الرئيس زروال كما عرفته وسمعت عنه
تواضع… صرامة… نظافة… مواقف.
الله اكبر الله كبر الله اكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، انا لله وانا اليه راجعون.
تودع الجزائر ابنها البار المجاهد، الرئيس اليامين زروال الف الف رحمة على روحه الطاهرة.
يرحل الرجال ويبقى الذكر والاثر والمواقف .
فمن الصعوبة الاسترسال في الحديث عن المجاهد المناضل الرئيس اليامين زروال ونحن نودعه بألم ولوعة الى دار الخلد ، الى دار البقاء الى جوار ربه ورفاقه من الشهداء والمجاهدين الذين سبقوه وحسن أولئك رفيقا .
اليامين زروال أصيل عرش النمامشة المغوار الثائر وليد باتنة من أسرة متواضعة، تنسب عائلته في باتنة خطأ الى عرش بني ملول الموزع عبر ولايات باتنة وأم البواقي وخنشلة. وهو ما أكده لي عمه شخصيا المرحوم زروال بلخير.
عرف الاستدمار الفرنسي منذ نعومة اظافره وعاش سنوات الطفولة يلاحظ التمييز الفاضح في مستوى المعيشة والمعامله بين أبناء المعمرين وأبناء جلدته في مدينة باتنة.
وأمام تلك الظروف القاسية والسنوات العجاف لم يتمكن من مواصلة التعليم، فاضطر للعمل كمساعد محاسب عند أحد تجار الجملة للمواد الغذائية المدعو برغوث رحمه الله.
وبشروق فجر الثورة لم يتوان لحظة في تلبية نداء الجهاد، فسلم وثائق المحاسبة والمبالغ التي بحوزته لصاحب المتجر والتحق بالجبال مجاهدا وهو في السادسة عشر من عمره وذلك سنة 1957
عُرف خلال سنوات الثورة بالانضباط والإقدام في مهامه الجهادية وهو في سن المراهقة ولم يعش شبابه ومراهقته الا وهو يتحمل عبء المسؤولية والبندقية “والرنجارس” الحذاء العسكري..
ومع استرجاع السيادة الوطنية واصل العمل ضمن وحدات الجيش الوطني الشعبي، ولفت انتباه القادة العسكريين بكفاءته وجديته فارسل للتدريب في الأكاديميات العسكرية في المشرق العربي مثل مصر وسوريا، وفرنسا والاتحاد السوفياتي فصقل معارفه ونمى مداركه العسكرية .
أضحى من الضباط المتميزين في صفوف الجيش الوطني الشعبي، واكب ذلك الترقيات الى أعلى الرتب وتولى قيادة الوحدات والنواحي العسكرية الى ان استقر به المقام على رأس القوات البرية برتبة جنرال في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله.
اختلاف مع نزار فاستقالة
بتولي الجنرال اليامين زروال قيادة القوات البرية خلفا للجنرال خالد نزار الذي تولى قيادة الأركان طرحت فكرة تحديث التنظيم الهيكلي لوحدات الجيش الوطني الشعبي من أجل اكثر فعالية وأسرع حركية، فظهر تباين بين إستراتيجيتين وخطتين تبنى كل واحدة منهما قائد الأركان من جهة وقائد القوات البرية من جهة ثانية وكلاهما متمسك بقوة بخطته.
وبطبيعة الحل فإن رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني هو الذي سيفصل في الأمر، وبعد أخذ ورد وتبادل العروض والشروح فضل الاخذ بخطة الجنرال خالد نزار على حساب خطة الجنرال زروال.
كان واضحا تأثير العربي بلخير على الرئيس الشاذلي وحمله على اعتماد خطة نزار لأن كليهما –أي نزار وبلخير- ينتمي للضباط الفارِّين من الجيش الفرنسي ويخضعان لنفس المدرسة العسكرية .
واتذكر كيف أبدى مجاهدو باتنة آنذاك تعاطفهم مع مجاهد جيش التحرير اليمين زروال الذي لم يقف يوما تحية للراية الفرنسية عكس الذين كثير من الذين كانوا يرددون الأناشيد الفرنسية أثناء الثورة!
الجنرال اليامين زروال وإن تقبل موقف الرئيس الشاذلي انضباطا واستقامة فقد رفضه واستهجنه مع نفسه وكبريائه وبكل بساطة ومسؤولية قدم استقالته بهدوء ورزانة ،دون أن يحدث اي ضجيج او القيل والقال لتستغله الأبواق المعادية خاصة جيران السوء على حدودنا الغربية .
ولأن مكانة وسمعة وشخصية الجنرال زروال كانت محفوظة لدى قيادة البلاد وعلى رأسها الرئيس الشاذلي فقد تم تعيينه سفيرا في رومانيا
للحفاظ على كرامته وضمان راحته النفسية والمعنوية بعد عناء سنوات الجهادين الأصغر والأكبر (الثورة والبناء والتشييد) وقبل المنصب ربما على مضض لانه لم يطل به المقام هناك الا أشهر قليلة فطلب اعفاءه من منصبه الجديد، وكان يرى بأنه يتلقى اجر السفير من دون مقابل، وهو الذي دأب على العمل الجدي الميداني لعقود طويلة، وهو سلوك يعكس شخصية سي لمين المتعففة الزاهدة في المناصب والمال والكل يشهد له بالزهد والتعفف والتواضع مع قوة الشخصية والاستماتة على المبادئ.
وبذلك قفل عائدا الى مسقط رأسه بباتنة ليعيش حياة بسيطة متواضعة مع أهله وذويه واصدقاء الطفولة، وكنا نلتقي في المناسبات والأعياد في دار الحاج قادري رحمه الله، وكان دائم الابتسامة كثير التحفظ في كلامه بعيدا عن النقد او التجريح في النظام ورموزه وهو خارجه.
عودة إلى ميدان المعركة
وتشاء الاقدار ان تدخل البلاد في تعددية مريضة اثر ولادة قيصرية خطيرة لتفضي الى فراغ دستوري رهيب ومصطنع باستقالة او اقالة رئيس الجمهورية واستحداث بدعة “المجلس الاعلى للدولة” ليحل محل منصب الرئيس ويتم اغتيال رئيس هذا الكيان الغريب المصطنع المرحوم المجاهد محمد بوضياف، لتجد القيادة العسكرية نفسها في مواجهة مجبرة مرغمة للظاهرة الإرهابية المقيتة الغريبة الدخيلة على مجتمعنا.
وأمام هشاشة الأوضاع السياسية والامنية وضرورة المواجهة بحكمة ورزانة للأوضاع المتفجرة، استنجدت البلاد بالجنرال المتقاعد اليامين زروال رجل العقل والتعقل الذي لم يكن طرفا في الأزمة لا من قريب ولا بعيد لتولي منصب وزير الدفاع الوطني خلفا للجنرال خالد نزار الذي كرس وقته لعضوية المجلس الأعلى للدولة .
لم يكن اختيار الجنرال اليامين زروال اعتباطيا ولا ارتجاليا لأن القيادة العسكرية الماسكة بزمام السلطة آنذاك تعرف شخصية سي اليامين المتسمة بالجدية والصرامة والنظافة البعيدة عن الصراعات والتشنحات والتفاني في حب الوطن وخدمته .
وبالفعل باشر سي اليامين مهامه كوزير للدفاع في ظروف مأساوية إذ الأرواح تزهق بالاغتيالات اليومية والممتلكات تحرق وتهدم، ومكانة وسمعة الجزائر في أدنى الحضيض أمام الأمم والشعوب وكنا نعيش حصارا رهيبا من الأصدقاء قبل الأعداء.
اجتهد زروال على جبهتين، الأمنية والسياسية، محاولا احتواء الأوضاع، وكثف العمل الأمني العسكري للتصدي للجماعات الإرهابية الدموية معتمدا على تجنيد المقاومين من المجاهدين وأبناء الشهداء والوطنيين جنب الى جنب مع قوات الجيش الوطني الشعبي التي وجدت نفسها في معركة مع عصابات مجرمة حاقدة متعطشة لسفك الدماء.
ومن جهة اخرى اتجه الى قادة الجبهة الإسلامية المسجونين بالبليدة وتفاوض معهم ونُقل عباسي مدني وعلي بلحاج الى العاصمة في إقامة جبرية بدل السجن ليسهل الحوار معهم طالبا منهم استصدار بيان التنديد بالأعمال الإرهابية، مقابل اتخاذ السلطة اجراءات التهدئة لصالحهم، الا أنهما رفضا رفضا قاطعا ذلك فارضين شروطا تعجيزية على السلطات القائمة آنذاك.
وبذلك اضطر زروال لتعزيز العمل الميداني للتصدي للأعمال الاجرامية ميدانيا مدعما مصالح الأمن بالحرس البلدي والمقاومين، ولئن واصل الإرهاب اعماله الاجرامية هنا وهناك فإن يقظة وتنظيم واستماتة المجتمع والتحامه مع الأجهزة الأمنية والجيش جعل نشاطه ينكمش وينحصر في بعض المناطق دون سواها مع انتهاجه أساليب الاغتيالات الموجهة للاثارة الاعلامية مثل الإعلاميين ورجال الفكر والفن والثقافة الخ..
وكان وزير الدفاع يقود بنفسه مكافحة الارهاب من خلال المتابعة والدعم والتوجيه للوحدات القتالية والأمنية عبر الوطن.
وزير الدفاع.. رئيس للدولة
في خضم الزوابع الأمنية والسياسية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية كانت فترة المجلس الاعلى للدولة المحددة بسنتين قد أتت على نهايتها، فجرت مشاورات ونقاشات خلال ندوة الحوار الوطني التي كان فيها اليامين زروال وزيرا للدفاع الوطني حجر الزاوية والمحاور المحوري حول كيفية إدارة الدولة في المرحلة القادمة، والدفع بإخراج البلاد من الأزمة السياسية ومواصلة التصدي للمعضلة الإرهابية الدموية.
وفي الوقت الذي استقرت فيه الندوة بكل الفعاليات الحزبية والسياسية والجمعوية على اعتماد أرضية تسيير المرحلة الانتقالية وبحضور عبد العزيز بوتفليقة الذي وافق على تولي رئاسة الدولة في انتظار العودة الى المسار الانتخابي.
وبينما كانت الانظار متجهة الى قصر الأمم بنادي الصنوبر لمعرفة مخرجات اللقاء والاعلان عن تولي بوتفليقة الرئاسة، فإذا به يغادر الى سويسرا من دون سابق أنظار تاركا الجميع في حيرة من أمرهم.
ولكن الجزائر لم ولن تكون عاقرا، وجد المجلس الاعلى للأمن الذي كان في اجتماع دائم ضالته في رجل المهام المستحيلة، الجنرال زروال و”اجبره” رفاق الدرب بإلحاح لتولي رئاسة الدولة لسد الفراغ المؤسساتي، فما كان عليه الا الإنصياع للواجب الوطني والمصلحة العليا للدولة، وهو يدرك عبء وحجم المسؤولية في ظروف مأساوية أمنيا وسياسيا وخاصة اقتصاديا واجتماعيا .وكان ذلك في جانفي 1994، واستعان بصديقه ورفيقة في الجهاد والجيش الوطني الشعبي الجنرال محمد بتشين رغم تحفظ بعض القيادات العسكرية عليه وعلى رأسهم خالد نزار الذي يقول بأنه نصح زروال بعدم الاتيان به، الا ان اصرار زروال ووفائه لصديق مساره جعل من محمد بتشين الرجل المحوري في رئاسة الجمهورية، وربما كل العداوات التي واجهها زروال كرئيس للدولة ثم للجمهورية كانت بسبب بتشين بقوة شخصيته ومعرفته لمداخل ومخارج وخفايا النظام لكونه قد قاد المخابرات قبل الجنرال توفيق.
شكَّل رئيس الدولة فريقا حكوميا براغماتيا برئاسة مقداد سيفي وشرع في معالجة القضايا الاجتماعية وفي مقدمتها السكن والبطالة، وتسابق الوزراء ومعهم الولاة في تجسيد السياسة الاجتماعية من خلال انجاز مزيد من المشاريع السكنية والعمرانية بتوزيع واسع للقطع الأرضية المعدة للبناء وأعطيت التعليمات لبعث المشاريع التنموية المتوقفة او تلك التي تنطلق جراء الأوضاع الأمنية التي تعيشها البلاد، وتم تشجيع إنشاء وتهيئة مناطق النشاطات وتوزيع اراضي الاستثمار بشكل واسع فانتعشت الحركة الاقتصادية والاجتماعية بشكل واضح من خلال المنتديات والملتقيات والتظاهرات الاقتصادية الوطنية والمحلية، فتحولت الجزائر الى ورشة مترامية الأطراف رغم الضغوط المالية الأجنبية والمقاطعة الكلية من الشركات الأجنبية باستثناء قطاعات المحروقات في الجنوب .
موازة مع ذاك واصل رئيس الدولة جهوده لاخماد نار الفتنة بمحاصرة فلول الارهاب والعمل على فتح قنوات الحوار مجددا مع قادة “الفيس”،
ولأنه كان منذ البداية زاهدا في الحكم فقد بادر في ديسمبر 1994 بضبط رزنامة العودة للمسار الانتخابي وحدد اجراء الانتخابات الرئاسية خلال 1995 وتعديل الدستور ومختلف القوانين العضوية المرتبطة به خلال سنة 1996 في حين تُجرى الانتخابات التشريعية والمحلية خلال 1997 وهو ما جرى احترامه وبذلت جهود مضنية لتجسيد تلك الالتزامات الوطنية التي أعادت للبلاد شرعيتها الدستورية من خلال البناء المؤسساتي الدستوري، مما ساعد على اذابة الجليد في العلاقة بين الجزائر والمجتمع الدولي بصفة عامة في جوانبها السياسية والديبلوماسية وخاصة في ابعادها الاقتصادية والتعاون.
ولأن جوهر الأزمة والمحنة الوطنية كانت ذات ابعاد سياسية قبل ان تاخذ منعرجا أمنيا وإجراميا خطيرا وتنزلق البلاد الى حافة الحرب الأهلية، فقد كان للرئيس زروال شرف المبادرة في جانفي 1995 بسن قانون الرحمة الذي فسح المجال من خلاله للمغرر بهم للعودة الى أحضان الأمة وتطليق العنف، وبصرف النظر عن نتائج تلك المبادرة فقد كانت بمثابة الأرضية والقاعدة لقانوني الوئام المدني ثم المصالحة الوطنية فيما بعد .
بكى.. واستبكى ..ضحى.. فرحل!
بذل الرئيس زروال مع فريقه الحكومي جهودا مضنية بل خارقة لتهيئة الشروط القانونية والتنظيمية واللوجستيكية والأمنية لإجراء الرئاسيات بتاريخ 15 نوفمبر 1995.
وكان سي اليامين يتاهب لتسليم العهدة ديموقراطيا لمن يختاره الشعب ويفرزه الصندوق بأسلوب حضاري وسلس، في حين راحت القيادة العسكرية تتابع وتراقب سير عملية الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية عاملة على سد المنافذ أمام أي مفاجآت قد تتسرب من الصناديق وتعيد البلاد الى المجهول.
ولأن الظرف حساس وعصيب فقد اجمعت ذات القيادة على اقحام رئيس الدولة وزير الدفاع اليامين زروال في المعترك الانتخابي الرئاسي لمواصلة برنامج التقويم الوطني الذي انطلق فيه، الا انه أبدى زهدا كبيرا وتحفظا شديدا إزاء ذلك، الا ان ظروف البلاد ورهانات المستقبل
وتحدياته فرضت على القيادة العسكرية الإلحاح والإصرار عليه للترشح، وهنا أسرَّ لي شخصيا اللواء محمد بكوش رحمه الله وكان وقتها قائدا للناحية العسكرية الثانية بوهران ان سي لمين أبدى نوعا من الشكوى أمام رفاقه برغبته في الاستراحة، ولكن أمام إصرارهم عليه بكى واستبكى معه بعض الحضور عندما قال: “يا إخواني لقد تعبت ولكنكم تدفعونني للجحيم .”
لقد كان يدرك حجم الرهانات والتحديات الداخلية والخارجية ولكنه لم يجد بدا من الانحناء مرة أخرى أمام نداء الوطن الجريح، ودخل المنافسة الانتخابية وقاد حملة انتخابية محترمة افضت الى فوزه أمام الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، رغم الشكوك التي اثيرت حول العملية الانتخابية من البعض آنذاك.
وباعتلائه سدة الرئاسة منتخبا شرعيا واصل تنفيذ برنامجه السياسي إذ اشرف على اجراء التعديل الدستوري في 1996 والذي أحدث فيه لأول مرة الغرفة الثانية للبرلمان (مجلس الأمة) وجرى استحداث مجلس الدولة المختص بالقضاء الإداري، والأهم من ذلك حدد العهدة الرئاسية في عهدتين وهو اجراء فريد من نوعه في العالم العربي والإفريقي لأن الحكم من دون قيد زمني يؤدي الى الانحراف وهو ما حدث مع المرحوم بوتفليقة عندا فتح العهدات في 2008 عن طريق البرلمان، والتبعات معروفة.
وفي 23 أكتوبر 1997 أعيدت الشرعية للمجالس البلدية والولائية من خلال انتخابات محلية شابتها تجاوزات مؤسفة، الرئيس زروال بريء منها تأكيدا ونحن كنا فاعلين في الميدان وشاهدين على ذلك. وفي نهاية 1997 استكمل البناء المؤسساتي بانتخاب أعضاء مجلس الأمة من قبل المنتخبين المحليين مع تعيين الرئيس زروال للثلث الرئاسي.
لقد قاد المرحوم البلاد الى بر الأمان سياسيا وبدأت الجزائر تسترجع مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي، وواصل الجهود التنموية الواسعة استجابة للتطلعات الشعبية الملحة، الا ان تضارب المصالح ابرزت تصدعات بين الرفاق وغاب الوفاق وساد الشقاق والنفاق فوجد الرئيس زروال نفسه في مواجهة أوضاع جديدة بين الفرقاء عوض تكريس الجهد والوقت لمعالجة القضايا الكبرى للوطن والتصدي للإرهاب الذي اعتمد اسلوب المجازر الكبرى وطرحت معه أسئلة ليست بريئة من بعض الابواق في الداخل والخارج، وانتهى الامر بشن حملة اعلامية على مستشار الرئيس زروال محمد بتشين ووزير العدل محمد آدمي من قبل بوكروح نور الدين الذي يكون قد وُظف لهذا الغرض بدليل منحه منصب وزير مباشرة بعد رحيل زروال وتولي بوتفليقة الرئاسة .
أمام ذلك وتفاديا لانزلاقات غير محسوبة، وسعيا منه لبعث روح جديدة في منظومة الحكم وفي سابقة فريدة من نوعها فضل اعلان تقليص عهدته الرئاسية في خطاب مفاجئ له بتاريخ 11 سبتمبر 1998، ويشرف على انتخابات أوصلت عبد العزيز بوتفليقة لسدة الحكم في افريل 1999.
ليغادر الى مسقط رأسه معززا مكرما تاركا انطباعا واثرا محمودا لدى الشعب الجزائري الذي يقف اليوم وقفة تابينية خالدة خلود الرجال العظماء.
مواقف خالدة للتاريخ
الرئيس اليامين زروال والجزائر تودعه اليوم شعبا وقيادة في صور جنائزية مهيبة سيظل في ذاكرة الاجيال من طينة الكبار وهو الذي قاد البلاد بشجاعة في أحلك ظروف المحنة الوطنية، واجتهد فاصاب في مواقع كثيرة فأجره عند الله وان اخفق في مواقع اخرى فله اجر الاجتهاد وامتنان الشعب الجزائري لانه كان على نية صادقة لخدمة الله الوطن وليس الا الله الوطن.
وفي ختام هذه المقالة التابينية المتواضعة والتي لا ولن توفي له ولو القليل القليل مما يستحقه من الثناء والتنويه والتقدير والاعتبار لروحه الطاهرة، نأتي على ذكر ما تذكرنا من مواقفه المشرفة والخالدة من ذلك انه:
-قبل المسؤولية في أخطر وأدق الأزمة الوطنية وتحمّلها بشجاعة وجراة نادرة .
-قاد البلاد الى الصلح من خلال مبادرته بلقاء قادة ا”لفيس” الذين رفضوا التنديد بالارهاب، ومع ذلك اصدر قانون الرحمة الذي كان رحمة للجزائر.
-اصدر دستور حدد فيه عهدتين لتفادي الانحراف في الحكم عند إطالة المكوث فيه.
-اعاد بناء الصرح المؤسساتي بعد الهزة الخطيرة التي احدثتها عملية وقف المسار الانتخابي في 1992 وما نتج عنها.
-على الصعيد الخارجي وضع الرئيس الفرنسي جاك سشيراك عند حده في نيويورك عندما رفض استقباله برفض هذا الاخير اللقاء العلني بدعوى ان زروال غير منتخب.
– أدخل الملك الحسن الثاني ونظام المخزن والى اليوم في عنق الزجاجة عندما أمر بغلق الحدود مع المغرب جراء اتهام الجزائريين بالارهاب وفرض التأشيرة عليهم في صيف 1994.
-احبط مؤامرة العصابة بإجهاض الحراك الشعبي في 2019 وقف الى جانب الشعب مؤيدا لثورته السلمية.
-اخيرا وقف الى جانب الرئيس عبد المجيد تبون ودعمه، لأنه توسم فيه الخير للجزائر، بحكم معرفته القديمة به منذ عقود .
الوداع الوداع سي لمين لقد عرفناك رجلا، شجاعا، مقداما، صاحب مواقف، متواضعا، نظيفا، نزيها. فالف الف رحمة على روحك الطاهرة.