الخوف من النكسة.. خاليلوزيتش والربيع العربي تكرّس القطيعة بين الخضر ومشجعيهم
لم تبد الجماهير الرياضية سوى قليل من الاهتمام بمشاركة المنتخب الوطني في مونديال البرازيل الذي لم يعد يفصلنا عنه سوى أسبوعين فقط، فلا رايات عملاقة معلقة في شوارع مختلف ولايات الوطن ولا أغاني خاصة بالخضر تتداول في السوق ولا حديث عن هذا الموعد أصلا..
ظاهرة “العزوف” عن الاحتفال والاهتمام بمشاركة المنتخب الوطني في المونديال التي تبدو غريبة عن تقاليدنا الكروية، تطرح حقا العديد من علامات الاستفهام، لا سيما وأن الجمهور الجزائري معروف بشغفه بكرة القدم.
خلال جولة استطلاعية قادتنا إلى مختلف شوارع العاصمة في محاولة منا لجس نبض الشارع ومعرفة الأسباب الحقيقية التي أفرزت هذه الظاهرة، لم نلمح حقا أي شيء يوحي بأن المنتخب الوطني مقبل على المشاركة في منافسة عالمية بحجم كأس العالم، على عكس ما كان عليه الحال في مونديال 2010 الذي ميزته أجواء احتفالية وحماسية منقطعة النظير قبل انطلاقته بأسابيع وشهور عدة. ولمعرفة الأسباب تقربنا من بعض المواطنين وطرحنا عليهم سؤالا يخص هذه القضية لعل وعسى نجد الإجابة الشافية. والبداية كانت مع صاحب محل عطور ومواد التجميل، مريبعي طارق، الذي كان متشائما إلى أبعد الحدود، كونه أرجع ذلك إلى نقص ثقة الأنصار في تشكيلة خاليلوزيتش، قائلا: “ما الجدوى من الاحتفال والخروج إلى الشوارع مسبقا، ونحن نعلم أن المنتخب الوطني سيخرج بنسبة كبيرة من الدور الأول بخفي حنين كما جرت عليه العادة، لقد أقمنا الدنيا ولم نقعدها في 2010 بعد تأهلنا على حساب مصر، لكن في آخر المطاف فشل المنتخب في تسجيل هدف واحد وأصبنا بإحباط شديد”. أما رباعي جمال (عامل بشركة عمومية) الذي التقيناه وهو يتأهب لدخول أحد محالّ الأكل السريع بساحة أول ماي، فقد ربط ظاهرة العزوف بأمور سياسية، قائلا: “لا تنسوا أن الشعب الجزائري كان منشغلا بالانتخابات الرئاسية التي جرت في الشهر المنصرم فقط، أظن أن تخوفه من وصول مد الربيع العربي إلى الجزائر وجريه وراء لقمة العيش التي باتت صعبة، إلى جانب العديد من المشاكل الاجتماعية الأخرى التي يتخبط فيها على غرار مشكل السكن، جعلته ينسى الكرة المستديرة ومشاركة المنتخب في مونديال البرازيل”. وعلى عكس جمال، فإن توفيق زيوش (سائق طاكسي) حمل مسؤولي “الفاف” والمدرب وحيد خاليلوزيتش سبب نفور الجماهير من متابعة المنتخب وأخباره، دون أن يستثني اللاعبين أيضا، قائلا: “كيف للجماهير أن تبقى قريبة من المنتخب وتقيم الأفراح وكل شيء مغلق في وجهها، قرأت في بعض الصحف خبر رفض بعض اللاعبين أخذ صور تذكارية مع الأنصار بعد التأهل للدور الفاصل إثر فوزنا على رواندا، رغم قطع هؤلاء المشجعين آلاف الكيلومترات من الجزائر إلى كيغالي من أجلهم إلا أن أشبال خاليلوزيتش استكثروا فيهم صورة تذكارية، هذا أمر غير معقول”، مضيفا: “حتى تدريبات “الخضر” تجرى من دون حضور الجماهير، وهذا كله بسبب المدرب خاليلوزيتش ومسؤولي الاتحادية.. أنا أحب المنتخب الوطني وقلبي يخفق له وأتمنى أن يحقق نتائج طيبة ولم لا التأهل للدور الثاني، لكن لا يمكنني أن أخرج للاحتفال والتهليل مسبقا للاعبين لا يكنون أدنى احترام لمشجعيهم”. أما سمير بوزيدي، صاحب محل لبيع الألبسة ببراقي، فقد أكد أنه لا مجال للمقارنة بين 2010 و2014 كون “التأهل لكأس العالم 2010 جاء بعد 24 سنة من الغياب وفي ظروف جد خاصة بعد إزاحتنا منتخب مصر، الأمر الذي جعل طريقة الاحتفال تكون بهيجة وتمتد إلى أشهر طويلة، حتى إن طموح الجماهير والمنتخب في حد ذاته كان يتمثل في بلوغ المونديال فقط، أما الآن فأظن أن أحلام الجماهير كبرت وفي حالة تمكن المنتخب من التأهل للدور الثاني فأنا متأكد أن الاحتفالات ستكون كبيرة والجميع سينسى 2010”.
إعلاميون رياضيون يتفقون حول أسباب القطيعة بين الجمهور والمنتخب الوطني:
لا مجال للمقارنة بين تأهل المنتخب الوطني للمونديال في 2010 وتأهله في 2014
يتفق إعلاميون جزائريون متخصصون بأن عوامل عديدة كانت وراء تراجع اهتمام الجمهور الرياضي الجزائري بالمنتخب الوطني بعد تأهله لمونديال البرازيل 2014، مقارنة بالأجواء التي صنعها تأهل رفقاء زياني وعنتر يحيى للمونديال سنة 2010، منتقدين الحصار الإعلامي غير المبرر، المفروض حول اللاعبين من طرف المدرب خاليلوزيتش، والذي ساهم في توسيع الهوة بين المنتخب الوطني وأنصاره.
المدرب الأسبق للمنتخب الوطني عبد الحميد زوبا..
سياسية خاليلوزتش سبب عزوف المناصرين عن الخضر والمونديال
يرى عبد الحميد زوبا، مدرب المنتخب الوطني الأسبق، بأن مدرب المنتخب، وحيد خاليلوزيتش، يتحمل جزءا من المسؤولية في عدم اهتمام الجمهور الجزائري بكأس العالم المقبلة في البرازيل.
وقال زوبا، في حديث مع “الشروق” ،الاحد،، إن التقني البوسني أغلق كل الأبواب في وجه المناصرين: “في وقت سابق كان الأنصار يتنقلون إلى المطار لاستقبال اللاعبين لأخذ صور تذكارية. عندما يشعر المناصر بأنه قريب من المنتخب الوطني فإنه يتابع باهتمام كل مبارياته وكل ما له علاقة بالمنافسات”. وحسب محدثنا، فإن غلق التدريبات أيضا في وجه الأنصار ساهم في القطيعة حاليا، مشيرا إلى أن الصلاحيات الكبيرة التي بحوزة المدرب خاليلوزيتش هي السبب: “لا بد من تدخل رئيس الفاف، محمد روراوة، لتعود المياه إلى مجاريها، فهو من أعطى مدرب الخضر صلاحيات إضافية”. وصرح لاعب فريق جبهة التحرير الوطني، بأن بوسع خاليلوزيتش تدارك الأمور، من خلال فتح حصة تدريبية للأنصار ويسمح لهم بالاقتراب من اللاعبين: “لو يعلن مدرب الخضر عن برمجة حصة تدريبية مفتوحة للأنصار فإن كل شيء سيعود إلى ما كان عليه سابقا، وأنصار المنتخب حاليا يدركون بأنه يستحيل عليهم الاقتراب من اللاعبين، وهو ما يدفعهم إلى عدم الاهتمام كثيرا بالمشاركة في كأس العالم”.
ومن جهة أخرى قال زوبا، إن خاليلوزيتش، يقوم بعمل كبير: “النتائج التي حققها المدرب البوسني مع المنتخب طيبة، ولكن يجب أن لا تتعدى صلاحياته إطار عمله، لأنه توجد جهات في الاتحادية معنية بالجانب التنظيمي”.
المدرب عبد الرحمان مهداي لـ “الشروق”:
شح المعلومات وغلق الأبواب في وجه الأنصار سبب القطيعة
قال مدرب المنتخب الوطني الأسبق، عبد الرحمان مهداوي، إن تراجع الأنصار عن تتبع أخبار الخضر والاهتمام بكأس العالم المقبلة راجع إلى عدة أسباب أهمهما نقص الاتصال بين اللاعبين الجمهور.
وصرح مهداوي لـ “الشروق”، بأنه في وقت سابق كانت التدريبات تجري في عدة ملاعب منها مصطفى تشاكر، وكان يسمح من حين إلى آخر بدخول الجمهور: “وبالتالي، فإن العلاقة بين المنتخب ومناصريه كانت وطيدة، والاهتمام كان كبيرا من قبل الشارع الجزائري”. وأضاف: “حاليا التدريبات تجري في مكان مغلق بعيدا عن أعين المناصرين، وأعتقد بأن هذا من بين أسباب العزوف الكبير للجماهير عن تتبع أخبار التشكيلة الوطنية المقبلة على المشاركة في المونديال القادم”. ويعتقد مهداوي أيضا بأن الشح في المعلومات لدى وسائل الإعلام حول المنتخب الوطني، ساهم في عدم وجود أجواء مماثلة عن التي عاشتها الجزائر في المشاركة السابقة بمونديال جنوب إفريقيا: “عندما تتحدث وسائل الإعلام بإسهاب عن الخضر، وتنشر أخبارا كثيرة عن التشكيلة الحالية وكل ما يتعلق بمشاركتها في المونديال، يؤثر هذا نوعا ما في مدى تتبع اهتمام الجمهور للخضر”.
يزيد وهيب (صحفي بيومية الوطن)
نشوة تأهل الخضر لمونديال 2010 كانت أكبر لأنها جاءت بعد 24 سنة من الغياب
أكد الصحفي يزيد وهيب، رئيس القسم الرياضي بيومية الوطن، بأن تراجع اهتمام الجمهور الرياضي الجزائري بتأهل المنتخب الوطني لمونديال 2014 بالبرازيل مقارنة بالأجواء التي عرفتها الجزائر بمناسبة مونديال 2010 هو مجرد شعور فقط، واصفا النشوة الكبيرة التي صاحبت تأهل المنتخب الوطني لمونديال جنوب إفريقيا بالطبيعية اعتبارا أنه جاء بعد غياب الجزائر عن نهائيات كأس العالم لمدة 24 سنة كاملة.
وحسب يزيد وهيب، فإن تأهل الخضر في 2010 للمونديال كان أصعب مقارنة بتأهله لمونديال البرازيل الذي كان أسهل بكثير، مذكرا بالصعوبات الكبيرة التي واجهها رفقاء زياني خلال تصفيات مونديال جنوب إفريقيا، وما حدث قبل وبعد المباراة الفاصلة التي جمعته بالمنتخب المصري بأم درمان، وهي التي كانت وراء الأجواء المميزة التي عرفتها الجزائر بعد التأهل للمونديال.
في نفس السياق، يرى يزيد وهيب بأن الاختلاف الموجود حاليا على مستوى اهتمامات الأنصار مقارنة بـ 2010 أن الجمهور الجزائري أصبح يطالب المنتخب الوطني بضرورة التأهل للدور الثاني وعدم الاقتصار على مجرد المشاركة في المونديال: “أظن أن اهتمام الجمهور بالمنتخب الوطني لم يتراجع وما يزال موجودا لأنه يشعر فقط بالارتياح، لكنه أصبح يرى التأهل للمونديال أمرا عاديا جدا ومطالبه ارتفعت وهي التأهل للدور الثاني”.
عدلان حميدشي (مدير تحرير الخبر الرياضي)
اللاعبون الحاليون يفتقدون الروح التي كانت موجودة في منتخب 2010
يرى الصحفي عدلان حميدشي، مدير تحرير جريدة الخبر الرياضي، بأن سبب تراجع اهتمام الجمهور الرياضي الجزائري بالمنتخب الوطني رغم اقتطاعه تأشيرة التأهل للمونديال البرازيلي، مقارنة بالاهتمام الكبير الذي كان قد حظي به منتخب 2010 بعد تأهله لمونديال جنوب إفريقيا إلى عدة عوامل وأسباب، أولها طريقة تأهله للمونديال وخاصة على حساب “فريق القرن”، المنتخب المصري، الذي كان يعتبر أقوى منتخب على المستوى القاري. وبالتالي المرشح الأول للتأهل للمونديال على حساب المنتخب الوطني الذي خالف كل التوقعات.
وقال حميدشي: “أحد أهم أسباب القطيعة التي أصبحت تميّز علاقة الجمهور الرياضي الجزائري بمنتخبه هو افتقار الجيل الجديد من اللاعبين إلى الروح المعنوية التي كانت موجودة لدى منتخب 2010، بالإضافة إلى ابتعادهم الدائم عن الشارع الجزائري على عكس رفقاء كريم زياني وعنتر يحيى الذين كانوا يتواصلون دائما مع الجمهور الرياضي، من خلال قضاء عطلهم هنا في الجزائر، إلى جانب احتكاك اللاعبين المتواصل وفي كل مناسبة بالمناصرين”. وتابع: “هذه نقطة سلبية تحسب على المدرب الحالي وحيد خليلوزيتش والاتحادية”، معتبرا بأن عدم اهتمام الجزائريين بمنتخبهم يرجع أيضا إلى سياسة عزل اللاعبين عن العالم الخارجي: “أظن أن السياسة لإعلامية المنتهجة من طرف الاتحادية خاطئة وضاعفت من توسع الهوة بين الجمهور واللاعبين”، مضيفا بأن أغلبية اللاعبين ينشطون في أوروبا وعندما يحضرون إلى الجزائر فإنهم يرفضون التصريح للصحافة ويتوجهون مباشرة من المطار إلى “ثكنة” سيدي موسى. إلى ذلك، يقول حميدشي بأن المنتخب الحالي فريق بدون هوية وأغلبية اللاعبين الحاليين يفتقدون الروح الوطنية التي تشبّع بها لاعبو منتخب 2010 على يد الطاقم الفني السابق بقيادة الشيخ رابح سعدان، الذي كان وراء فكرة عرض فيلم “معركة الجزائر” في المونديال لتحفيز لاعبيه من الناحية النفسية والمعنوية، موضحا: “كلامي لا يعني أن المنتخب ليس وطنيا ولكنه بدون روح وطنية”.
محمد ساعد، مدير تحرير “الهداف” و”لوبيتور”:
تأهل 2010 أجمل من 2014 وسيناريو مصر لن يتكرر
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة إلى زميلنا محمد ساعد، مدير تحرير جريدتي “الهداف ولوبيتور”، الذي يعتبر بأن تراجع اهتمام الجمهور الجزائري بتأهل المنتخب الوطني هذه المرة إلى المونديال جد عادي مقارنة بما عاشته الجزائر بعد تحقيق التأهل لمونديال 2010 والذي جاء بعد 24 سنة بعد آخر مونديال شاركت فيه الجزائر: “أظن أنه من الطبيعي أن يكون الأمر مختلفا ما بين التأهلين الأول والثاني للمونديال.. تأهل 2010 كان أجمل لأنه لا أحد كان ينتظره في وقت كانت الجزائر مرشحة لتحقيق التأهل في 2014 “. وأكد محدثنا بأن سيناريو المباراة الفاصلة بين الجزائر ومصر وما صاحبها من أحداث على غرار التنافس الشديد بين المنتخبين على اقتطاع تأشيرة التأهل للمونديال ثم الاعتداء على حافلة الخضر وهجوم الإعلام المصري الكبير على الجزائر كان وراء منح التأهل أبعادا أخرى، في حين كان تأهل الخضر لمونديال 2014 بالبرازيل هادئا إلى درجة كبيرة. من جهة أخرى، يؤكد ساعد بأن الحصار المفروض على المنتخب الوطني واللاعبين من طرف الفاف ساهم بدوره في تراجع اهتمام الجماهير بمنتخبها، اعتبارا أن الصحافة هي همزة الوصل التي تربط اللاعبين بالجمهور الذي كان مطلعا في 2010 على كل شيء يخص المنتخب الوطني واللاعبين.