-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الخيانة ليست بطولة

محمد بوالروايح
  • 2458
  • 0
الخيانة ليست بطولة

يحاول بعض المغمورين والمغرورين أن يرفع خسيسته بإثارة القلاقل والبلابل حول وطنه، وتصويره على أنه مكانٌ لتكميم الأفواه وقمع الحريات من أجل تأليب الرأي العامّ الدولي وكسب تعاطفه لتمرير مشاريع انفصالية، يندد أصحابها بما يسمونه “الدكتاتورية” ويعزفون على وتر الوطنية وهم أبعد ما يكونون عنها؛ فالوطنية لا تولد في قلوب الخائنين وإنما تولد في قلوب الوطنيين الذين ينظرون إلى الوطن على أنه حاضن أمانيهم ومصدر أمنهم وعنوان انتمائهم وسر قوتهم في مواجهة كل متربص يروم سلخهم عن هويتهم وفصلهم عن وطنهم.

كثُر في هذا الزمان الخرّاسون والمتسلّقون والمتزلّفون، الباحثون عن الأضواء والمتاجرون بالوطنية في سوق النخاسة الذي ترعاه الصهيونية العالمية التي تعمل على زعزعة استقرار الدول تحت غطاء حق الشعوب في اختيار من يحكمها، والحقيقة أن كل هذه الشعارات البراقة ليست إلا طعما لاصطياد الباحثين عن الشهرة والراكبين لأي موجة تحقق مرادهم وتروي عطشهم إلى السلطة بأي ثمن ولو على حساب وحدة الوطن. ويبدو أن بعض المغرر بهم قد انطلت عليهم ألاعيب الصهيونية العالمية فوقعوا في شراكها وأصبحوا بيادق تحرّكهم يمنة ويسرة وتتخلى عنهم إذا شاءت في ساعة العسرة.

فرحات مهني واحدٌ من الذين وقعوا في شباك الصهيونية العالمية، فقد خضع لهم بكلِّه وكلكله ومجَّد “إسرائيل” طمعا في نيل رضاها والاحتماء والاستقواء بها ضد وطنه الذي يصفه بأبشع الأوصاف ويتهمه بالإجحاف ويصف الكيان المصطنع بأنه “نموذج للديمقراطية والعدالة” التي لا يراها المنصفون، ولا نراها إلا ديمقراطية بيع الأوهام وتخدير العوامّ وعدالة بيع صكوك الغفران لمن دخل بيت الطاعة ورضي أن يكون بوقا من أبواق الصهيونية، يسبِّح بحمدها ويسبَحُ في تيارها.

في سنة 2012، زار فرحات مهني “دولة” الكيان التي أقيمت على أنقاض الوطن الفلسطيني المسلوب، وعقد مع قادة جماعة “المغضوب عليهم” لقاءات سرية لا نعلم فحواها ولكننا نعلم من بعض التسريبات أنها تتعلق بدعم المشروع الانفصالي الذي يقوده مهني، نكاية بالجزائر وأهلها الذين يمثلون شوكة في حلق الكيان ومن يسانده من مرتزقة هذا الزمان.

يخرج مهني الذي يصف نفسه بـ”الإنساني”، في مسيرة مؤيدة لـ”إسرائيل” ومنددة بما سماه “العنف الفلسطيني” الذي يروم التشويش على “إسرائيل” وعلى “مشروعها الديمقراطي في الشرق الأوسط”! ولا  يخجل مهني من رفع العلم الصهيوني الذي تخفي تلافيفه وزرقته الكاذبة سنوات من الإجرام في حق الفلسطينيين العزل الذين أخرِجوا من ديارهم وأموالهم، ونكل بهم بأبشع ما يكون التنكيل في كيان يتغنى بالإنسانية اسمه “إسرائيل”.

إن دعم الكيان الصهيوني الغاصب موقفٌ نشاز من فرحات مهني لا يشاطره فيه أي إنسان محب للحرية وعارف بالتاريخ الدموي لهذا الكيان الذي حارب كل ما يرمز إلى الإنسان وإلى الأديان وأقام على جسر من الدماء والأشلاء دويلة مصطنعة، لا تحترم شرائع الله ولا قوانين البشر، وتعيث في الأرض فسادا، ولا تعترف بجنس آخر غير الجنس اليهودي الذي يصفه التلمود بأنه شعب الله المختار الذي يملك وحده الحق في الوجود من دون العالمين وسائر “الغوييم” الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار، فكلما نفق منهم حمارٌ ركبوا حمارا آخر.

لقد رحل الغزاة وبقيت الجزائر قائمة صامدة، تحاكي في صمودها أرقى الحضارات، فهل يعزُّ على الجزائر التي قهرت أعتى القوى الاستعمارية وحافظت على سيادة أرضها ووحدة شعبها أن تسكت وتبكت مهني الذي يريد إقامة دولة لا وجود لها إلا في مخياله؟ فرهانه على القبائل رهان خاسر لأن القبائل جزء لا يتجزأ من الجزائر وهي أرض جزائرية كانت وستبقى.

لا أظن أن هناك قبائليا واحدا يرضى أن يكون أداة في يد بني صهيون أو بوقا من أبواقهم، فالإنسان القبائلي الأمازيغي سليل الإنسان الحر لا يزال متمسكا بمبادئ الإباء التي ترى الخضوع للمحتل من مفاسد البطولة ونواقض الرجولة وخاصة حينما يكون هذا المحتل من الصنف الذي لا يحترم شريعة ولا يألُ في إنسان إلًّا ولا ذمة. إن حال مهني كحال الطير الشارد الذي يغرّد خارج السرب، وإن إشادته بالكيان لا تزيده إلا مقتا وبعدا ورفضا من قبل المحبين للحرية والمبغضين للكيان الذي تخلى عنه أكبر داعميه وكشفت آخر أقنعته في حرب الإبادة الشاملة التي يشنها على القطاع والضفة وأجزاء من لبنان وسوريا.

إن الخيانة ليست بطولة بل وصمة عار في جبين من يتعاطاها، والتاريخ يحدثنا عن المصير المشؤوم الذي لقيه الخائنون لأوطانهم، بعد أن تخلى عنهم مموّلوهم ومؤيّدوهم وأسلموهم فماتوا كما يموت البعير غير مأسوف عليهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. هل يجد فرحات مهني فيمن سبقوه إلى الخيانة والعمالة ذِكرا حسنا بين مواطنيهم وأحرار العالم؟ وهل يريد مهني أن يقتدي بهم ويسير سيرتهم فينقلب إلى ما انقلبوا إليه “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”؟.

إن الخيانة ليست بطولة، ليت مهني يفقه هذا فيتوب عن خطيئته ويتخلى عن مشاريعه الانفصالية التي لن يحققها حتى ولو ولج الجمل في سَمِّ الخياط لأن “الثقافة” الانفصالية ثقافة منبوذة مقبورة وهي من مخلّفات القرون الخالية ولا مكان لها في مجتمعات وطنية يتوق أهلها إلى العيش معا في أحضان الوطن وفي مجتمعات إنسانية، تتوق إلى التفاهم والعيش المشترك. إن الدعوات الانفصالية نغمة نشاز لم تعد تستهوي إلا الخائنين الذين مردوا على خيانة أوطانهم ومبادئهم، فعلى فرحات مهني أن يتخلى عن أفكاره الانفصالية التي لم يعد لها رواج في المجتمع الراهن وأن يبادر بفك الارتباط مع الكيان الذي يغريه بوطنه ليس لسواد عينيه بل للثأر من وطن ظل وفيا لمبادئه في نصرة القضية الفلسطينية في زمن شراء الذمم وبناء الولاءات والتحالفات لإضعاف التيار المساند لفلسطين وتقوية شوكة الموالين لبني صهيون.

إن الخيانة ليست بطولة وإن عواقبها وخيمة، أليس في النهاية المأساوية التي انتهى إليها الخائنون في كل زمان ومكان عبرة لمن يقتدي بهم؟ إن الخائن إنسان مهزوم النفس قصير النَّفَس، لا يصمد ولا يثبت بل ينهار عند كل صيحة، فحاله أشبه بحال المتشبث بالغثاء الذي سرعان ما يجرفه التيار،  فهل يعي مهني هذا الدرس أم يؤثر التمادي في عمله الانفصالي فيصيبه ما أصاب من سبقوه ممن تنكروا لأوطانهم واستهوتهم الخيانة حتى أوردتهم المهالك وسقتهم من كأس الذل والهوان بعد أن كانوا أسيادا في قومهم يشار إليهم بالبنان؟.

إن الجزائر القارة لا يخيفها شغب المشاغبين ولا كيد الخائنين، ولا  تخيفها تحركات مهني، فلا الوندال ولا الرومان ولا الاستعمار الفرنسي، استطاعوا أن يقتطعوا شبرا من أرضها أو يدجِّنوا أهلها، لقد رحل الغزاة وبقيت الجزائر قائمة صامدة، تحاكي في صمودها أرقى الحضارات، فهل يعزُّ على الجزائر التي قهرت أعتى القوى الاستعمارية وحافظت على سيادة أرضها ووحدة شعبها أن تسكت وتبكت مهني الذي يريد إقامة دولة لا وجود لها إلا في مخياله؟ فرهانه على القبائل رهان خاسر لأن القبائل جزء لا يتجزأ من الجزائر وهي أرض جزائرية كانت وستبقى، فالدماء الزكية التي سقتها لن تذهب سدى ولن تجعلها لقمة سائغة في يد مهني وغيره. إن غيرة سكان القبائل على الجزائر الواحدة الموحدة هي أفضل رد على من يتجهزون ويستعدون لإعلان الانفصال في الرابع عشر من ديسمبر 2025. سيمرُّ هذا اليوم كسابقيه وسيتحوَّل إلى لعنة لخائني وطنهم ولشانئيه، ستنتصر ثقافة الوحدة على فوضى الانفصال وستظل شمس الوحدة مشرقة في جزائرنا التي نحبها حتى النخاع وندافع عنها ضد الرعاع الذين يستهدفون أمنها ووحدتها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!