الحكومة تـنافس المتسوّلين!
هل كان أحدٌ في زمن البحبوحة يتصور أنّه سيأتي اليوم الذي تتحول فيه الحكومة إلى التسول من خلال تنظيم تيليطون لجمع الأموال؟ وهل يعقل أن الذين فشلوا في تحقيق التنمية بملايير البترول يستطيعون فعل ذلك بالملايين التي جُمعت من المؤسسات الوطنية والخاصة، ومن جيوب المواطنين البسطاء الذي وجدوا أنفسهم في طابور القرض السّندي دون رغبة منهم؟
“تبريحة” رؤساء المؤسسات جمعت في ظرف ساعتين من الزّمن أضعاف ما جمعه الوزير السّابق للمالية عبد الرحمان بن خالفة، رغم الحملة الكبيرة التي قادها على مدار أشهر، التي جعلته يلبس رداء الفقيه ويفتي للجزائريين بجواز القرض السّندي من الناحية الدينية.
فهل يمكن اعتبار ما حدث في سهرة أول أمس إنجازا كبيرا للحكومة التي أقنعت وربما “أرغمت” رؤساء المؤسسات على دفع الملايير للخزينة العمومية في شكل قروض ربوية يتم تحصيلها بعد ثلاث أو خمس سنوات؟ أم إن ما حدث هو نوع من الإخفاق وإن الحكومة أصبحت تنافس المتسولين في مد يدها وانتظار ما يجود به المحسنون؟!
أما المفارقة الأكبر فهي أن العامل البسيط فكان حاضرا بقوة في “تبريحة” رجال الأعمال، من خلال وجود عبد المجيد سيدي السعيد الذي أغدق على الحكومة من جيوب العمال 2500 مليار سنتيم، فضلا عن مساهمة بعض المؤسسات الوطنية العمومية بمبالغ كبيرة مصدرها اشتراكات العمال. وهكذا انقلبت الآية وأصبح المواطن البسيط هو الذي يموِّل الحكومة ويساعدها على الخروج من الأزمة وليس العكس.
15 ألف مليار سنتيم هي حصيلة التليطون، وهو مبلغٌ ضخم جدا في أعيننا، لكنه بسيط إذا ما قارنّاه مع المبلغ الذي نُهِب في أصغر قضية فساد من القضايا المعروفة المطروحة على القضاء، فما الذي يمكن أن تفعله أموال التيليطون أمام التيار الجارف للفساد المسجّل بشهادة الجميع على كل المستويات؟!
وماذا يمكن أن يفعله مبلغ مليار ونصف مليار دولار في مواجهة الأزمة النّاجمة عن تهاوي أسعار النفط التي تكلف الجزائر خسائر بعشرات الملايير سنويا؟ أم هي فقط رقصة الديك المذبوح التي لن تغنيه عن مصيره المحتوم؟
إنّ المطلوب من الحكومة هو الكف عن التبذير والحد من الفساد المستشري في كل القطاعات، ومحاولة إيجاد الحلول للوضعية الاقتصادية الحرجة بعيدا عن جيب المواطن، لأن هذا الجيب مخترق منذ سنوات بغلاء الأسعار والتّضخم والرفاه الكاذب!