الخائفون من الحقيقة!
قبل فترة، حين سرّب بعض الصحافيين الأجانب، تصريحات مهمة جدا للرئيس السابق الشاذلي بن جديد، خرج هذا الأخير للعلن، مفندا كل ما نُقل على لسانه، مستعملا العبارة الشهيرة التي يحفظها أبناء النظام ورجاله، أن الوقت لم يحن بعد لكشف جميع أسرار المرحلة التي حكم فيها البلاد، وخرج بعدها من عنق الزجاجة، عقب توقيف المسار الانتخابي.
-
تصريحات أخرى للرئيس أحمد بن بلة، نشرتها مجلة فرنسية قبل أسابيع، أقامت الدنيا ولم تقعدها حتى الآن، رغم أنه تكلم في أمور تاريخية محضة، تعود إلى نصف قرن أو أكثر. وليس ببعيد عنا، قول الوزير الأول أحمد أويحيى أن الوقت لم يحن بعد للكشف عن أسماء المتورطين في إشعال فتنة الأسعار في جانفي الفارط، كما أن اللجنة البرلمانية التي تم إنشاؤها لهذا الصدد، تحولت من أداة للبحث عن الحقيقة إلى مشكلة في حد ذاتها، فبات مطلوبا تشكيل لجنة للتحقيق في لجنة التحقيق؟!
-
وزيرة الثقافة خليدة تومي، رفضت الإفصاح عن اسم الوزير الذي قالت أنه لا يفهم معنى للتضامن الحكومي، ويعارضها في العديد من المشاريع، حتى المدرب الوطني السابق رابح سعدان، قال أن هنالك أسرارا خطيرة، لم يحن الوقت بعد لكشفها بخصوص هزيمة الجزائر أمام مصر، بأربعة أهداف لصفر في كأس إفريقيا.
-
هكذا يتعامل النظام ورجاله، مع الشعب، بمنطق “مازال”، “لم يحن الوقت بعد”، “لو تكلمنا لفضحنا أسرارا عديدة” و.. و… سياسيون، ورؤساء ووزراء وجنرالات، رحلوا بدون أن ينطقوا ببنت شفة حول أحداث وقعت في الجزائر قبل عقود من الزمن، فما بالك بتلك التي جرت منذ أيام قليلة أو من أسابيع ويبحث المواطنون عن حقيقتها؟!
-
الوصاية على الشعب انتقلت إلى وصاية على تاريخه، وحاضره ومستقبله، كما أن مصادرة الحقيقة، وإقامة الحواجز في سبيل منعها من الظهور للعلن، والتحرر من السرية، باتت عقيدة سياسية وسلطوية قائمة بذاتها، حتى أضحى الجيل الحالي، وما قبله، وربما الذي سيأتي بعده، غير معني بمعرفة ما وقع سابقا وحاضرا، وكأن التاريخ يخيف السلطة، فيجعلها ترتجف كلما تنادى أحد لكتابته بعيدا عن المهاترات والتخوين، أو التجميل، والادعاءات.
-
أليست الدعوة الجزائرية المتكررة للفرنسيين بإعادة الأرشيف الوطني، تبدو مضحكة في ظل خوف الجزائر الرسمية من التاريخ، ونفض الغبار عن الماضي؟ ممّن يسخر هؤلاء المسؤولون، عندما يقولون أنهم تباحثوا مع نظرائهم الفرنسيين في مسألتي الاعتذار واسترجاع الأرشيف؟! ألم يقل بعض العارفين بالملفات السرية، والجلسات غير المعلنة، أن الجزائر لو توفرت على الإرادة الحقيقية من أجل استرجاع الأرشيف، لكانت قد حصلت عليه كليا، ومنذ سنوات طويلة؟!