الرأي

الخروج من تحت الرماد

عمار يزلي
  • 827
  • 0

عام يمر على “طوفان الأقصى” الذي كان عليه أن يحدث لتغيير الوضع على الأرض في كامل المنطقة، وليس في فلسطين التاريخية وحدها، وهذا بعد أن صارت القضية في تعداد الموت السريري، تمهيدا لبيع فلسطين في سوق النخاسة التطبيعية على ملة “دين” جديد، يسمى “الإبراهيمية”.

كان لا بدّ من أن يخلخَل الوضع الذي كرسته الانقسامات، والضعف العربي، والخضوع المطلق لهيمنة الغرب في كل المجالات، وبات العرب يعيشون حقبة جديدة من سايكس بيكو، عمادها “الفوضى الخلاقة” وتحطيم مقدرات الشعوب، باسم الشعب والثورات الملوّنة تمهيدا لقتل كل بؤرة ثورة على النظام العالمي الجديد المفروض ديكتاتوريا.. باسم الديمقراطية.

عامٌ على قلب الطاولة بعد أن كنا على شفا حفرة من نهاية صفقة تباع فيها المنطقة برمتها للكيان وداعميه من الغرب وأمريكا بشكل خاص: لقد أفشل أبطال المقاومة كل المخططات، في هذه الرقعة الجغرافية المحاصَرة من عشرات السنين، من طرف العرب قبل المحتل: رقعة جغرافية بحجم بلدية، محرومة من الحياة، تعيش الموت البطيء كل يوم وعلى مدار سنوات طوال، قبل وبعهد أوسلو، ومنذ 1948، تاريخ النكبة العربية الفلسطينية الكبرى: كان على هذه الرقعة أن تنتصر لشعبها، مادام الموت مفروضا عليها، وبالتقسيط.

عام قلّب الأوضاع في الشرق الأوسط والعالم برمته: فضح الكيان وبانت سرائره وفضحت معه القوى المساندة للتدمير والغدر والقتل العشوائي والإبادة الجماعية بالمال والسلاح والدعم الدبلوماسي وفي المؤسسات الأممية والمنظمات الدولية. انتفاضة كبرى، غيرت من المعادلة، رغم الدم والنار والدمار الذي لم يترك طفلا ولا عجوزا ولا شيخا ولا حجرا ولا شجرا ولا مسجدا ولا مستشفى ولا مدرسة: اتضحت حقيقة هذه الغدة السرطانية المغروسة في جسد الأمة لتثبيت الهيمنة على المنطقة: سقطت كل الأقنعة، حتى تلك التي كانت تحمل القناع فوق القناع. سقطت كل أوراق التوت التي ظل يتشدق بها “العالم المتحضّر”: الحرية والعدالة والإنسانية والحقوق والقيم، التي طالما روجوا لها وعلّموها للعالم في المدارس والجامعات. اتضحت كلها اليوم، عمليا وفعليا، وبفعل “طوفان الأقصى”، أنها كانت مجرد أقنعة للغرائز الحيوانية في القتل والإبادة المتوحشة. بالمقابل، فرض “طوفان الأقصى” معادلة أخرى: المقاومة لن تموت والحرية تُؤخذ ولا تعطى، والحق مثله، وما أخِذ بالقوة لا يُسترجع إلا بالقوة وأن الكيان الغاصب، لا يفهم إلا لغة القوة.

وهاهي غزة، رغم ما حل بها وبإخوانهم في الضفة الباسلة، وفي لبنان العزّة والكرامة، نيران المقاومة فيهما لم تخمد رغم مرور سنة من التدمير والقتل والحصار والتجويع: بل وهاهي دائرة المقاومة تتوسّع إلى اليمن والعراق، ويدخل الصراع الأمريكي الغربي الصهيوني المتحالف ضد إيران، مرحلة التصعيد الخطير الذي لم يسبق له مثيل. صراع قد يُحدث رجّة ضخمة بفعل رد الكيان ورد إيران على الرد. الكيان، الذي طالته أيادي المقاومة على بعد 2000 كلم، كما ستطاله وبقوة غير مسبوقة، أيادي إيران، وستتعاظم الأفعال وردود الأفعال، وقد نشهد فعلا تحوُّلا إن لم يكن عاجلا، فآجلا على المدى المنظور.

طوفان، كان فعلا وسيبقى، بعد أن بلغ السيل الزبى، وتفطّن فتية غزة، الذين أعدّوا لكل هذا العدة والعدد والمدد، بإنجازات خارقة فوق الأرض وتحتها، دفعت الإجرام الصهيوني إلى حرب جبانة يدمّر فيها البيئة الحاضنة وينكّل بالأطفال والمدنيين، نفس ما يحاول القيام به اليوم في لبنان المقاومة والصمود، رغم التفوق التكنولوجي والتسلح الأمريكي الأطلسي بلا حدود.

عام، من طوفان، سيعيد حتما المنطقة إلى توجه بوصلتها الأصيلة، رغم كل شيء.

مقالات ذات صلة