الخوف من استبداد الخوف
أخشى ما ينبغي أن نخشاه على البلد أن يتسلل الخوف من خبء الغد إلى قلوب المواطنين بعد أن بدأ يستبد بأذهان النخب، وليس التعديل الوزاري الأخير، والحركة في سلك الولاة، سوى أحد وجوه عملة الخوف، يرافقه تخشّب ذهني وعضلي في سلوك الحكومة وهي تقدّم رِجلا وتؤخر رِجلا في اتخاذ ما يلزم من الإجراءات الاستعجالية لوقف النزيف الحاصل.
وحده هذا التردّد يؤشر إلى تسلل مشاعر الخوف إلى رأس الدولة، حتى إنه لو كان الوزير الأول أراد أن يزرع الهلع في نفوس المواطنين لما كان وجد أفضل من الإعلان ـ كما فعل ـ عن ذوبان ما بقي من الاحتياطي (نحو 160 مليار دولار) في بحر 26 شهرا القادمة.
ثم يأتي التعديل الوزاري الثاني في أقل من شهرين ليضيف مزيدا من القلق والخوف عند المواطن، الذي يسمع جعجعة مستدامة في قصر الحكومة ولا يرى لها طحينا، ويرى كيف يُختار الوزراء والولاة وكبار أعوان الدولة كالعادة خارج أي معيار محكوم بالشفافية، كما تُحجب عنه أسباب العزل والإقالة والترحال، فيركن إلى “المتعوّدة” من القرّاء في الفنجان، يفسرون له الماء بالماء، ويتنافسون في تأويل ما يراه لنا كبيرُ القوم منذ 15 سنة.
وقد رأينا في ولايته وولايات سلفه ما رآه وبدا لهم، لكنا لم نر حتى الآن منه ومنهم سبيل الرشاد، مع أنها حاضرة متوفرة معلومة لو شاء لاهتدى إليها قبل أن يهدينا، وقد سمعناه بداية العهدة الأولى يقول: “كم لحنا في الرأس لكن أين هي الأرجل لترقص على أنغامها؟” ولعله لم يلتفت خلال ولايته الطويلة كم راقصا من النخبة حضر للرقص بين يديه في الحكومة وفي مختلف أسلاك الدولة، وكم من فرصة أتيحت له ليحمل المواطنين على الرقص المتناغم، وقد أنعم الله عليه بضِعف السبع السمان التي أعطيت لعزيز مصر، فامتلأت خزائن الدولة بأكثر من 200 مليار دولار، كان يفترض أن تموّل إقلاعا اقتصاديا واعدا، قبل أن يبدّدها إسراف الحكومة في برامج مرتجلة مفلسة لم تكن لتسمن البلد أو تغنيه من جوع.
ومع تفشي مشاعر التشاؤم والخوف بين النخب، وقريبا بين عامة الناس، فإن سبيل الرشاد ما زالت قائمة، شريطة أن يقتنع الرئيس أن رأس كل مواطن، مهما قلّ شأنه، يختزن لحنا أو أكثر، وأن أرجلنا مستعدة للرقص على لحن واحد يقع عليه الإجماع، ولو شاءت النخبة لرقصنا لهم ومعهم رقصة الدروايش حدّ الإغماء، شريطة أن يقنعنا قادة الجوق أن أحوال البلد ستتغير حتما نحو الأحسن، أو أنه لن يعود في الحد الأدنى إلى التسول مجددا عند باب صندوق النقد الدولي، لأن هذا ما يُفهم من تقديرات الوزير الأول المرعِبة، وقد جعل لنا موعدا لن نخلفه نحن ولا هو مكانا سوى عند باب الصندوق نهاية 2017 بعد أن نكون قد أكلنا في آخر أيامها آخر سنبلة من مخزون السنوات السمان، ودخلنا محنة السبع العِجاف، أو ذهبنا مباشرة إلى عَام “فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ”.