الرأي

الخوف من استبداد الخوف

حبيب راشدين
  • 1538
  • 0

أخشى ما‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نخشاه على البلد أن‮ ‬يتسلل الخوف من خبء الغد إلى قلوب المواطنين بعد أن بدأ‮ ‬يستبد بأذهان النخب،‮ ‬وليس التعديل الوزاري‮ ‬الأخير،‮ ‬والحركة في‮ ‬سلك الولاة،‮ ‬سوى أحد وجوه عملة الخوف،‮ ‬يرافقه تخشّب ذهني‮ ‬وعضلي‮ ‬في‮ ‬سلوك الحكومة وهي‮ ‬تقدّم رِجلا وتؤخر رِجلا في‮ ‬اتخاذ ما‮ ‬يلزم من الإجراءات الاستعجالية لوقف النزيف الحاصل‮.‬

وحده هذا التردّد‮ ‬يؤشر إلى تسلل مشاعر الخوف إلى رأس الدولة،‮ ‬حتى إنه لو كان الوزير الأول أراد أن‮ ‬يزرع الهلع في‮ ‬نفوس المواطنين لما كان وجد أفضل من الإعلان ـ كما فعل ـ عن ذوبان ما بقي‮ ‬من الاحتياطي‮ (‬نحو‮ ‬160‮ ‬مليار دولار‮) ‬في‮ ‬بحر‮ ‬26‮ ‬شهرا القادمة‮.‬

ثم‮ ‬يأتي‮ ‬التعديل الوزاري‮ ‬الثاني‮ ‬في‮ ‬أقل من شهرين ليضيف مزيدا من القلق والخوف عند المواطن،‮ ‬الذي‮ ‬يسمع جعجعة مستدامة في‮ ‬قصر الحكومة ولا‮ ‬يرى لها طحينا،‮ ‬ويرى كيف‮ ‬يُختار الوزراء والولاة وكبار أعوان الدولة كالعادة خارج أي‮ ‬معيار محكوم بالشفافية،‮ ‬كما تُحجب عنه أسباب العزل والإقالة والترحال،‮ ‬فيركن إلى‮ “‬المتعوّدة‮” ‬من القرّاء في‮ ‬الفنجان،‮ ‬يفسرون له الماء بالماء،‮ ‬ويتنافسون في‮ ‬تأويل ما‮ ‬يراه لنا كبيرُ‮ ‬القوم منذ‮ ‬15‮ ‬سنة‮.‬

وقد رأينا في‮ ‬ولايته وولايات سلفه ما رآه وبدا لهم،‮ ‬لكنا لم نر حتى الآن منه ومنهم سبيل الرشاد،‮ ‬مع أنها حاضرة متوفرة معلومة لو شاء لاهتدى إليها قبل أن‮ ‬يهدينا،‮ ‬وقد سمعناه بداية العهدة الأولى‮ ‬يقول‮: “‬كم لحنا في‮ ‬الرأس لكن أين هي‮ ‬الأرجل لترقص على أنغامها؟‮” ‬ولعله لم‮ ‬يلتفت خلال ولايته الطويلة كم راقصا من النخبة حضر للرقص بين‮ ‬يديه في‮ ‬الحكومة وفي‮ ‬مختلف أسلاك الدولة،‮ ‬وكم من فرصة أتيحت له ليحمل المواطنين على الرقص المتناغم،‮ ‬وقد أنعم الله عليه بضِعف السبع السمان التي‮ ‬أعطيت لعزيز مصر،‮ ‬فامتلأت خزائن الدولة بأكثر من‮ ‬200‮ ‬مليار دولار،‮ ‬كان‮ ‬يفترض أن تموّل إقلاعا اقتصاديا واعدا،‮ ‬قبل أن‮ ‬يبدّدها إسراف الحكومة في‮ ‬برامج مرتجلة مفلسة لم تكن لتسمن البلد أو تغنيه من جوع‮.‬

ومع تفشي‮ ‬مشاعر التشاؤم والخوف بين النخب،‮ ‬وقريبا بين عامة الناس،‮ ‬فإن سبيل الرشاد ما زالت قائمة،‮ ‬شريطة أن‮ ‬يقتنع الرئيس أن رأس كل مواطن،‮ ‬مهما قلّ‮ ‬شأنه،‮ ‬يختزن لحنا أو أكثر،‮ ‬وأن أرجلنا مستعدة للرقص على لحن واحد‮ ‬يقع عليه الإجماع،‮ ‬ولو شاءت النخبة لرقصنا لهم ومعهم رقصة الدروايش حدّ‮ ‬الإغماء،‮ ‬شريطة أن‮ ‬يقنعنا قادة الجوق أن أحوال البلد ستتغير حتما نحو الأحسن،‮ ‬أو أنه لن‮ ‬يعود في‮ ‬الحد الأدنى إلى التسول مجددا عند باب صندوق النقد الدولي،‮ ‬لأن هذا ما‮ ‬يُفهم من تقديرات الوزير الأول المرعِبة،‮ ‬وقد جعل لنا موعدا لن نخلفه نحن ولا هو مكانا سوى عند باب الصندوق نهاية‮ ‬2017‮ ‬بعد أن نكون قد أكلنا في‮ ‬آخر أيامها آخر سنبلة من مخزون السنوات السمان،‮ ‬ودخلنا محنة السبع العِجاف،‮ ‬أو ذهبنا مباشرة إلى عَام‮ “‬فِيهِ‮ ‬يُغَاثُ‮ ‬النَّاسُ‮ ‬وَفِيهِ‮ ‬يَعْصِرُونَ‮”.‬

مقالات ذات صلة