الرأي

الخدعة الذهبية..!!

مروان ناصح
  • 2582
  • 0

-1-سمعت هذا الحوار، ذات يوم:- في منتصف هذا المسلسل، شعرت بملل شديد.. ودامت هذه الحال لحلقات عديدة.. حتى كدت انصرف عنه متذمراً..!!- لقد كنت ضحية خدعة “ذهبية”.. لكنها لئيمة!! يأخذ بها بعض المؤلفين والمخرجين، لضمان الحلقات الثلاثين: ابدأ بأجمل ما لديك.. واختم بأجمل ما تبقى عندك.. أما الحلقات الوسطى فأملأها بأي شيء..!! بلا شيء..!!كان المتحاوران مشاهديْن “عاديين” فيما بدا لي، غير أن مكتشف الخدعة “الذهبية” منهما جدير بجائزة لم تدرج بعد بين جوائز المهرجانات.. جائزة أفضل مشاهد..!! ولما لا؟!.

.

 2

أما الخدع “الذهبية” في الدراما العربية فهي كثيرة و”موصوفة”..!! هل سمعتم بخدعة “الدمية الروسية”؟؟! فظاعة..!! إنهم يبدؤون المسلسل على طريقة الدمية الروسية الجميلة المسماة “ماتريوشكا”.. وهي دمية كبيرة في داخلها دمية ثانية صغيرة… ثم دمية أخرى أصغر!! وهكذا.. عدد كبير من الدمى.. وفي كل واحدة منها دمية أصغر منها.. ثم ماذا..؟! ثم لا شيء أخيراً..!!

وأتذكر من تجليات هذه الخدعة _ الدمية حواراً دار بيني وبين مدير الإنتاج العام في التلفزيون السوري، يوم أن كنت مسؤولاً عن النصوص الدرامية، وكان يحاول أن يقنعني بالموافقة على سيناريو مسلسل رأيته بلا طائل، أو جدوى، ورآه هو مسلياً، متى ما توفرت له بعض المدعِّمات، وقد لخصها بقوله:

– أقطع يدي إذا لم يكن 90 % من المشاهدين الذكور يبحثون عن وجه أنثوي جميل، وجسد “يتضوع” إثارة، أما 95 % من المشاهدات فلا تتجول عيونهن إلا على ما ترتديه هذه الممثلة من الأزياء، وما تضعه تلك من “مكياج”، وما “قصته” الثالثة من شعرها أو ما أضافت إليه من

“محسنات” صناعية، و أنواع “الاكسسوارات” الجديدة “النازلة” إلى سوق “الموضة” العالمية..!! أما الحكاية الدرامية، ومستوى بنائها، ومنطقيتها، وما يحيط بها من أجواء وظروف، فضلاً عن الشخصيات ومدى دراستها، وعمق حضورها، وأبعاد هذا الحضور.. إلى آخر ما هنالك من مصطلحات مهنية و”نقدية” تهتم به حضرتك، وبعض النقاد “الجاديين”، وفئة قليلة ممن يدعى بالجمهور المثقف”، فيؤسفني أن أخبرك بأنكم غائبون عن الوعي” بما يجري على الساحة الفنية تماماً..!!

ومن “غرائب” ما يقودني إليه خيط التذكر الملتف حول هذه الخدعة _ الدمية، أن أحد الأصدقاء من أصحاب شركات الإنتاج الدرامي في سورية راح يشكو إليَّ _ بعد سنوات من ذلك الحوار _ خيبته المريرة، بعد رحلة له إلى إحدى دول الخليج، حيث واجهه مدير إحدى القنوات الفضائية “المتحكمة” بسوق الإنتاج والعرض، بصراحة جارحة، وهو يشرح له سمات الأعمال المطلوبة في السوق الخليجية:

– يا حبيبي..!! ماذا أفعل بالأعمال التاريخية، ولغتها الفصيحة المنقرضة؟!! وماذا أجني من المسلسلات الاجتماعية، ومشكلاتها العويصة المستغرقة في الحروب بين القديم والجديد، من القيم والمفاهيم والأفكار؟!!.. هاتِ لي عشرين.. ثلاثين عملاً من نموذج مسلسل “صبايا”.. حيث الفتيات الجميلات، والأزياء البديعة.. والمواقف “المثيرة” و”الفرفشة” الشهية.. ثم “لا شيء سوى ذلك”.. وأنا أضمن لك تمويلها جميعاً دون تردد..!!

 .

3

وقريب من هذه الخدعة الذهبية.. خدعة ذهبية أخرى، تمثلها لعبة “العلب الصينية”: علبة كبيرة مزركشة براقة مغرية.. في داخلها _  هي الأخرى _ علبة أصغر منها.. ثم تمضي بك هذه اللعبة نحو علبة هي الصغرى والأخيرة.. وتفتحها فإذا هي فارغة..!! يا للخديعة..!!

والأمثلة على هذه الخدعة “الصينية” كثيرة.. لعل أول ما يحضرني منها ذلك المسلسل ذو الأجزاء المتعددة الذي اخترع أصحابه ما يشبه تياراً واضح الملامح، وأسموه: “الفانتازيا التاريخية” حيث لا زمان، ولا مكان.. ولا وقائع أو شخصيات معروفة.. إنما هي في جوهرها مسلسلات بدوية بسيطة، ساذجة، حُملت ما لا طاقة لها به من الأزياء المزركشة، والحوادث البطولية “الوهمية”، وأنطقت بلغة عربية ركيكة لها “لحن” العربية الفصيحة دون روحها وجمالياتها، فضلاً عن كثير من مظاهر “الفروسية” المدعاة..!! ومن أسماء تلك السلسلة: “الجوارح” – “الكواسر” – و “البواسل” – ولو امتدت خيوط هذه الخدعة.. لوصلت أسماء أجزائها التالية إلى “القوارض” و الزواحف”..!!

 .

4

وأشهد أن في كل من الخدعة الروسية، والخدعة الصينية متعة جذابة.. وبريئة.. هي متعة الاكتشاف، والتوقع، والتوجس، عند اللعب بهما لأول مرة.!! ولا بد أن في كل منهما فكرة عميقة، أو أكثر من فكرة رمزية، تريد أن تقرب إلى أذهاننا الغافلة معنى الحياة.. ولا جدوى الركض وراء السراب..!! وهي وجهة نظر صينية، أو روسية على كل حال..!! ولكن الدراما العربية، لا تأخذ من هاتين اللعبتين سوى الشكل..!! وخطؤها أنها تفترض أن المشاهد سيظل مستمتعاً بالخديعة، في كل مرة.!! وأنه سيُقبل عامداً على مائدة “الإستغباء” بصورة دائمة..!!

 .

5

 

كل هذا يهون، أمام الألعاب “النارية” التي يؤديها بعض النقاد، أو الصحفيين بالتواطؤ، أو التعاطف مع جهة ما: يغتنم أحدهم ضجة الموسم، وتشتت الناس بين المسلسلات ذات “الدعاية” الحسنة المسبّقة، فيخرج بمقال يؤكد فيه تفوق واحد من الأعمال المغمورة بصورة مطلقة..!! متحدثاً عن حبكة “شكسبيرية”! وممثلين “عالميين” وإخراج “معجزة”!!.. فيركض الناس بأنظارهم نحو ذلك المسلسل.. ليفجعوا بعد أيام قلائل بحجم “الخدعة”!! وبأن “ناقدهم” ذاك لم يتابع أي عمل من الأعمال المعروضة.. حتى العمل “المنقود” نفسه..!!

مقالات ذات صلة