-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تفسير سورة النّاس..

الحلقة السادسة: سلاح المؤمن اليقين والوضوء والدّعاء

أبو جرة سلطاني
  • 592
  • 0
الحلقة السادسة: سلاح المؤمن اليقين والوضوء والدّعاء

الفرار إلى الله هو فرار من قضائه إلى قدره، ومن قدره إلى لطفه، ومن صفات جلاله إلى صفات جماله طلبا للجيرة بيقين أنّ الفرار إلى المعبود عبادة لا تعاند أقدار الله ولا تغالبها، إذْ لا ينفع حذر من قدر. وسنن الله غلاّبة.

يا مــنْ ألــوذُ به فيـــما أؤمّلُــــــه   *   ومــن أعــوذُ به ممّـــن أحاذرهُ

لا يجبر الناسُ عظْما أنتَ كاسرُه   *   ولا يَهيضون عظْما أنت جابرُهُ

فالعاصم هو الله –جلّ جلاله-، والدّرع الواقي من سهام إبليس هو ذكر الله في كلّ آنٍ، وفي الأحوال كلّها على أيّة هيئة. وقد اجتهد علماؤنا في جمع أذكار الصّباح والمساء ورتّبوها وبوّبوها، من لحظة الاستيقاظ من النّوم إلى لحظة الإيواء إلى هجعة الليل، بعد الوتر. من روّض نفسه ـ قلبا وعلا ولسانا ـ على ترديدها لا يُبقي للشّيطان مجالا للوسوسة ولا لتقييد عزمه برخص الاسترخاء والتّسويف في واجهة حركته حال اعتصامه بكلام الله بنيّة سدّ منافذ الشّيطان وتضييق مجاريه وغلق المسارب التي يجري فيها كجريان الدم في العروق، لقوله –صلّى الله عليه وسلّم- للرّجليْن الأنصارييْن اللّذيْن سارعا الخطْوَ لمّا رأياه مع زوجه صفيّة بنت حُييْ –رضي الله عنهما- فقال لهما: “على رسلكما، إنها صفيّة بنت حُييْ”. فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: “إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، وإنّي خشيتُ أن يقذف في قلبيْكما شيئًا”. (رواه البخاري). فمن صلّى الفجر في جماعة كان في حماية الله سائر يومه. ومن قرأ أوراد الصّباح ـ بعد صلاة الفجر ـ  إنما بدأ يومه باستدعاء حفظ الله. ومن قرأها في المساء ـ بعد صلاة المغرب ـ أمسى في حماية ربّه وبات في لطفه، فإذا أوى إلى فراشه ودّع يومه قبل نومه بتفويض أمره لله تعالى فأصبح في رحمته. قال البراء بن عازب: قال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-  “إذا أتيت مضجعك فتوضّأ وضوءَك للصّلاة، ثم اضطجع على شّقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك. ووجّهت وجهي إليك. وفوّضت أمري إليك. وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلاّ إليك. آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيّك الذي أرسلت. فإن مِتَّ مِتَّ على الفطرة، واجعلهنّ آخر ما تقول”. (متّفق عليه). قال أبو هريرة: قال النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلَفه عليه، ثمّ يقول: باسمك ربّي وضعت جنبي وبك أرفعه. فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصّالحين”. ثمّ ينام في رعاية الله وحفْظه، فإذا استيقظ قال: “الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النّشور. الحمد لله الذي ردّ عليّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره”. (رواه البخاري).

الأذكار والأدعيّة كثيرة، في فقه التّربيّة الرّوحيّة، لمن أراد أن يعيش مع الله –جلّ جلاله-، بيقين وعلى وضوء وبلسان رطب بذكره، مستعصم به من همزات الشّياطين؛ فقد توعّد إبليس ذرّية آدم –عليه السّلام- بالغواية، ووعدهم الله –تعالى- بالمغفرة ما استغفروه. ولا يحوط وعيد مخلوق ناصيتّه بيد خالقه. لقول أبي سعيد –رضي اللهُ عنه-: إنّ رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- قال: “إنّ الشّيطان قال: وعزّتك يا ربّ لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الربّ تبارك وتعالى: وعزّتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني”.رواه الحاكم عن أبي سعيد الخدري –رضي اللهُ عنه-.

هذا من سعة رحمة الله الوكيل الحافظ الغفور.. فقابلها بالشّكر، ولا يعيننّ مسلمٌ شيطانَه على نفسه بالشكّ في مشيئة الله –جلّ جلاله-، أو بالارتياب في قدرته على النّفع والضرّ، وعلى ردع الإنس والجنّ والشّياطين.. ولا يرهق نفسه بكثرة الوسوسة أو باليأس من رحمة الله، أو بترْك الذّكر والدّعاء في أيّ حال من الأحوال. ولا تهزنّ ثقته بالله ولو أذنب وتاب وتملّكه الخوف من ربّه –جلّ جلاله-، فأنّبه ضميره وحاسبته نفسه اللوّامة.

–      فالإحساس بالذّنب من الإيمان،

–      والنّدم على اقتراف معصيّة بداية توبة، بل هو أولى خطواتها،

–      والخوف من الوقوع فيه من الورع،

–      والمسارعة بالخروج منه والإنابة إلى الله من أعظم الطّاعات.

وكلّ بني آدم خطّاء، وخيرهم الذين يخطئون ويسارعون في التّوبة: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) (آل عمران: 135). قال أبو هريرة –رضي اللهُ عنه-: جاء ناس من أصحاب النبيّ  –صلّى الله عليه وسلّم-  فسألوه: إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلّم به قال: “وقد وجدتموه؟”. قالوا: نعم. قال: “ذاك صريح الإيمان”.رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة وابن عباس –رضي اللهُ عنهم-. قال ابن عباس –رضي اللهُ عنه-: جاء رجل، إلى النّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- فقال: يا رسول الله إنّي لأحدّث نفسي بالشّيء، لأنْ أخرَّ من السّماء أحبّ إليّ من أن أتكلّم. قال: فقال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-: “الله أكبر، الله أكبر. الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة”. (رواه أحمد وأبو داود)، وفي حديث صحيح أنّ رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- قال: “إنّ الله تجاوز عن أمّتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تتكلم به”. (رواه الشيخان في الصّحيحيْن).

ففي النفس البشريّة تركيب متناقض يتعاند ويغلب بعضه على بعض، إلاّ من أنعم الله عليهم بنعمة النّفس المطمئنّة، وإلاّ ففي كلّ نفس فجور وتقوى وخفّة وثقلة وميوعة ويبوسة.. لأنّ الإنسان مخلوق من ماء وطين، وهذه الثّنائيّة بحاجة إلى تعهّد بذكْر من خلقها حتّى لا تُترك همْلا للهوى وللشّيطان. وقد أصاب صاحب البردة بقوله.

وخالف النّفس والشّيطان واعصهما   *   وإنْ هما مَحَضــاكَ النُّصحَ فاتّهــمِ

ولا تطع منهما خصمًا ولا حَكَمًـــا   *   فأنت تعْلـمُ كيْــدَ الخصْــمِ والحَكَـــم.

إذا كان الإنسان جاهلاً بكيفيّة جريان الشّيطان في عروقه فليختبر نفسه في علاقة إدراكه بانفعاله ونزوعه، أو بما يعلمه وما يؤمن به وما يمارسه ويعمله في حياته اليوميّة، فسوف يعرف حظّ نفسه من علمه وإيمانه. ويعرف حظّ شيطانه من إدراكه وانفعاله. ويعرف الفرْق بين علم الرّواية وعلم الدّراية. يومئذ سيدرك أنّ البون واسع رحيب بين القول والعمل؛ فقد حمل كثير من الناس كلام الله رواية ولكنّهم كانوا عن حقيقة الذّكر غافلين، فشبّههم الوحي بالدابّة التي تحمل على ظهرها كتبًا لا تدري ما فيها: ((مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) (الجمعة: 5)، وكذلك حال من يظنّ أنه يذكر الله تعالى إذا خذلته نفسه واحتوشته الشّياطين، ولكنه ذكْرٌ جافل بلسان سافل وقلب غافل. فأنّى تصيب سهامُه الشّيطانَ وهو جاثم على قلب مفعم بالشّهوة والهوى يوسوس ويخنس: ((الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ)) (الناس: 5).

يُتبع…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!