الجزائر
مقرّبون يروون لـ "الشروق" حياة الزعيم "الإنسان"

“الدا الحسين”.. يعود إلى أمه بعين الحمّام

الشروق أونلاين
  • 16074
  • 0
ح.م
المرحوم حسين آيت أحمد

لم تكن حياة ولا طفولة الحسين آيت أحمد مثل تلك التي عاشها أقرانه، إذ أبعدته الدراسة عن حضن والدته بعدما حوّله والده إلى مدرسة عين الحمام لإكمال تعلميه لدى أخواله، بآث أملال، وهو لا يتعدى العاشرة من العمر. وبعدها انتقل إلى مدينة تيزي وزو والعاصمة من أجل الدراسة دائما، أين حصل على الباكالوريا سنة 1946.

 حيث بدأ “الدا الحسين” نشاطه النضالي بشكل رسمي بعد أحداث 8 ماي 1945. وطيلة مشواره الدراسي، كانت زياراته قليلة إلى المنزل العائلي.. فالدراسة والسياسة خلال الفترة الاستعمارية والمنفى الإجباري وبعده الاختياري، جعله محروما من والدته، ليقرر قبل الرحيل أن يوارى الثرى برفقتها بمشاركتها نفس القبر الذي ترقد فيه منذ 32سنة.

وعن علاقته بوالده، أكد ابن عمه، “خيضر آيت أحمد”، أنها كانت “فاترة”، بحكم منصب “القائد” الذي تولاه والده بمنطقة آث واسيف، حيث كان يرفض الراحل أن يتأمّر والده على الناس لكونه مثلهم وواحدا منهم، كما عارض والده وبشدة ميولاته السياسية منذ البداية، حتى إن “دا لحسين” هدد بعدم العودة إلى المنزل العائلي إن استمر والده في معارضة نضاله، إلا أن عمه “محند جعفر آيت أحمد” كان سنده وقبر أسراره الثورية والسياسية    .

 وحسب من عايشوا أجداده وعرفوه عن قرب، فإن “آيت أحمد” كان الشبيه الأكثر في الأحفاد بالولي الصالح “الشيخ محند اولحسين” من حيث عمق الفكر وبعد البصيرة، والروح الوطنية، وقدسية الشعب والحرية، إذ كان كبار السن حينها يرون فيه روح جده    .

علاقته ببقية أفراد العائلة كانت عادية، وقد تخلف عن الكثير من المناسبات العائلية من أفراح وأقراح، بحكم المنفى الذي عاش فيه أكثر سنوات عمره ونضاله السياسي والديمقراطي الذي كانت له حصة الأسد من حياته منذ الصغر    .

عائلته الصغيرة كانت محور حياته، بداية من زوجته ورفيقة دربه، التي لازمته في جميع مراحل حياته ونضاله، كما حرص على تلقي أبنائه الثلاثة “بشرى وصلاح الدين ويوغرطة” الدراسات العليا. ويشير أقاربه إلى أنه كان بسيطا في حياته وتعامله مع أطفاله  .

 

موقف يوغرطة أخلط أوراق “الماك” وأفسد خطتهم

الانفصالي فرحات مهني وراء إشاعة دفن آيت أحمد بالمغرب!

أكدت مصادر متطابقة أن زعيم ما يسمى “الماك”، الانفصالي فرحات مهني، هو الذي قام بتسويق خبر دفن الراحل حسين آيت أحمد بالمغرب بدلا من الجزائر، بحجة أن المرحوم يقود أقدم حزب في المعارضة.

كما علمت “الشروق” من مصادر محلية أن مصالح الأمن قامت أمس بتوقيف “ب. آيت شبيب”، زعيم حركة “الماك” الانفصالية وهذا بمنطقة بوخالفة بضواحي تيزي وزو، حيث تعرضت مركبته إلى عملية تفتيش دقيقة من قبل أفراد الشرطة. وكان ذلك بعد أن وردت معلومات بكون المعني بصدد توزيع مناشير على المواطنين لمطالبتهم برفع علم منطقة القبائل خلال جنازة المرحوم حسين آيت أحمد.

وكان فرحات مهني قد اتهمه في وقت سابق، أحد مستشاريه بحركة “الماك” بتلقي مبالغ مالية خيالية من جهات مغربية من أجل تمويل ما سماه “حكومته الانفصالية” ما أدى إلى تسجيل عدة استقالات في الحركة، خاصة أنه إلى غاية اليوم يتلقى 250 ألف أورو شهريا من الحكومة المغربية، وذلك منذ عام 2010 من أجل تمويل إذاعة تذيع برامجها من باريس كما أنه يتقاضى راتبا شهريا يقدر بنحو 4500 أورو، مشيرا إلى أن رئيس الحركة لا يهمه التفاف الجماهير حول برنامجه في الجزائر بقدر ما يهمه الحضور المستمر في وسائل الإعلام الفرنسية، بغرض إحراج السلطات الجزائرية.

للإشارة، فإن فرحات مهني، الذي يعيش في فرنسا مع عائلته، كان قد زار إسرائيل عدة مرات، وأصبح من المدافعين عنها، ومن المعارضين لدولة فلسطين، كما يعتبر المغني المنبوذ المدعو مهنى شخصية قريبة جدا من القصر الملكي المغربي، وهو يتعاطى بإيجابية مع السياسة المغربية في الصحراء الغربية، وكذلك السياسة المغربية المعادية للجزائر.

وكان أنصار مهني قد حضروا خلال اليومين الأخيرين كل الظروف المادية منها والبشرية من أجل ضمان تنقل أنصارهم إلى مطار هواري بومدين لاستقبال جثمان الراحل آيت أحمد وبعدها مرافقته صبيحة الجمعة إلى عين الحمام، وهذا بتوزيع علم “الماك” عليهم ومطالبتهم بترديد “نشيدهم“.

لكن “حادثة لوزان” التاريخية التي أمضاها بأحرف من ذهب نجل “الدا الحسين” أخلطت أوراقهم، وأفسدت “تخلاطهم”، وأرجع الكثير من المواطنين خاصة مناضلي الأفافاس رفض يوغرطة آيت أحمد لمهني من إلقاء كلمة وحتى تبادل التحية معه، إلى كونه ليس في مقام الحديث عن المجاهد المرحوم الذي طالما دافع عن وحدة الجزائر وتماسك شعبها، وأفكار الزعيم الثوري لا تتناسب تماما مع أفكار فرحات مهني الانفصالية.

 

عائلة الراحل تؤكد: منع فرحات مهني هدفه احترام ذاكرة “الدا الحسين”

توافد المئات من مناضلي الأفافاس وكذا المتعاطفين معه ومحبي الراحل، منذ أمس إلى العاصمة والمطار، للحضور بقوة لدى استقبال الجثمان، ورفض رسمية الجنازة منذ وصول صاحبها إلى أرض الوطن، وإضفاء الطابع الشعبي عليها، في وقت يُنتظر أن يكون الوزير الأول عبد المالك سلال في مقدمة المسؤولين الذين سيوجدون في مطار هواري بومدين لاستقبال الجثمان- حسب ما علمناه من مصادر موثوقة.

على صعيد آخر، وبشأن موقف نجل الزعيم آيت أحمد من الانفصالي فرحات مهني حين رفض مصافحته ومنعه من إلقاء كلمة أول أمس لدى توديعه في لوزان، أكدت عائلة الراحل أن موقف يوغرطة آيت أحمد كان احتراما لذاكرة والده وعدم السماح باستغلال هذه الوقفة الترحمية، وتمكين الحركة الانفصالية من المصداقية المفقودة باستغلال منبر الراحل، الذي حرص دوما على الوحدة الترابية والوطنية وعدم استغلال القضايا العرقية لتقسيمه، حيث كانت مواقف آيت أحمد واضحة بخصوص قضية “الماك”، وهي المواقف التي تساندها وتحترمها العائلة.

من جهة أخرى، أكدت السلطات الأمنية أن كل الإجراءات المطلوبة تم اتخاذها، حيث وصلت أمس تعزيزات أمنية ووحدات إضافية من الدرك الوطني المستقدمة من الولايات المجاورة، لتأمين مسار المسلك الذي يعبره الموكب الجنائزي، وكذا تنظيم حركة المعزين والمشاركين في تشييع الجنازة بعين الحمام.

 

المجتمع المدني في وقفة حاشدة ببجاية

تتواصل هبات التضامن والترحم على روح فقيد الجزائر، حسين آيت أحمد، فبعد الشخصيات الوطنية والدولية وكذا الأحزاب السياسية بمختلف تياراتها، كان الدور هذه المرة للمجتمع المدني بمختلف أطيافه، حيث تم أمس تنظيم وقفة ترحمية بساحة شهيد حرية التعبير سعيد مقبل وسط مدينة بجاية حضرها جمع غفير من المواطنين والجمعيات وناشطون عن المجتمع المدني، حيث اجتمع المئات في أجواء استثنائية طغت عليها ملامح الحزن، ردا لجميل هذا المجاهد الذي قدم للجزائر كل ما يملكه، حيث وبعد وقوف الحاضرين كرجل واحد، وقفة احترام لعظمة نضال الرجل، في دقيقة صمت، تداول الحاضرون على المنصة للحديث، بكلمات سادها الحزن عن هذه القامة التاريخية ذات الأبعاد الدولية، مشيرين إلى أن الدّا الحسين لم يمت كونه سيبقى دائما حاضرا في قلوب الملايين من الجزائريين المخلصين لهذه الشخصية الفذة، التي ولدت كبيرة وماتت كبيرة حتى إنه لم يركع يوما لأعداء الجزائر كونه ظل على الدوام وفيا لعهد الشهداء الأبرار.

 

نجله يُتابع ترتيبات الجنازة بالتنسيق مع الحزب والعائلة

إجراءات أمنية استثنائية لمرافقة الموكب الجنائزي إلى عين الحمام

لا تزال إلى غاية كتابة هذه الأسطر، ترتيبات التحضير لجنازة الزعيم الراحل جارية بمسقط قريته “آيت أحمد” بأيت يحيى بعين الحمام، حيث سيتم صبيحة اليوم فتح القبر الذي سيوارى جثمانه فيه إلى جوار والدته ظهر يوم غد الجمعة. وهي الترتيبات التي تشرف عليها عائلة الراحل ولجنة القرية، فيما تتابع العائلة بمعية الأمانة الوطنية والمكاتب الولائية والبلدية للأفافاس، ترتيبات وصوله ظهيرة اليوم إلى مطار “هواري بومدين” الدولي في حدود الرابعة مساء، قبل نقله إلى المكتب الوطني للأفافاس لإلقاء النظرة الأخيرة عليه. ويتابع ابنه “يوغرطة آيت أحمد” ترتيبات الجنازة أولا بأول، مشددا على ضرورة احترام وصية والده وتنفيذها حرفيا بداية من استقباله بالمطار إلى غاية وضعه في قبره.

جثمان الراحل سينقل إلى مسقط رأسه في عين الحمام بأعالي تيزي وزو، فجر الجمعة، عبر الطريق الوطني رقم 12 مرورا بمدينة يسر ببومرداس، تادمايت، تيزي وزو، مقلع وبعدها آيت يحي باتجاه قريته، أين سيتم إقامة صلاة الجنازة عليه في أرضية أنجزت بحر هذا الأسبوع لدى مدخل القرية، لذات الغرض وكذا نزول المروحيات التي يرجح نقلها للشخصيات التي ستشارك في تشييع جثمان الراحل، ليحمّل بعدها إلى قبره الموجود على بعد 3كم تقريبا بزاوية جده الولي الصالح “الشيخ محند اولحسين” التي يوجد عند مدخلها قبر والدته.

ولا يزال سكان المنطقة يحتكمون إلى العرف في احترام وصية المتوفى أو ما يسمى محليا “اسحيرم” وهو كل ما يوصي به الميت قبل وفاته وينطق به، حيث يحترم هذا الأمر بشكل كبير ولا يجوز مخالفته، خصوصا أن العائلة من المرابطين، إذ لا يمكن مخالفة الميت لأي سبب كان، وهو ما حرصت العائلة بسويسرا وكذا بآيت يحيى على تطبيقه بجنازة ووصية الراحل “آيت أحمد“.

الموكب الجنائزي ستتولى قوات الدرك الوطني مرافقته وتأمين الطريق الذي تسلكه، كما ستكون مختلف المصالح الأخرى بعين المكان لمواجهة الحدث.

 

الدكتور محمد أرزقي فراد

رحيل حسين آيت أحمد… جرح  ديمقراطي لم يتخثر

ليس من باب الثناء وصف المناضل حسين آيت أحمد بكونه قامة سامقة في النضال من أجل استرجاع السيادة المغتصبة، وبناء الدولة الديمقراطية بعد  1962م، لأنه أدرك بوعيه العميق أن الانتصار على الاستعمار ما هو إلا كسب للجولة الأولى من المشروع النوفمبري الذي سيكتمل تجسيده ببناء دولة مدنية حديثة قوامها الديمقراطية.

بيئته ونشأته

من أين جاء المناضل حسين آيت أحمد؟ وما هي البيئة التي نبت فيها؟ وما المنهل الذي نهل منه حبّ الوطن؟ وما السبب في حرقه لمراحل العمر إذ رَشَدَ (من الرشد) وهو في سن المراهقة، بدليل أنه انضم إلى حزب الشعب في السادسة عشر من عمره؟ من الطبيعي أن يتعلم حسين آيت أحمد المولود سنة 1926، في طفولته مبادئ القراءة والكتابة بالعربية وأن يحفظ ما تيسّر من القرآن، باعتباره سليل فئة المرابطين الأشراف الذين ارتبط ذكرهم في بلاد الزواوة بالثقافة العربية الإسلامية. ولا شك أنه رضع حبّ الوطن من أمجاد قومه الذين رفعوا راية الجهاد في وجه الغزو الفرنسي منذ حلوله  بسيدي فرج في جوان 1830م، تحت قيادة شيوخ الزوايا ومقدمي الطريقة الصوفية الرحمانية أمثال الشيخ الحسين بن أعراب ونجله الشيخ الصديق بن أعراب، والشيخ الحاج أعمر، وفاطمة نسومر، والشيخ مُحندْ وَعْلي أوسحنون وغيرهم. كما أنه استفاد أيضا من التعليم الرسمي الذي جعله يعي مظالم الاستعمار التي أنزلت الجزائريين – وهم في عقر دارهم – إلى ما دون المواطنة، وإلى الدرك الأسفل وهم مثقلون بأعباء قانون الأهالي المشؤوم    .

انضمامه إلى حزب الشعب

في سياق هذه الظروف القاسية رَشَدَ حسين آيت أحمد قبل الأوان، فالتحق بصف الكبار بانضمامه إلى حزب الشعب وهو غضّ، وتحمل مسؤولية المنظمة السرية المكلفة بإعداد الثورة في أواخر الأربعينيات. ثم رحل إلى المشرق العربي بتكليف من حزب الشعب الجزائري    (PPA/MTLD) للقيام بمهمة التعريف بنضال الجزائريين وحشد الأنصار له في المجتمع الدولي، وثبت في هذه المهمة الدبلوماسية  بعد قيام الثورة. ورغم اعتقاله بمعية قادة الثورة الآخرين في شهر أكتوبر 1956م  من طرف الجيش الفرنسي الذي اختطف طائرتهم المنطلقة من المغرب نحو تونس، رغم ذلك فقد ظل على صلة مع قيادة الثورة عن طريق الزيارات والمراسلات، علما أنه عين وزيرا في الحكومة المؤقتة( بدون حقيبة    ).

نضاله من أجل الدولة الديمقراطية

لعل ما ميّز مسار حسين آيت أحمد عن غيره، أنه رفض الأمر الواقع الذي فرضه بعض رفاقه الذين أسسوا  نظاما سياسيّا شموليا، على حساب شرعية  الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية بقيادة بن يوسف بن خدة. وعلى إثر ذلك أسس مع جماعة من رفاقه حزبا سياسيا (جبهة القوى الاشتراكية) كوسيلة للنضال السلمي من أجل الديمقراطية. وهكذا لم يتمرد حسين آيت أحمد على الدولة الجزائرية – كما يتصوّر البعض – بل رفض تمرد جيش الحدود الشرقية على الشرعية الثورية الممثلة في الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية. والجدير بالذكر أن العقيد شعباني – رحمه الله – قد أدرك بحصافة رأيه أن الأفافاس كان يسعى من أجل تأسيس دولة ديمقراطية تتيح الفرصة للجميع للمشاركة في بناء الوطن. لكن النظام السياسي الشمولي قد واجه هذه المبادرة السياسية السلمية بالعنف والقمع، الأمر الذي أرغم حسين آيت أحمد على الاحتماء بالجبال وهو مدعم بالعقيد مُحند اُولحاج قائد الولاية التاريخية الثالثة. ورغم اعتقال حسين آيت أحمد في أكتوبر 1964م وإصدار حكم الإعدام في حقه، فقد فتح الرئيس أحمد بن بلة مفاوضات مع حزب الأفافاس أسفرت يوم 15 جوان 1965م عن وقف النزاع على أساس إطلاق سراح المعتقلين والاعتراف بالأفافاس كحزب شرعيّ. لكن لم يكتب لهذا الاتفاق أن ينفذ بحذافيره وهذا بسبب الانقلاب العسكري الذي تعرض له الرئيس أحمد بن بلة يوم 19 جوان 1965م، الأمر الذي أرغم حسين آيت أحمد إلى الفرار من السجن يوم فاتح ماي 1966م  . 

  واصل حسين آيت أحمد نضاله في المنفى، وبموازاة ذلك قرّر مواصلة دراسته فقدم أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه  حول موضوع حقوق الإنسان في مواثيق منظمة الوحدة الإفريقية، كما خصص بعض وقته لكتابة مذكراته. ولعل أهم حدث سياسيّ عاشه خلال هذه الفترة هو، ذلك اللقاء الذي جمعه بالرئيس الأسبق أحمد بن بلة بلندن سنة 1985م من إعداد علي مسيلي (الساعد اليمن لحسين آيت أحمد) وقد  أقضت هذه المبادرة مضجع النظام السياسي الجزائري فقام باغتيال علي مسيلي في  العاصمة الفرنسية باريس يوم 7 أفريل 1987م، وفضح سي الحسين هذه الجريمة  بتخصيص كتاب حولها بعنوان: (قضية علي مسيلي).

جانب من ذكرياتي مع  حسين آيت أحمد

  تمكن حسين آيت أحمد من العودة إلى أرض الوطن بفضل دستور 1989م. وكانت عودته يوم 15 ديسمبر 1989م من الأيام المشهودة في تاريخ الجزائر المعاصرة، تفاءل بها الشعب الجزائري، عاد حسين آيت أحمد وهو عاقد العزم على المشاركة الفعالة في بناء الدولة الديمقراطية بمعاييرها النوفمبرية. وعرفته في هذه الفترة بواسطة المناضل رشيد اُوتودرت رحمه الله، وبعد أن قدمت نفسي له اطمأن قلبه لأن قريتي عشوبة ( بلدية آزفون) كانت قلعة من قلاع الأفافاس عند ظهوره سنة 1963م، كما ازدادت مكانتي سموا في عينه بعد أن أدرك أنني متعلم “معرّب”، فطلب مني العمل من أجل استقطاب فئة المعرّبين التي كان الحزب في حاجة ماسة إليها خاصة في التواصل مع الجماهير قصد توسيع قواعده. وبعد جلسة مفيدة استقر الرأي على أن يكون دعمي للحزب بالكتابة وتنظيم ندوات سياسية عبر الوطن، ومن المهام البارزة التي كلفني بها، مهمة تمثيل الأفافاس في تلك المناظرة المشهورة التي نظمتها التلفزة الوطنية لمناقشة قانون التعريب بين الحزبين الأفلان والأفافاس، وأدارها الصحفي حمرواي حبيب شوقي، أوضحتُ فيها أن تحفظات الأفافاس التي أبداها حول قانون التعريب كانت تنصب حول “طريقة التعريب” وليس حول مبدأ التعريب، لأنه من غير المعقول أن يرفض مناضل في حجم حسين آيت أحمد مبدأ التعريب، علما أنه كان عضوا في لجنة التعريب المشكلة غداة الاستقلال.

  وباختصار أدركت من خلال احتكاكي المباشر به، أن سي الحسين قامة سامقة في النضال السياسي الديمقراطي، عارض الاستبداد بكل أشكاله، الأمر الذي جعله يرفع ذلك الشعار الجريء “لا للدولة البوليسية، ولا للدولة الأصولية”. كان سي الحسين مدرسة في الوطنية الصادقة، عمل طيلة حياته من أجل أخلقة السياسة وتثقيفها، وأعطى مثالا قويا على مصداقيته حين رفض منصب رئيس الدولة الذي عرضه عليه وزير الدفاع خارج المعايير الديمقراطية. ومن خصال شخصيته القوية أيضا أنه آمن بالمصالحة الوطنية (عقد روما) كأسلوب عمل لإنقاذ الجزائر من الخراب والدمار والسير بها قدما نحو بر الأمان. ولا شك أن أفضل تكريم لحسين آيت أحمد، هو أن تؤخذ أفكاره الديمقراطية بعين الاعتبار في سياق تعديل الدستور الجاري حاليا. 

 

الرئيس السابق لرابطة الدفاع عن حقوق الإنسان مصطفى بوشاشي:

الدا الحسين آمن بأن الاستقلال لا يتوقف بطرد المستعمر

قال المحامي والقيادي في الأفافاس والرئيس السابق للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان مصطفى بوشاشي، إن المرحوم حسين آيت احمد وإلى جانب نضاله السياسي والثوري التحرري، فإنه ناضل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وهو من الرجال القلائل الذين اعتبروا أن الاستقلال الحقيقي لا يتوقف بطرد المستعمر وإنما يقوم على أساس إقرار تام للديمقراطية التي هي مشروع نداء أول نوفمبر.

ويؤكد النائب المستقيل، مصطفى بوشاشي، أن الشيء الذي عرفه من خلال تواصله مع “الدا الحسين” أنه “كان مناضلا حقيقيا في مجال حقوق الإنسان، والتقيت به في عديد التجمعات الخاصة بحقوق الإنسان منها مرتين في جنيف بسويسرا وكان الموضوع هو حقوق الإنسان”، مشيرا إلى أن المرحوم ولتقديسه لملف حقوق الإنسان كتب رسالة دكتوراه في حماية حقوق الإنسان في القارة الإفريقية.

ويرى المحامي مصطفى بوشاشي أن القضية التي يجب إبرازها هي نضال “الدا الحسين” في حقوق الإنسان وخاصة في المحافل الدولية، كونها لم تنل الحجم الحقيقي لها، خاصة وأنه ناضل من أجل هذه القضية داخليا وخارجيا، وكان على اتصال دائم بآليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

واعتبر بوشاشي أن نضال حسين آيت احمد وبتوجيهاته فتحت الأبواب أمام مناضلي حقوق الإنسان في الجزائر كالرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان وعائلات المفقودين والنقابات المستقلة وغيرهم، وذكر في هذا الصدد “المقر الوطني لجبهة القوى الاشتراكية تحول لقبلة ولمقر للمظلومين سياسيا وفي مجال حقوق الإنسان، الذين لم يجدوا أي فضاء للنشاط، وبعد أن تم التضييق عليهم، كما فتح قوائمه الانتخابية للمناضلين والحقوقيين”.

ويشرح بوشاشي من خلال علاقته بالمرحوم حسين آيت احمد، أن الراحل “لم يكن على الإطلاق متوهما أنه في ظل نظام شمولي ديكتاتوري يتغذى على انتهاكات حقوق الإنسان، يمكن أن تصان الحقوق والحريات، لأن ذلك كان قناعة راسخة لدى الدا الحسين وهي انه لا يمكن صيانة وصون الحقوق والحريات إلا في نظام ديمقراطي وهو الضامن الوحيد لذلك”.

وينقل بوشاشي عن فقيد الجزائر أنه كان يؤمن أشد الإيمان بأنه لا وجود لحقوق الإنسان في ظل نظام شمولي، وحتى لو تحققت لأقلية من الناس فإن الجموع الكبيرة للشعب والمواطنين، لا يمكن، بل يستحيل أن تتحقق لهم الحريات والحقوق ظل نظام شمولي.

 

الناشط الحقوقي والمحامي مقران آيت العربي لـ “الشروق”:

التقيت آيت أحمد قبل أحداث أكتوبر 88.. وهذه شهادتي في الزعيم

يرى المحامي مقران آيت العربي أن آخر هدية من الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد للشعب الجزائري، هي تسليم جثمانه إلى حاضنته الشعبية والوطنية دون الرسمية، ودفنه في مسقط رأسه بمقبرة شعبية صغيرة لم يسمع بها أحد قبل أيام، بقرية آيت أحمد بعين الحمام.

وقال آيت العربي: “حسين آيت أحمد من العظماء الذين أنجبتهم الجزائر من ماسينيسا إلى اليوم، كانت له رحلة نضالية طويلة وشاقة، بدأت في سن السادسة عشرة، وانتهت في التاسعة والثمانين من العمر. وكانت آخر هدية للجزائريين، قراره بأن يدفن في مسقط رأسه بمقبرة شعبية صغيرة لم يسمع بها أحد قبل أيام”.

 وأضاف المحامي: “الدّا الحسين لم يكتف بالنضال والكفاح من أجل طرد الاستعمار وتحقيق الاستقلال، بل ظل وفيا لأرواح الشهداء ولفلسفة ثورة نوفمبر 1954، وقد ناضل منذ الساعات الأولى للاستقلال من أجل بناء دولة ديمقراطية اجتماعية، تحترم فيها الحريات العامة وحقوق الإنسان والمواطن وتحقق فيها العدالة الاجتماعية، والاعتناء بالدرجة الأولى بالفئات الأكثر حرمانا. ويكفي الرجوع إلى تسجيلات ومحاضر الجمعية الوطنية التأسيسية للتأكد من ذلك”.

ومضى يقول: “عندما اختلف مع الاتجاه الرامي إلى ممارسة السلطة بالقوة على حساب الشعب، قرر تأسيس جبهة القوى الاشتراكية مع ثوار آخرين، بهدف مواجهة الحكم الفردي، والعودة إلى بيان نوفمبر، وقرارات مؤتمر الصومام قصد إرجاع الكلمة للشعب السيد. وشاء البعض اتهامه بالخيانة والحكم عليه بالإعدام. ولكنه لم يقبل بالأمر الواقع، فهرب من السجن وراح يواصل النضال في المنفى، واهتم كثيرا بالديمقراطية وبالحريات العامة وحقوق الإنسان في الميدان النظري والنضالي، وهذا ما جعله يختار موضوع حقوق الإنسان في ميثاق وممارسات منظمة الوحدة الإفريقية كإشكالية لأطروحة دكتوراه في القانون”.

عرفت حسين آيت أحمد، يضيف أيت العربي، في تصريح لـ “الشروق”، في المنفى، فوجدت فيه “خصال ما قرأناه في الكتب عن العظماء، إنه يتكلم بتواضع وهدوء ورزانة وراحة بال ومرح حتى ينسيك أنك مع رجل دخل التاريخ حيا، وأنه يسمع أكثر مما يتكلم ليعرف ما يجري في وطنه”.

آيت أحمد، يقول مقران آيت العربي، “جدير بأن تسمى باسمه الشوارع والأحياء في مختلف المدن الجزائرية تخليدا لنضاله. ولمَ لا تحمل المكتبة الوطنية بالجزائر اسمه تقديرا لثقافته الواسعة؟”.

وكشف المتحدث عن بعض الحقائق التي عاشها مع المرحوم “الدا الحسين” وقال: “التقيت بحسين آيت أحمد في المنفى قبل أحداث أكتوبر 88 وكان همه خلال الحديث معه هو إعادة الكلمة للشعب قصد بناء دولة ديمقراطية، كما كان يهتم بصفة خاصة بحقوق الإنسان، ويكفي أن نذكر أن أطروحة الدكتوراه التي أنجزها، كانت بعنوان “حقوق الإنسان في نصوص وممارسات منظمة الوحدة الإفريقية”.

وقال آيت العربي: “التقيت معه مرة أخرى بعد أحداث أكتوبر بالجزائر عدة مرات وكان همه دائما دولة القانون، ويمكن أن أذكر أنه بعد إيقاف المسار الانتخابي، اتصلت بأحد مستشاري الرئيس الراحل محمد بوضياف وطلبت منه أن يسعى إلى تنظيم لقاء بين الرئيس بوضياف وحسين آيت أحمد فأجاب قائلا: “إن الرئاسة ترحب بحسين آيت أحمد في كل وقت”، ولكن أجبته بأن الأمور لا يمكن أن تتم بهذه الطريقة فمحمد بوضياف هو رئيس الدولة، وعليه أن يقدم دعوة رسمية إلى حسين آيت أحمد ، فأجاب بعد يومين بأنه موافق على ذلك”.

وواصل المحامي آيت العربي حديثه قائلا: “اتصلت بحسين آيت أحمد في مقر حزبه ودام اللقاء لأكثر من 6 ساعات ومن جملة المواضيع فكرة لقائه بالرئيس بوضياف، فأجابني بأنه في حالة تلقيه الدعوة سيستجيب لها، وبعد السعي بينه وبين الرئاسة، تم الاتفاق على أن يكون اللقاء بعد زيارة الرئيس بوضياف إلى وهران وعنابة، لأنها كانت مبرمجة ولكن اغتيال بوضياف حال دون ذلك، وكنت أعتقد أن لقاء الرجلين، نظرا إلى شخصيتهما كان بإمكانه أن يدفع بالجزائر نحو الأحسن ولكن حدث ما حدث”..

ويختم آيت العربي: “الدا الحسين، لقد فارقتنا قبل أن ترى الجزائر الديمقراطية التي ناضلت من أجلها أكثر من سبعين سنة. ولا شك أن الشباب سيحقق ذلك”.

 

صالح قوجيل يستذكر فصولا من حياة الراحل

آيت أحمد فرّ نحو تونس بوثائق زوّرها بن بولعيد

أثنى المجاهد وعضو مجلس الأمة، صالح قوجيل على مناقب الراحل حسين آيت أحمد، وقال انه “عاش رمزا ومات رمزا، لم تغره لا المناصب ولا الأموال”، وهي خصال “قلما تجتمع في شخص واحد”، كما قال.

وكشف ابن الأوراس أن المجاهد آيت احمد كان مطاردا من طرف الاستعمار الفرنسي بعد اكتشاف وحل المنظمة السرية وكان لا يستطيع السفر إلى خارج الجزائر، إلا أن الشهيد الكبير مصطفى بن بولعيد قام بتوفير وثائق مزورة عن طريق احد المناضلين، وهو المدعو بن عكشة محمد، الذي كان يعمل على مستوى بلدية أريس بولاية باتنة.

وأضاف المتحدث أن المرحوم آيت احمد هو من قال له هذه المعلومة أثناء تنشيطه حملته الانتخابية بولاية باتنة للانتخابات الرئاسية التي جرت في عام 1999، والتي قام خلالها بزيارة لقبر الشهيد البطل مصطفى بن بولعيد، كما أكد المتحدث نظافة يد الراحل آيت احمد الذي وصفه بالمجاهد النظيف والمعارض الوطني.

وذكر قوجيل أن المجاهدين كانوا دائما ما يتذكرون مقولة شهيرة للزعيم التاريخي لحزب جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس)، حين قال آيت احمد حكمة بالانجليزية للكاتب شكسبير “نكون أو لا نكون”، أثناء اجتماع المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني برئاسة فرحات عباس.

وفي السياق ذاته، قال القيادي بالولاية الأولى التاريخية، إن المرة الأولى التي رأى فيها المرحوم كانت على الحدود التونسية، وذلك بعد إعلان وقف إطلاق النار بقيادة هواري بومدين، أين تم استقبال الزعماء الخمسة بعد إطلاق سراحهم إثر حادثة اختطاف طائرتهم، حيث كان الزعيم آيت احمد بطلا كبيرا وحظي باستقبال الأبطال، على حد تعبيره.

 

زهور ونيسي: آيت أحمد اقترحني لعضوية “التأسيسي”

اعتبرت وزيرة التربية السابقة، زهور ونيسي، وفاة الزعيم التاريخي لحزب جبهة القوى الاشتراكية، خسارة للجزائر والجزائريين، والنساء على وجه التحديد، وقالت إن الراحل كان السند الداعم، للمرأة والذي كان يرى أن لها دورا محوريا في الحياة السياسية للجزائر المستقبلية.

زهور ونيسي، وفي تصريح لـ”الشروق”، قالت إنها تذكر آيت أحمد في فجر الاستقلال عندما كان مكلفا بالمنظمات الجماهيرية، حيث ألقى خطابا بملعب 20 أوت، وذكرت ونيسي أن لغته كانت جميلة وساحرة وهو يفتتح خطبته بقصيدة أبو القاسم الشابي: “إذا الشعب يوما أراد الحياة“.

وأوضحت الوزيرة السابقة، معددة خصال الراحل: “كان شخصا مليئا بالحماس والإرادة، كان ذا شخصية كاريزماتية تأسر وتشد مستمعيها. كان رجلا  ليس من السهل أن تعوضه الجزائر التي يحق لها أن تحزن اليوم على رحيله“.

 وأضافت ابنة الجسور المعلقة، أنه في الوقت الذي اقترحها آيت أحمد لممارسة السياسية عبر بوابة المجلس التأسيسي، على غرار زهرة ظريف بيطاط، فضلت هي (ونيسي) الالتحاق بالجامعة لطلب العلم.

ويؤكد ما جاء على لسان الوزيرة السابقة، ما تضمنته مذكرات الراحل، والتي جاء فيها: “إلى النساء الجزائريات حارسات الثقافة الشعبية، اللائي كان دورهن المجهول إلى اليوم، أساسيا في استمرار الشخصية الجزائرية واستمرار المقاومة”، هكذا بدأ زعيم الافافاس الراحل حسين ايت أحمد مذكراته، التي رفعها إلى روح والدته التي حلمت أن تجعل منه طبيبا وحرصت دائما على تذكيره بكونه سليل بطلة جرجرة فاطمة نسومر

كانت والدته “مثل نساء منطقته حارسات القيم والقائمات على نقل الثقافة للأجيال فلم يكن الحيوان الأسطوري “بيجوح” الذي تخوف به النساء الأطفال غير الجنرال بيجو. بهذه الخلفية الإنسانية والفكرية كان حسين ايت أحمد يؤمن أن للمرأة دورا في بناء الوطن، لهذا لم يتأخر غداة الاستقلال في اقتراح أسماء نسوية معروفة لعضوية المجلس التأسيسي أمثال فضيلة مسلي وزهرة ظريف وزهور ونيسي.

مقالات ذات صلة