الرأي

الحميّة المزدوجة

ح.م

لم يعان شعب من الشعوب مثل ما عاناه الشعب الجزائري من تعذيب وتقتيل على أيدي الفرنسيين المجرمين إلا الأفارقة الذين قتلوا تقتيلا في بلدانهم أو في أثناء ترحيلهم إلى العالم الذي سمّوه “أمريكا”، وسكان هذا العالم الأصليون، وهم “الهنود الحمر”، وسكان استراليا الأصليون.

لقد استسلمت كثير من هذه الشعوب للوحوش الأوروبيين من غير مقاومة، أو بعد مقاومة بسيطة، ولكن الشعب الجزائري لم يستسلم للوحوش الفرنسيين، واستمر يجاهدهم طيلة تنجسيهم لهذه الأرض المجاهدة، حتى ولّوا الأدبار.

لقد استغرب الفرنسيون واندهشوا من مقاومة الشعب الجزائري لهم، بل إن منهم من أعجبوا ببسالة الشعب الجزائري وصموده رغم وحشيتهم.. وكم تساءل علماؤهم وسياسيوهم عما يكمن وراء هذه الاستماتة المنقطعة النظير، وقد انتهوا من تساؤلهم إلى ما عبّر عنه أحدهم، إذ قال: “كنا نحارب أمة بأكملها، تدفعها حميّة مزدوجة: حبّ الوطن والدين”. (انظر: أوليفيي لوكور غرانميزون: الاستعمار والإبادة. نشر وزارة المجاهدين. ص 247).

لقد صدق قائل هذه الكلمة، فما ربط على قلوب آبائنا وأجدادنا وأمهاتنا وجدّاتنا، وما ثبت أقدامهم وأقدامهن في وجه الجيش الفرنسي الأعظم، ومكر دهاة فرنسا الكبار إلا هذان العاملان “حب الوطن والاعتصام بالعروة الوثقى من دين الله القويم.. ولو أردنا الاختصار لاختصرنا العاملين في عامل واحد، هو “الإسلام”، لأن شعبنا كان – وما يزال- يؤمن في أغلبيته الساحقة بمقولة “حب الوطن من الإيمان”، معتبرا إياها “حديثا نبويا” على مذهب الأستاذ مولود قاسم الذي اعتبر أحد الأقوال “حديثا نبويا” وما هو بحديث نبوي، فلما نبهه الدكتور يوسف القرضاوي إلى أن ذلك السؤال ليس حديثا نبويا، ردّ عليه سي مولود قائلا: “هذا حديث لو لم يقله رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وكان سي مولود يشير إلى أن ذلك القول إن لم يكن حديثا بمبناه فهو حديث بمعناه.

لقد تبين للأعمى والبصير أن الشعب الجزائري قادر بإذن الله وباعتصامه بحبله على أن يأتي بـ “العجب العجاب” وأقرب مثال على ذلك هو ما أنجزه هؤلاء “الفتية” وقائدهم “جمال بلماضي” بتواضعه وعمله المنهجي، وقد اختصروا جميعا ذلك العمل الرائع في تلك “السجدة” “بدعة” هي وساجدوها “حصب جهنم”.

إنني أدعو نفسي وإخواني الجزائريين وأخواتي الجزائريات والجزائر تجتاز هذا المخاض العسير الذي أوقعنا فيه الأخ بوتفليقة بأنانيته المفرطة وغروره غير المحدود، أدعوهم إلى العودة إلى الإسلام أخلاقا وأحكاما لتظهر عجائب صنع الله على أيديهم، ويمكننا أن نعمل بهاتين الحميتين في معركة التعمير ما فعلناه بهما في معركة التحرير.

لقد عمل “النظام”، خاصة في عهدات بوتفليقة الأربع على أن يكرّه الجزائريين في وطنهم ودينهم بسياسته وبمن عهد إليهم بـ”الأمانة” وماهم بأمناء…

فكانت النتيجة انحلالا أخلاقيا، وكسادا اقتصاديا، وتدهورا اجتماعيا، وانحطاطا علميا.. وأزمة سياسية لم تعرف الجزائر مثيلا لها، ندعو الله – العلي القدير- أن يوفقنا إلى الخروج منها بأقل الخسائر.

مقالات ذات صلة