ذلك، فلن يكون أمامها بدّ من استئناف المعركة مع الكيان الصهيوني لنصرة حليفها؛ ذلك أنّه لا يعقل أن يدخل “حزب الله” الحرب منذ 2 مارس الماضي لنصرة إيران ويتكبّد خسائر كبيرة من أجلها، ثم تتركه الآن يكمل المعركة وحده، وإذا لم تستأنف طهران الحرب ضدّ الاحتلال، فستضعف موقف الحزب أمام الحكومة اللبنانية التي تريد الدخول في مفاوضات مباشرة مع العدوّ الصهيوني الثلاثاء المقبل بواشنطن. وبالمناسبة، ندعو لبنان إلى العزوف عن هذه المفاوضات التي لا تملك فيها أيّ أوراق ضغط، وستجرّها إلى الاعتراف بما يسمّى “دولة إسرائيل”، وتقديم سلسلة من التنازلات المجانية لها، وتدخلها في مواجهة مفتوحة مع “حزب الله” لنزع سلاحه، ومن ثمّ، انزلاق لبنان إلى دوّامة جهنمية من الاضطرابات والفوضى، وبالمقابل، لن تنال شيئا من الاحتلال، ولتسأل الدول العربية التي سبقتها إلى التطبيع: ماذا حصدت مقابل انبطاحها غير الريح؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!