الرأي

الحريق

الشروق أونلاين
  • 2810
  • 2

الحرارة الشديدة التي تجتاح مختلف المدن الجزائرية منذ أسابيع عديدة، والحرائق المهولة التي أتت على المئات من الهكتارات لا تختلف عن الكوارث الطبيعية الكبرى، لأنها شلّت الإنسان عن العمل وأتت على ما تبقى من الحيوانات والنباتات، ومع ذلك لم نسمع عن حالة طوارئ ولا خلية أزمة ولا اجتماعات ولا حتى مشاريع مستقبلية للتعامل مع هذا الوافد الحراري الجديد، وهاته الحرائق التي أبادت الثروة الغابية التي غرسها الجزائريون منذ قرون، ولم نكد نستمع كلمة تأسف واحدة، ولا نقل دمعة حزن من وزاريتي الغابات والبيئة، وكأن الأمر لا يعنيهما.

الاحتباس الحراري لم يبق مجرد نظرية، فقد اكتوى الجزائريون بناره منذ فصل الربيع، والغريب أن المواطنين بدأوا التعامل مع هذه التغييرات الجوية الجديدة بجعل المكيفات من الضروريات، بينما يبدو المسؤولين الذين بعضهم يقضي نصف عمره في الخارج والبقية يعيشون في القصور المكيّفة بعيدين عن البحث عن طرق عمل ووسائل جديدة لأجل إنجاح المخطط الخماسي في ظروف مهنية ومناخية جيدة. فلكل دول المعمورة توقيت شتوي وآخر صيفي، إلا الجزائر التي يبدو أنها اقتنعت أن العمل متوقف سواء هطل الثلج أو فاقت درجة الحرارة الأربعين، سواء قلّت ساعات النهار عن التسع ساعات أو فاقت الخمس عشرة ساعة، ولا نفهم كيف تنتظر بعض المديريات والمؤسسات إنتاجا ومستخدميها يشتغلون في قلب الحرور، ولا نفهم لماذا ينظر الوزراء والبرلمانيون والولاة بسلبية للغطاء النباتي وهو ينقرض بين النار والإسمنت، وإذا كانوا قد رفضوا العمل والسكن‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬بسبب‭ ‬قساوة‭ ‬الصحراء،‭ ‬فإنهم‭ ‬الآن‭ ‬مجبرون‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬يتصحر‭ ‬بسبب‭ ‬سياساتهم‭ ‬المعادية‭ ‬للأخضر‭.‬

لقد تمكنت بنغلاداش من التعامل مع الفيضانات المزمنة التي تضرب البلد الفقير يوميا، وتمكنت اليابان من التعامل مع الزلازل التي تضرب العاصمة طوكيو في كل لحظة بدرجات أشد من زلازل بومرداس والشلف، وتعاملت إيطاليا مع البراكين، وإيسلندا مع العواصف الثلجية ودول الخليج‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬حرارة‭ ‬دائمة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬الخمسين‭ ‬درجة،‭ ‬وما‮ ‬زلنا‭ ‬ننتظر‭ ‬اجتهادا‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬دعوة‭ ‬لأجل‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬الأحوال‭ ‬الجوية‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬تعيشها‭ ‬البلاد‭.‬

وتمكنت أمم لا تسقط قطرة غيث في بلادها طوال السنة غرس أدغال من الغابات ومحاصرة الصحراء بجنات خضراء تجري من تحتها البحيرات الاصطناعية والسدود، ونكاد نجزم أن الجزائر حاليا هي البلد الوحيد في العالم الذي تتقلص فيه الغابات بالنار وبالفؤوس والمعاول، وهي البلد الوحيد‭ ‬أيضا‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬سلطة‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬جمعيات‭ ‬ولا‭ ‬أحزاب‭ ‬ولا‭ ‬مواطنين‭ ‬دقوا‭ ‬ناقوس‭ ‬خطر‭ ‬هذه‭ ‬الإبادة‭ ‬المؤلمة‭.‬

سئل مرة جيمي كارتر عن أكبر إنجاز قامت به الولايات المتحدة في تاريخها، فرد من دون تفكير: “تحويل كاليفورنيا إلى جنات نعيم”، وقال الشيخ زايد أنه سيموت مرتاحا لأن ريع النفط حوّل صحراء الإمارات العربية المتحدة إلى حقول وبساتين، وافتخر دائما معمر القذافي بنهر ليبيا الاصطناعي الذي منح على ضفافه روضات من الأخضر، وفي غياب حملات تشجير الزمن الجميل تساهم أموال النفط في الجزائر في ثراء أعداء الطبيعة الذين طالت معاولهم الأخضر وحوّلته بالكامل إلى يابس، مع صمت رهيب للسلطة وللشعب.

مقالات ذات صلة