-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحلم المشروع.. أو الانهيار المستمر

صالح عوض
  • 2341
  • 0
الحلم المشروع.. أو الانهيار المستمر

ما يعيشه المواطن العربي والمؤسسة العربية والمثقف العربي هو أقرب ما يكون إلى حالة التيه التي تضرب كل عناصر حياته، ولكن هذا التيه ليس أصيلا ولا نتاجا طبيعيا لصيرورة حركة تاريخ الأمة ولا انعكاسا لما تمتلك من قدرات معنوية وإمكانات مادية؛ بمعنى أنه ليس نتيجة قدرية أو حتمية تاريخية.

إن ما تعيشه أمتنا إنما هي مرحلة من سلسلة مراحل في حركة التاريخ لها ما سبق وتنتظرها حلقاتٌ أخرى.. وهذه المرحلة هي نتاج صراع دامٍ امتد سنواتٍ طويلة حققنا فيها انتصارات وجولات مشرفة، كما لحقت بنا إخفاقاتٌ وفشل في بعض المجالات، وكأي مرحلة فإن أهميتها تأتي من باب دراستها وتطوير الايجابي فيها والتحرر من أسباب الانتكاسات..

هنا لابد أن نُشهر الجملة الاعتراضية بقوة ووضوح تامِّين، تلك التي تكشف حقيقة الموقف إننا لم نخرج من مسرح التدافع الحضاري رغم كل ما لحق بنا من انتكاسات وإننا نمتلك ما يكفي تماما لكي نكون أمة تساهم إسهامات جوهرية في الحياة الانسانية، ولكن علينا بسرعة أن نعطي هذه الجملة بُعدا أعمق، وهو أنه لا يمكن أن تكون تنميتنا ونهضتنا وتفعيل عناصر القوة لدينا بمعزل عن دورنا الإنساني؛ فكما أنه لا دور إنسانيا لنا بدون قوتنا فإنه أيضا لا يمكن أن نبني قوتنا في معزل عن إدراكنا لما علينا من مهمات انسانية على مستوى العالم.

هذا الكلام ينقلنا إلى دائرة التدافع الحقيقي مع قوى عالمية تتزاحم في مجالات النفوذ والهيمنة، ولكل منها وسائله الاقتصادية أو الثقافية أو العسكرية أو العلمية، وفي هذه الدائرة لا توجد لغة التعاطف ولا منطق المراعاة، إنما هو الإحلال محل الآخر، فكل من تضعف قوته على السيطرة على موقعه سيجد من يحتلها بلا تردد..

ومن الواضح أن الاستراتيجية الأمريكية منذ زمن طويل تعد للتسيّد على العالم، وقد أنتجت مراكز الدراسات فيها عقيدة أمنية واستراتيجية تفيد أن مقاليد العالم ينبغي أن تكون بيد الأمريكان كخاتمة للصيرورة البشرية.. يقول السفير جيمسف. جيفري وهو زميل في معهد واشنطن، حيث يركز على الاستراتيجية الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط: “أي خطة أمريكية يجب أن تبدأ بالأساسيات أهمية المنطقة في أمن ورفاهية أوراسيا، وهو هدف أمريكي أساسي منذ عام 1917. الشرق الأوسط هو عنصر أساسي موحد من أوراسيا، مصدر العديد من الصراعات في العالم منذ عام 1947، وعنصر أساسي في نظام الأمن العالمي بقيادة الولايات المتحدة. إن الفشل في حل الصراعات هناك يؤثر على أمننا وحلفائنا المحليين، كما شهدنا في هجمات إرهابية على الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وزعزعة استقرار تدفق اللاجئين من سوريا، وتهديدات أسلحة الدمار الشامل، وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال إمدادات الطاقة في المنطقة حيوية بالنسبة للصحة الاقتصادية العالمية”.

وما قاله الأمريكان بوضوح ينفذه الصينيون بوضوح ويسعى إليه الروس بأكثر جلاء.. ورغم أن الظاهر يفيد بأن هذه القوى العالمية الثلاثة هي من يتدافع في دائرة النفوذ الكوني، إلا أننا ينبغي أن لا نراوح الرؤية العميقة الواقعية التاريخية تلك التي تفيد أن ساحة أمتنا والمركز فيها الوطن العربي هي ميدان التصارع الكوني المركزي وأن حسم الحصول على حصص من النفوذ لا يتم إلا عليها.. كما أن القوى الثلاثة تكون قد تكيّفت على آلية صراع فيما بينها، وهي قد تبدي روحية متوافقا عليها في ملفات معقدة فيما بينها، محافظة بذلك على توازن استراتيجي، مدركة أن أي خلل فيه يعني سقوط أحدها سقوطا ذريعا، لكن الأمر لا يتكرر في التعامل مع الاحتمال الخطير وهو احتمال نهوض العرب والمسلمين.

إن نهوض العرب والمسلمين يعني بوضوح انتزاع حصص نفوذ استراتيجية للقوى الثلاث، وقد يصل الأمر إلى إخراج بعضها من مناطق نفوذ وإخراج الكل من بعض مناطق النفوذ.. إن نهوض العرب والمسلمين يعني بوضوح خروج ساحة الصراع المركزية من تنافس النمور الكاسرة الثلاثة، وبداية تحرك المنطقة حسب أجندتها ورؤيتها ومصالحها الاستراتيجية.

“نهوض العرب والمسلمين يعني بوضوح أنه تم استيقاظ الكتلة المركزية الكبيرة في عالم المستضعفين في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأسيا، وأن هناك معاملا جديدا نوعيا متميزا دخل حلبة الصراع على قيادة العالم، يمتلك ما يكفي من إمكانات لهذا الغرض؛ بمعنى أن هذا النهوض سيجد التفافا واسعا وفعالا من شعوب العالم ودوله حولهم.”

نهوض العرب والمسلمين يعني بوضوح أنه تم استيقاظ الكتلة المركزية الكبيرة في عالم المستضعفين في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأسيا، وأن هناك معاملا جديدا نوعيا متميزا دخل حلبة الصراع على قيادة العالم، يمتلك ما يكفي من إمكانات لهذا الغرض؛ بمعنى أن هذا النهوض سيجد التفافا واسعا وفعالا من شعوب العالم ودوله حولهم، وهذا يعطي الأفق الطبيعي المنتظر لنهضة العرب والمسلمين.

نهوض العرب والمسلمين يعني بوضوح أن الاحتمال الآخر الذي تتم شيْطنته من خلال سيل الإعلام الموجَّه والسياسات الخبيثة قد كسر قيود التخلف والانزواء عن مسرح الحياة.. وإنه هو من تقف عليه مسؤولية إيجاد حلول جذرية لقضايا يعيشها الانسان والمجتمعات البشرية في أوروبا وأمريكا من سيطرة وحشية لرؤوس المال وقوانين الرأسمالية الجشعة وثقافة الاستعلاء والتسيُّد والعنصرية داخل المجتمع الأمريكي والأوربي.

نهوض العرب والمسلمين هو الهدف الأساس لكل المصلحين العرب والمسلمين، وفي طريق النهوض تجد كل قضايا أمتنا حلها بشكل منطقي وطبيعي وبدون إحداث هذا النهوض وتحريكه وتفعيل آلياته لا ينتظر أحد أن نحرر أوطاننا أو سياساتنا أو اقتصادنا أو ثقافتنا من التبعية والاستعمار والتشظي والتيه.

لم يكن الروس ولا الصينيون بديلا موضوعيا للهيمنة الأمريكية ولا للقيم الأمريكية ولم يتم تقديم ما يكفي من وقائع للاعتماد على أي من القوّتين لتحقيق توازن كوني وترك الفرص سانحة لنهوض البشرية وفق قوانين العدل والمساواة بين بني الانسان.. وشيئا فشيئا تسير القوّتان العظمتان الروس والصين للتكيف مع الأمريكان والغرب بنفس قوانين الصراع على حصص النفوذ في العالم.

إن الحديث عن نهضة العرب والمسلمين لا تعني أننا نتناول موضوعا بعيد المدى أو أنه منبت عن مجريات الواقع.. بل إن كل ما يتحرك في المنطقة وفي العالم يدعو بإلحاح إلى استعجال وضرورة إيجاد أليات النهوض الحضاري من جديد في بلاد العرب والمسلمين.. وتقف القضية الفلسطينية محركا فذا لتثوير الفعاليات وتنقية الأفكار وكشف جبهات العدو ووسائله وخططه، ولكونها محل إجماع عربي إسلامي له من القداسة ما يكفي لتوليد منظومة عواطف ومشاعر ضرورية للنهوض، فإننا نكون حقا امتلكنا مسوغات النهوض جميعا: القضية والمحرِّك والإمكانات والتاريخ، كما نمتلك أيضا فرصة ملحة كون القوى المتحكمة في العالم قوى أنانية جشعة تتصارع على النفوذ وحصصه في العالم، فيما ظل الجوع يضرب بطون مئات ملايين البشر ويفتك المرض بمئات الملايين، كما تفتك الحرب المفتعَلة بشعوب وأمم.

إنه حلمٌ مشروع وليس بديلا عنه إلا مواصلة السير في التيه والتدحرج المتسارع مع الانهيار.. وهو يتطلب ورشات تفكير ونشر ثقافة حضارية وارتقاءً في الفهم والمعالجات الفكرية وذلك كله كخطوة ضرورية وتأسيسية لنهضة تحتاج إجراءات وبرامج لانجاز مراحل لا بدّ منها.. ولعل التفكير منذ البداية يكون لمجمل الأمة بعقلية التكامل والتساند على اعتبار أنها أمة واحدة بما تملك وما تعاني..

المثقف والإعلامي والمدرس وخطيب المسجد والفنان… جميع هؤلاء هم جنود الكتيبة الأولى في النهضة وعليهم مسؤولية صناعة مناخ النهضة الثقافي والحضاري والكشف عن مؤامرة دفعنا إلى الانهيار.. تولانا الهق برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!