مؤلّفات تُزَوّر مسابقات التوظيف الجامعي
في أروقة التوظيف داخل الأقسام الجامعية الهادئة، برزت عندنا خلال السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة تتمثّل في تضخيم ملفات المترشحين للتوظيف في سلك المدرسين عبر نشر كتب تحمل رقمًا دوليًا موحّدًا ” ردمك” (ISBN)، وذلك في مسعى يضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
فقد تحوّل عالم الإشهار الموجَّه لطالبي التوظيف أو الترقية، إلى منصّة تروّج علنًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشعارات من قبيل: “انشر كتابك في أسبوع، واحصل على رقم “ردمك”!”. وبات بعض حاملي الدكتوراه حديثًا يلجؤون إلى تحويل أطروحاتهم إلى كتب تصدر في غضون أيام معدودات، مقابل مبالغ مالية تدفع للناشر، وهذا بغرض إلحاقها بملفات ترشحهم، دون اكتراث حقيقي بمدى تداول هذه الأعمال أو قيمتها العلمية، سواء في النشر الورقي أو الإلكتروني.
إنها ظاهرة مسيئة
لقد أفضت هذه الممارسات إلى وضعيات عبثية؛ إذ بلغنا أنّ بعض لجان التوظيف قرّرت، عندما أدركت هذه الاختلالات، عدم احتساب النقاط المخصّصة لمثل هذه “المؤلفات” الزائفة. غير أنّ هذا القرار سرعان ما أثار موجة من الطعون، وهو ما أدى إلى التراجع عنه، وإلغاء قائمة المقبولين الأولى، وتعويضها بأخرى غاب عنها معظم الأسماء التي كانت قد حظيت بالقبول في البداية!
كما أصبحت ملفات الترشح لرتب الأساتذة الباحثين، سواء في مسابقات أساتذة محاضرين أ أو للترقية إلى رتبة أستاذ التعليم العالي، تعجّ بوفرة لافتة من “المؤلفات” تحمل الأرقام الدولية “ردمك”. فهل يكمن الإشكال الأول في هذا التزايد؟ لا، أبدا. إنما تكمن المشكلة في أن كثيرًا من هذه الكتب لا تخضع للتحكيم قبل النشر، ولا تُقرأ بعد النشر، ولا يُستشهد بها عند الزملاء، ولا تستهدف جمهورًا علميًا أو معرفيًا حقيقيًا.
إن هذه “المؤلفات” هي في الغالب نتاج علاقة تجارية بحتة بين مترشّح -للتوظيف أو للترقية- طموح وبين دور نشر مفترسة –غالبًا ما تكون “دور نشر على حساب المؤلف”– ازدهرت في ظل هذا الطلب المتنامي على الكتب. والغاية واضحة: تحويل أطروحة جامعية، أو جزء منها، إلى “إنتاج علمي” يُدرج في الملف الأكاديمي. لكن يبقى السؤال الجوهري مطروحًا بإلحاح: ماذا عن نزاهة التقييم في التوظيف الجامعي ومصداقيته؟
ويزداد المشكل تعقيدًا عند المقارنة بين التخصصات: ففي حين قد تجد بعض الأطروحات في الآداب والعلوم الإنسانية طريقها إلى جمهور من القرّاء إذا ما أُعيدت صياغتها في شكل كتب، يظل نشر أطروحات في مجالات كالفيزياء أو الرياضيات أو الهندسة بهذا الأسلوب بدون الجدوى، بل يُعَدّ ممارسة عبثية مكشوفة.
وحجة المدافعين عن هذه الممارسة هي غالبا: “الأطروحة الجيدة تستحق أن تنشر ككتاب”. وهذا صحيح نسبيا لبعض التخصصات. في مواد مثل التاريخ والفلسفة والأدب، يمكن للكتاب أن يصل إلى قراء أبعد من دائرة المختصين. ودور النشر الجامعية الجادة تنشر أطروحات منقحة تصبح فيما بعد مراجع. لكن الظاهرة التي نندّد بها أن يعم ذلك على كل الاطروحات ولاسيما في التخصصات العلمية: في الرياضيات، والبيولوجيا، والميكانيكا، والمعلوماتية… فالتقدم العلمي تُنشر عبر مقالات في مجلات محكمة، وليس عبر “كتب” مستقاة من أطروحات نوقشت للتو.
دور النشر المفترسة
تتغذّى هذه الظاهرة من نظام بيئي موازٍ محكم التنظيم، تقوده دور نشر مشبوهة –داخل الوطن وخارجه– تقدّم خدمات جاهزة للباحثين وطالبي التوظيف، خاصة من بلدان الجنوب: في الخارج، تعرض هذه المؤسسات عبر مواقعها الإلكترونية واجهات براقة: لجان تحرير شكلية، ووعود بتوزيع دولي واسع، وأسعار “مخفّضة” تغري المترشحين الباحثين عن تعزيز ملفاتهم الأكاديمية.
أما في الداخل، فهذه الدور لا تنتظر سوى مواسم التوظيف والترقيات لتكثيف عروضها التجارية تحت شعارات من قبيل: “ناقشت أطروحتك؟ حوّلها إلى كتاب، وامنح مسارك المهني دفعة جديدة!”. غير أن آلية عملها في: لا مراجعة علمية، ولا تدقيق لغوي، ولا حتى التزام حقيقي بالنشر العلمي؛ كل ما يُقدَّم هو رقم “ردمك” ونسخ مطبوعة شكلية مقابل مبالغ مالية. وماذا عن طالب التوظيف أو الترقية؟ إنه ينظر إلى الأمر كـاستثمار في مساره المهني يدرّ نقاطًا ثمينة في سباق الترتيب، بينما تتحول الجامعة إلى ضحية فساد من سيتولون أمورها.
وكما أسلفنا، فهذه الممارسة لا تقتصر على مسار التوظيف وحده، بل تمتد إلى طلبات الترقية، سواء إلى رتبة أستاذ محاضر أ أو أستاذ التعليم العالي. ففي هذا السياق، يُلزم المترشح بتقديم حصيلة بحثية. ومن ثمّ يقوم بعضهم بإدراج عدة كتب حديثة الإصدار، غالبًا منشورة عبر هذه الدور التجارية غير الجدية. وتنتج عن ذلك مفارقة صارخة: باحث يمتلك مقالات محكّمة قليلة وجادة يتفوّق عليه منافس آخر يراكم كتبًا بلا أثر علمي حقيقي. والأدهى من ذلك أن هذه الظاهرة تحوِّل في آخر المطاف معايير التقييم إلى لعبة شكلية تُحصي الصفحات وأرقام ” ردمك “، بدل أن تميّز بين القيمة العلمية والإنتاج الورقي.
ما العمل؟
في ظل هذا الفساد المنتشر، أصبح التحرّك العاجل لوزارة التعليم العالي أمرا لا مناص منه. وفي انتظار ذلك يمكنها اتخاذ بعض القرارات مثل:
- عدم احتساب الكتب المتضمنة محتويات الأطروحات أو مذكرات التخرج (إلا في استثناءات محددة بوضوح) في مقاييس تقييم مسابقات التوظيف الأستاذ المحاضر والترقيات: أطروحة الدكتوراه تُعدّ في حد ذاتها عملًا علميًا مكتملًا وأصيلاً، وبالتالي فإن إعادة نشرها في شكل كتاب دون إضافة أو تطوير جوهري لا يقدّم أي قيمة علمية إضافية.
- استثناء المترشحين ذوي الأقدمية الطويلة، كمن قضى عشر سنوات أو أكثر في التعليم الثانوي أو في وظائف غير أكاديمية. بالنسبة لهؤلاء فإن نشر كتاب قد يكون وسيلة معقولة لتثمين خبرة تربوية أو عمل ميداني. ولكن ينبغي هنا أيضا، مراقبة الجودة.
- إنشاء قائمة سوداء للناشرين المفترسين، على غرار ما هو موجود في عدة دول.
- اشتراط تقرير قراءة خارجي لكل كتاب يقدم كإنتاج علمي يقدم من أجل الترقيات. هذا التقرير، يكون موقعا من قبل مختصين معروفين بنزاهتهم.
- معاقبة أصحاب ملفات الترقية التي تتضمن كتبا يغلب عليها الـ”نسخ /لصق” للأطروحة أو لغيرها دون تنقيح جوهري أو إضافة ذات قيمة.
لا يتعلق الأمر هنا بتوجيه اللوم إلى كل المترشحين الذين ينشرون كتبًا، فبعض الأطروحات، حين تُنقَّح وتُثرى وتُحدَّث بجدية، تستحق فعلًا أن تجد طريقها إلى الانتشار الواسع. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في الغالبية التي تغمر ملفات توظيفها أرقام “ردمك” بلا مضمون علمي فعلي. فهذه الأرقام، التي يُفترض أن تكون علامة على النشر الرصين، لا ينبغي أن تظل غطاءً يخدع لجان التقييم ويخلّ بمعايير وزارة التعليم العالي والوظيف العمومي.