الخضر أضاعوا مرة ثانية فرصة التأهل للدور الثاني
هو مونديال للنسيان، ذاك الذي دار رحاه عام 1986، بالمكسيك بالنسبة للجزائريين، لا أحد فهم سبب ذاك الوجه البائس من لاعبين تزوّدوا هذه المرة بالخبرة التي افتقدوها عام 1982، وكان الكثير منهم قد دخل عالم الاحتراف ومنهم بالخصوص رابح ماجر، وبمجرد أن وضعت القرعة الجزائر في فوج البرازيل، حتى فرح كل الجزائريين الذين كانوا يظنون أن الفوز على إيرلندا الشمالية لا جدال فيه، ولم تكن إسبانيا منتخبا قويا، بالرغم من ضمها بوتراغوينيو، وذهب خيالهم إلى درجة أن تصوروا أن مباراة البرازيل ستكون بين القويين في المجموعة، وهي الثقة الزائدة التي تحولت مع مرور دقائق المباريات إلى كابوس حقيقي.
كانت الأزمة قد بدأت تعصف بشدة على الجزائر، كان الصمت السياسي يخيّم وسعر البترول إنهار بشكل مريع ونزل إلى قرابة 11 دولارا للبرميل الواحد، اكتشف الشاذلي بن جديد أن البلاد كانت تستهلك فقط، فغاب المناصرون نهائيا عن مونديال المكسيك عام 1986 باستثناء بعض الطلبة الذين يدرسون في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض المهاجرين، ولم يزد عددهم عن عشرين مناصرا في غالبية اللقاءات.
تأهل كبير وظهور صغير
لم يجد أشبال رابح سعدان أية صعوبة في التأهل للمرة الثانية لكأس العالم على التوالي، كان الأفارقة على يقين بأن المنتخب الجزائري هو الأحسن على الإطلاق، وخلال التصفيات المونديالية منحوا الجزائر فسحة عدم المشاركة في الأدوار التأهيلية، ولم تلعب الجزائر سوى ثلاث مواجهات، فتأهلت أولا أمام أنغولا بعد تعادل سلبي في لواندا، وفازت عليها في ملعب الخامس من جويلية بثلاثية مقابل هدفين، لتستقبل في جويلية 1985 زامبيا، ففازت عليها بثنائية نظيفة من بن ساولة وماجر ثم عادت من لوزاكا بفوز آخر من بن ساولة بهدف نظيف، وفي لقاء الفصل تنقل رفقاء ماجر إلى ملعب المنزه بتونس، وسحقوا رفقاء الركباوي برباعية كاملة مقابل هدف واحد، سيطروا بالطول وبالعرض على مجريات المباراة، التي حضرها الآلاف من المناصرين الجزائريين، وعادوا إلى الجزائر في أكبر موكب فرح انطلق من محيط ملعب المنزه إلى الحدود الشرقية، وفي لقاء العودة بصم الجزائريون تفوقهم بثلاثية نظيفة أكدت بأن الجزائر قوة كرة إفريقية، وكبر حلم الجزائريين في أن يكون مونديالهم المكسيكي هو الأحسن، ولم يظنوا أبدا أن الحلم سيتحوّل إلى كابوس، صنعه اللاعبون بسبب العراك في ما بينهم، والطاقم الفني الذي كان خارج الإطار، ولم يتحكم في مجموعته وجامل بعض اللاعبين إلى درجة أنه أشرك لاعبين مدافعين في نفس المنصب في مخاطرة هي الأولى من نوعها في عالم الكرة خلال مباراة إسبانيا الأخيرة، ويتعلق الأمر، بفضيل مغارية ونورالدين قريشي، رغم أن اللاعبين زاروا المكسيك قبل المونديال ولعبوا عددا من المباريات هناك، وتعودوا على الارتفاع والأجواء ولكنهم في يوم المباريات كانوا خارج الإطار في اللقاء الأخير أمام إسبانيا، حيث لعب الخضر أسوأ مباراة في تاريخهم في كأس العالم.
إيرلندا .. كانت في الجيب ولكن؟
أولى مباريات الخضر جرت في ملعب 3 مارس بغوادا لاخارا، أمام 22 ألف متفرج، وقادها الحكم السوفياتي بتينكو، وفاجأ المدرب رابح سعدان العالم بإشراك الحارس العربي الهادي، الذي لم يسبق له وأن لعب مباراة رسمية في حياته، ولعبت الجزائر بالتشكيلة التالية..العربي ومجادي وقريشي وقندوز، ومنصوري، وقاسي السعيد، وبن مبروك، وماروك، وماجر، وزيدان، وعصاد، وتم تعويض ماجر المصاب في الدقيقة 33 بلاعب المحترف في انجلترا وهو حركوك، كما تم إقحام بلومي في مكان زيدان في الدقيقة 71، وقاد الخضر رابح سعدان، وكان إلى جانبه مصطفى دحلب، بينما لعبت إيرلندا الشمالية بالتشكيلة التالية.. جينينغس ونيكول واورنيل وماكدونالد، ودوناغي، وباني الذي عوضه ستيوارت في الدقيقة 89 وماك لروي وماك كيري ووردينغتون وهاميلتون ووايت سايد الذي عوضه كلارك في الدقيقة 62، ودرّب الإيرلنديين المدرب بينغام.
وبدأ الخضر المباراة بسيطرة ولمحات فنية من رابح ماجر، لكن الإيرلنديين حصلوا في الدقيقة الخامسة على مخالفة على بعد 19 مترا، نفذها النجم الأول والأسطوري للإيرلنديين وايت سايد، فلمست الكرة مجادي وغالطت الهادي الذي لم يحرّك ساكنا، مع الإشارة إلى أن وايت سايد في مونديال إسبانيا عام 1982 سجل رقما قياسيا عالميا، كأصغر لاعب شارك في المونديال، كان حينها في سن 17 أي أقل من سن بيلي في مونديال السويد عام 1958، وهو الهدف الذي قتل الخضر وأخرجهم من المباراة، وبعد أن استرجعوا أنفاسهم، قدّم ماجر بشجاعة كل ما عنده، وكان الوحيد الذي بذل جهودا كبيرة، وفي الدقيقة 33 وصلت الكرة إلى ماجر وأراد تحويلها برأسه إلى شباك جينينغس، ولكنه ارتطم برأس أورنيل، وتم نقله فاقدا للوعي في حالة خطيرة إلى المستشفى وفقد الفريق أحسن لاعب في التشكيلة، وكان لخروج ماجر طعنة قاسية للخضر، وتمكنت إيرلندا الشمالية من الدفاع عن هدفها إلى غاية الدقيقة 58 عندما استفادت من مخالفة عن بعد 25 مترا من الحارس الإيرلندي، وفي لقطة غريبة بيّنت الفوضى التي تواجد فيها الفريق، وقف ثمانية لاعبين أمام المخالفة كلّ منهم أراد التنفيذ، فقذفها جمال زيدان بيسراه أرضية، فسجل على يسار الحارس هدف التعادل، ولم يتمكن بلومي المقحم بديلا في مكان زيدان من تغيير النتيجة بالرغم من فرصة واحدة سنحت له، لم تعط أية نتيجة، وفي الوقت الذي فاز البرازيل بصعوبة بهدفين مقابل واحد أمام إسبانيا، حافظت الجزائر على حظوظها وكان عليها تسجيل إنجاز تاريخي أمام المنتخب البرازيلي الكبير، الذي كان محروما في بداية المونديال من زيكو المصاب.
بلومي وعصاد أضاعا مباراة العمر
في قلب الامتحانات الجامعية والثانوية وحتى شهادة البكالوريا، في السادس من جوان 1986 شهد ملعب جاليسكو بغوادا لاخارا، حضور قرابة 42 ألف متفرج كلهم من أنصار المنتخب البرازيلي، ومنحت الفيفا قيادة المواجهة لحكم من غواتيمالا يدعى مينديز، وجد رابح سعدان نفسه في ورطة في اختيار اللاعبين المشاركين كأساسيين، حيث أراد 22 لاعبا مسافرا إلى المكسيك اللعب ضد البرازيل، ولكنه في الأخير استقر على التشكيلة التالية، وهي دريد، ومجادي، ومنصوري، وڤندوز، ومغارية، وقاسي السعيد، وبن مبروك، وبلومي الذي عوضه باللاعب زيدان في الدقيقة 79، وماجر، ومناد، وعصاد الذي عوضه التاج بن ساولة في الدقيقة 68. بينما لعب منتخب البرازيل الكبير الذي قاده المدرب الشهير تيلي سانتانا بتشكيلة نادرة من الحارس كارلوس وايدسون الذي أصيب وعوضه نجم روما فالكاو في الدقيقة الـ 11، وخوليو سيزار، وإيدندو، وبرانكو، وآليماو، وسوقراطس، وجينيور، وإلزو، وكاريكا، وكازاغراندي، الذي عوضه الهداف مولير في الدقيقة الـ60.
وقدّم المنتخب الجزائري مباراة أسطورية قد تكون الأحسن له في كأس العالم، وانتقل اللعب في بعض فترات المقابلة إلى لمحات استعراضية من رفقاء ماجر الذي قضى يومين في المستشفى، وعاد ليلعب مباراة العمر، وفي إحدى لمحات الإبداع في الشوط الأول لمس الجزائريون الكرة، وحرموا منها البرازيليين، لمدة قاربت الدقيقة، بتمريرات ساحرة بعضها بالعقب إلى أن وصلت الكرة إلى عصاد الذي أضاعها، ولم يشكل البرازيليون أي خطر، وهو ما طمّع اللاعبين في النتيجة خاصة في الشوط الثاني، حيث لم يطمع الخضر في خطف هدف من هجوم معاكس وإنما بحثوا عنه بالسيطرة الشاملة على المباراة، ففي الدقيقة 55 قام مناد، وكان الأصغر في صفوف الخضر في سن الـ 26 بفتحة على الجهة اليمنى خطفها بلومي الذي ارتمى بقدمه نحو الكرة، ولكن الحارس كارلوس أنقذ البرازيل من هدف محقق، ولم تمض سوى ثلاث دقائق حتى قاد الخضر هجوما منظما فوصلت الكرة إلى بلومي، الذي مرّرها بيسراه نحو صالح عصاد المنطلق الذي قذف عندما شاهد خروج كارلوس من شباكه، ودفع الكرة أرضية نحو الشباك، وأخرجها جينيور من خط المرمى، منقذا البرازيل من هزيمة حقيقية، وهي اللقطات التي زادت من جرأة لاعبي الخضر، الذين خرجوا من منطقتهم طالبين الفوز، وغير مقتنعين بالتعادل، فتحوّل الدفاع إلى شوارع صال وجال فيها سقراطس إلى غاية الدقيقة 66 عندما قادت البرازيل هجوما على الجهة اليمنى، ومن فتحة لم يتمكن ڤندوز من ردّها رغم سهولتها، إلا أن سوء تفاهم بين الحارس دريد وعبد الله مجادي سمح لكاريكا من هز الشباك ضد مجريات اللعب، وهو الهدف الذي أفقد لاعبي الخضر تركيزهم، ففقدوا السيطرة وكادت الفاتورة أن تكون أثقل للكبير البرازيلي، لولا براعة الحارس دريد الذي قدم مباراة كبيرة جعلت المدرب الشهير زغالو يقول للصحافيين، بأنه منذ زمن القط الأسود السوفياتي ياشين لم يصادف حارسا عملاقا مثل نصر الدين دريد، وبرز في تلك المباراة لاعبو البطولة الجزائرية على حساب اللاعبين المحترفين الذين لعبوا من أجل بروزهم دون بروز المجموعة، فقام محمد قاسي السعيد بمراوغة شيقة أمام الراحل سقراطس الذي سقط أرضا، كما قاد فوضيل مغارية هجوما أنيقا راوغ فيه ثلاثة لاعبين من نجوم البرازيل الذي كان حينها أحد أحسن منتخبات البرازيل في التاريخ، حيث كان المدرب تيلي سانتانا يعتمد على الاستعراض الكروي، الذي مكنه من سحق إيرلندا الشمالية بثلاثية نظيفة جعلته ينهي منافسة دور المجموعات بثلاثة انتصارات.
ليلة السقوط أمام إسبانيا
في مونديال المكسيك لم يكن التأهل في دور المجموعات متاحا لصاحبي المركزين الأول والثاني فقط، بل إن أحسن أربعة منتخبات من الستة صاحبة المركز الثالث، في كل مجموعة يمكنها التأهل أيضا، وتواصل العمل على هذا النظام إلى غاية مونديال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1994، لأجل ذلك كان يكفي أن تفوز البرازيل بأي نتيجة أمام إيرلندا وتتعادل الجزائر أمام إسبانيا بأي نتيجة لتحتل المركز الثالث، وتتأهل للدور الثاني، وهي مهمة بدت سهلة، ولم يكن اللاعبون بعد أدائهم الأسطوري أمام البرازيل يريدون نتيجة غير الفوز لضمان مركز ثاني خلف البرازيل، ولعبت المباراة في الـ 13 جوان 1986، بملعب التكنولوجيا في مدينة مونتيري أمام 21 ألف متفرج غالبيتهم من الإسبان الأقوياء، الذين سحقوا في الدور الثاني الدانمارك بخماسية مقابل واحد، وقاد المواجهة حكم ياباني كان خارج مجال المباراة، لأن التصوير البطيء أكد أن هدفي إسبانيا الثاني والثالث كانا من وضعية متسللة مؤكدة، ولعبت الجزائر بتشكيلة غريبة من دريد الذي عوضه العربي في الدقيقة 20، ومغارية، ومنصوري، وڤندوز، وقريشي، وقاسي السعيد، وماجر، وماروك، وحركوك، وبلومي، وزيدان الذي عوضه مناد في الدقيقة 59، بينما مثل المنتخب الإسباني التشكيلة التالية وهم من مشاهير الكرة الإسبانية، بداية من الحارس زيبيزاريتا، وتوماس، وكاماتشو، وفيكتور، وغويكوتشيا، وجاليغو، وبوتراغينيو الذي ترك مكانه لأولايا، مع بداية الشوط الثاني، ولوبيز، وكالدير، وساليناس، وميشال الذي عوضه سينور في الدقيقة الـ 84، ومرة أخرى حدث ما لم يكن في الحسبان في الدقيقة 16 بعد التصادم العنيف بين جزار الملاعب، كما تسميه الصحافة الإسبانية الباسكي غويغونشيا، والحارس دريد مكّن خلالها كالدير من هز الشباك، وتم حمل بعد ذلك دريد في نقالة بسبب كسور على مستوى الكتف، ليعوضه العربي، وفقد اللاعبون تركيزهم بسبب الحادث الخطير الذي تعرض له دريد، وأشار الجميع بأصابع الاتهام للجزار غويغوتشيا الذي ذاع صيته عندما تسبب في كسر خطير لمارادونا، لما كان يلعب لبرشلونة وهي الإصابة التي جعلت برشلونة تبيع مارادونا لنادي نابولي الإيطالي، وفي الشوط الثاني سيطر الخضر، وضاعت رأسية على بلومي، أنقذها بأعجوبة أسطورة إسبانيا زيبيزاريتا، ومرّت الدقائق، وبينما تنقل الجزائريون إلى الهجوم بحثا عن هدف التعادل المؤهل للدور الثاني، سجل البديل أولايا من هجوم معاكس هدفا من وضعية تسلل، ثم قتل المباراة من وضعية تسلل مفضوحة في الدقيقة 70 وجعل المدرب مينوز، يطمئن على النتيجة ويسيّرها بعد ذلك بطريقة استعراضية نسفت أحلام الجزائريين، الذين لعبوا أسوأ مباراة وسًجلت في مرماهم أسوأ نتيجة وأثقلها في تاريخ المباريات المونديالية.
من المتسبب في ضياع نقطة إسبانيا؟
أغرب ما في فريق 1986 أنه سافر إلى المكسيك من دون المدافع مرزقان الذي كان الأصغر في لقاء ألمانيا الشهير، وكان في زمن مونديال المكسيك دون سن السابعة والعشرين كما سقط اسم حسين ياحي صاحب الـ 26 سنة برغم مشاركته في مونديال إسبانيا في لقاء الشيلي، كما أن بن مبروك الذي لعب لقاء إيرلندا الشمالية والبرازيل كأساسي، ثار بسبب وضعه في الاحتياط، وتشابك بالأيدي مع بلومي وقال حينها إن بلومي، وصفه بالخائن، ورفض مجاني تحميله خسارة البرازيل وسحب البساط من تحت قدميه في لقاء إسبانيا، ولعب الخضر في أجواء مكهربة إلى درجة أن بعض اللاعبين الذين لم يشاركوا كأساسيين راحوا يشجعون منتخب إسبانيا وكلما سُجّل هدف في مرمى الخضر فرحوا، وبعد سنوات من تلك الدورة كشف المدرب رابح سعدان بأن أحد مسيري المنتخب الإسباني، الخائف من ثورة الخضر توجه إلى الفندق الذي تواجد فيه رفقاء ماجر واقترح على المسؤولين التفاهم على التعادل على طريقة النمسا أمام ألمانيا الغربية، على حساب إيرلندا الشمالية المعرضة للخسارة أمام البرازيل، ولكن اقتراحه بقي من دون رد، فخسر الجزائريون بسبب خطة تكتيكية غريبة في الدفاع بالخصوص وبسبب إصابة الحارس دريد، وهفوات الحكم الياباني، وأيضا بسبب تواجد كل لاعب في حاله من دون تركيز، وكما أضاع الجزائريون مونديال إسبانيا في الشوط الثاني من آخر مباراة ضد الشيلي أضاع مونديال المكسيك، وبطاقة التأهل للدور الثاني، في الشوط الثاني أمام إسبانيا في آخر مباراة لهم.