الرأي

الخبز والزيت 

في الوقت الذي كان وزير التجارة، السيد كمال رزيق، يقدّم حصيلة سنوية لـ”مكاسب” وزارته طوال السنة الماضية، ويستشرف أخرى بالنسبة إلى السنة الجديدة، إلى درجة أن أقسم بأن شهر رمضان القادم وما بعده من شهور، لن تعرف أي ندرة في أي مادة أساسية أو كمالية، وحتى أسعارها ستنخفض إن لم تثبت في مستوى المقدور عليه، في هذا الوقت الانتصاري، كانت المناورات تُحاك وتطبَّق في الميدان لرفع سعر الخبز بنسبة 50 بالمئة، ومغامرة الزيت مع الندرة تدخل السنة الجديدة بعيدا عن الأمان المأمول.

طريقة حديث وزير التجارة المتفائل جدا، كانت توحي بأن الرجل يمتلك الحقيقة كلها، وبأن شوكة المضاربين قد ضعُفت فعلا، وبأن سنة 2022 ستكون عبارة عن إقلاع اقتصادي لن تشوّش مساره أيُّ شائبة، فما بالك بهذه المناورات التي أضاعت الوقت على الجزائر، وأثارت الأعصاب، فإذا كانت الحكومة، بالرغم من الوعود الكثيرة التي قدّمتها، قد عجزت عن القضاء وحتى عن تقنين التجارة الفوضوية التي احتلت الآن الطرقات بعد أن استعمرت الأرصفة، حيث يتم البيع بالسعر الذي يريده التاجر الرحّالة وفي الأجواء غير الصحية التي يريدها أيضا، فإنَّ خروج العديد من الخبازين مع أولى نسمات السنة الجديدة من الذين يمتلكون سجلات تجارية معتمدة ويستفيدون من الدقيق والخميرة والسكر والزيت المدعم، بالسعر الذي فرضوه من جانب واحد، دليلٌ على أننا ما زلنا في نقطة الصفر، إن لم نكن قد تراجعنا خطوات أخرى إلى الوراء، وبدلا من انتقال الجزائر إلى مصدِّرٍ للزيوت في سنة 2022، كما تعهّدت بذلك وزارة التجارة، فإن الحصول على لترات من زيت المائدة مازال مبتغى للكثير من العائلات في الجزائر العاصمة والعميقة، التي لم تخرج بعد من ظل اختفاء بعض المواد الأساسية أو غيابها أصلا من المحلات التجارية.

الحديث عن الإقلاع الاقتصادي المبرمج في سنة 2022، غمر قلوب الناس بالأمل، وجعلهم يترقّبون الخطوات العملاقة لتكسير الجمود الاقتصادي الذي عرفته البلاد في العقود السابقة، حتى تحوّل الجزائريون إلى كائنات مستهلِكة لا يدخل جوفَها إلا ما طُبخ وعُصر هناك، ولا يلف جسدها ولا يطيب جلوسها إلا لما يُنسج ويُركّب هناك، لكن أي عجز أمام المضاربين أو الخارجين عن القانون هو فشلٌ لن يعطّل برنامج الحكومة فقط وإنما يحبط معنويات المواطنين الذين صاروا يصدِّقون أرقام الصادرات المرتفعة من خارج المحروقات ونسبة النمو التي فاقت الأربعة في المئة، ويطالبون بالمزيد.

من عادة الجزائريين، إذا تحدّثوا عن حميمياتهم وأسرارهم، أن يقولوا جملة مفيدة وهي: “زيتنا في دقيقنا”، ولكن من الواضح أنَّ السنة الجديدة لا يريدها الجشعون والمضاربون إلا أزمة زيتٍ مرة ودقيق مرة أخرى، ضمن المعادلة المقلوبة: “دقيقنا في زيتنا”.

مقالات ذات صلة