الدا الحسين.. “يموث ثورا”.. “أسقي إيديلول”
“الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله، إخواني لا تنسوا الشهداء”.. بهذه العبارات ودعت عائلة وسكان قرية أث أحمد “الدا الحسين”، إلى مثواه الأخير، أجواء حزن رهيب خيمت على المكان وألقت بظلالها ليس على زوجته وأولاده أو منطقة القبائل فقط، إنما على كل شبر من الوطن، كيف لا والجزائر تودع آخر رمز من ثورتها التحريرية، الذي عاش عظيما ومات نظيفا، لتحتفظ له الذاكرة الجماعية بمساره النضالي من أجل الحرية وتحقيق الديمقراطية المثلى، ليقرر أخيرا تسليم جثمانه للحاضنة الشعبية، ويكون بذلك عاش للشعب ومات لأجله.
الجميع منهمك ومتحد، والكل من أجل هدف واحد.. هي الأجواء التي عشناها منذ أمس الأول في قرية أث أحمد التي فقدت سكينتها وهدوءها، جراء الحركة الكثيفة التي عمت بها، وبرغم الحزن الذي خيم على شتى أرجائها وما جاورها من مناطق، بكاءً على فراق أحد أبنائها ممن صنعوا عظمتهم بتواضعهم وندائهم للحق، الحب، السلم، التسامح وإرساء الديمقراطية في جزائر أرادها أن تكون عادلة، تسير على عهد نوفمبر وتفي بدم الشهداء وعهدهم، فالجميع وجدناهم يعملون كخلايا نحل في إنجاز أشغال التنظيف، وإعادة تهيئة الطرق، وتوسعة مساحة مقبرة القرية، وكذا استقبال المواطنين وتوجيههم، وهو الأمر الذي أسند إلى ابن عم الراحل “دا بوسعد” الذي منحنا القليل من وقته بالرغم أنه كان جد منهمك، وحدثنا عن هذا الموضوع مؤكدا على أن الأبواب مفتوحة لكل من يريد المساهمة من أجل ضمان السير الحسن لمراسيم الدفن، ولسان حاله يقول: مرحبا بكل من يريد تقديم يد العون، وليس هناك فرق بين هذا وذاك، اليوم نحن نعمل كفريق واحد ومن يريد المساعدة فمرحبا به، المهم أنه أتى من أجل قضية صادقة وضمان السير الحسن لمراسم الجنازة .
شمعتك لن تنطفئ.. وعلى دربك سائرون
الدا الحسين “يموث ثورا” (مات الآن)، لكن “أسقي إيديلول” (اليوم ولدت وشمعتك لن تنطفئ)….هذه عبارات رددتها عائلته المقربة، ومحبوه في القرية طيلة أول أمس، حيث كانت “الشروق” العنوان الوحيد الذي شارك العائلة في ليلة العزاء، التي افتخر فيها الجميع برجل كبير مثلما يفتخر بالحشود الكبيرة التي توافدت على القرية من الجهات الأربع للوطن، معظمهم لم يتوان في أخذ صورة تذكارية لحدث تاريخي كبير، حيث يعج ضريح الشيخ محند اولحسين جد “الدا الحسين”، بالنسوة والرجال الذين لم يتوانوا في إشعال الشموع والتبرك بالولي الصالح .
وأمام البيت العالي، وتحت صورة عملاقة للفقيد، تستقبل عائلة آيت أحمد على غرار أبناء عمه بوسعد والحفيظ التعازي، كما كانت كل أنواع الأطعمة حاضرة، في مشهد نادر من كرم وسخاء المنطقة المجاهدة، حيث لم يتوقف أفراد عائلة آيت أحمد عن تقديمها للضيوف مع إلحاح شديد، حتى ينعم الزوار بالبركة، ويزيد ذلك من حسنات الفقيد، كما تم استقدام فرق المدائح الدينية، أو ما يعرف باللغة المحلية “أذكار” لإحياء ليلة العزاء على روح المرحوم إلى غاية ساعات الفجر الأولى .
“إشويقن”.. مناضلات الأفافاس وقريبات الفقيد يبكينه بترديد أشعاره
الأشعار التي كان ينظمها قبيل اندلاع ثورة التحرير الكبرى، حفظتها نسوة العائلة وتناقلتها عبر الأجيال وهي الأشعار التي تداولتها قريباته ليلة العزاء ورددنها طيلة ليلة أول أمس، على شاكلة أذكار أو ما يعرف محليا بـ”إشويقن”، بطريقة يقشعر لها الأبدان وتهتز لها النفوس، حيث بكت معزيات فقيد الجزائر، إلى درجة إغماء البعض منهن، المعزيات من بني جيله واللواتي نشأن معه في القرية، استعدن ذكريات طفولة الراحل واختلافه عنهن والميولات التي تميز بها، إذ صبت تدخلاتهن جميعا في كونه وطنيا لا يساوم ومناضلا لا يستسلم.
.. كان يرسم صورة مستقبل الجزائر المستقلة وينظم الشعر الذي تداولوه حينها، كما استمر في تنظيم الأشعار حتى في سجنه، وأضافت إحدى المناضلات وهي في سن الدا الحسين تقريبا، أن هذا الأخير كان كثير التساؤل عن الفرنسيين والاستفسار عن معاملتهم السيئة للجزائريين وكان الوالد يرد بأنه أصغر من أن يفهم ما يحدث، إلا أن إصرار الطفل الرجل، دفع الوالد ليشرح له: “بأننا كنا نعيش في وطننا وجاء الفرنسيون استعمرونا والآن نعيش تحت رحمتهم لأنهم أقوى منا”، وهي الكلمات التي وقعت عليه كالصاعقة وجعلته في اليوم الموالي ينتقم بعدم إلقائه التحية على مديره الفرنسي في المدرسة، ليجره هذا الأخير إلى زنزانة قضى فيها ليلته وهو طفل لم يتجاوز الثامنة.
هذه حقيقة وفاة والد آيت أحمد في تونس ونضاله الخفي
الجانب الخفي من حياة والد الراحل آيت أحمد، السيد محند اويحيى، أنه كان “قايد” بمنطقة واسيف ولكن وبشهادة كبار السن ممن عايشوا تلك الفترة، فإن أهالي واسيف قصدوا قرية آيت احمد ليطالبوا والد الراحل بتولي المنصب بعدما جار عليهم الذي كان قبله، وبعد اندلاع ثورة التحرير المباركة أجاد الوالد دور صديق قادة الجيش الفرنسي بحكم منصبه، من أجل التمويه ومخادعته، حتى إنه كان يستضيفهم في منزله، في حين يجتمع ابنه مع قادة الثورة في القلعة السرية تحته، إلى أن اكتشف المستعمر الفرنسي أمره، قام قادة جبهة التحرير الوطني آنذاك بتهريبه إلى تونس حتى لا يقع في يد المستعمر، هناك بقي في مكتب الآفلان إلى أن وافته المنية قبل الاستقلال في حدود 1959، ونظرا لاستمرار ابنه الحسين في النضال والتضييق الذي مورس عليه من قبل النظام، لم يتمكن من الالتفات لأمر والده وجلب جثمانه إلى أرض الوطن، حيث سلبه النضال والكفاح القيام بواجبه نحو والديه اللذين ماتا بحرقته.
نورة آيت أحمد شقيقة الراحل: لسنا وحدنا من فقد “الدا الحسين”.. الجزائر كلها تبكي اليوم
بصعوبة بالغة، تمكننا من الوصول إلى شقيقة الراحل آيت أحمد، النا نورة، التي كانت محاطة ببناتها اللواتي منعن اقتراب المعزين منها، نظرا لصعوبة وضعها وتأثرها الكبير بفقدان شقيقها، إلا أننا تمكننا من خطف كلمة منها حين خرجت لدى مدخل البيت أين قررت الجلوس لترى جثمانه قبل أن يوارى الثرى إلى جانب والدته، حيث قالت لـ”الشروق”: إن الجزائر اليوم تبكي فقدان أخي الحسين، ليست العائلة فقط من فقدته، لكنه فقيد الجزائر ككل.. نساء عائلة الدا الحسين اللواتي التفين حول “نا نورة” قابلن نعش الراحل بالزغاريد الممزوجة بدموع الحزن.
السيّدة جميلة أرملة الراحل: الراحل كان يمنعنا من البكاء مهما مسه من ضرر

لحظات قبيل وصول جثمان الراحل إلى مثواه الأخير، وصلت أرملته السيدة جميلة وابنها يوغرطة إلى المنزل العائلي، تتقدمهما الراية الوطنية التي رفعت تحت وقع الزغاريد، لتكون أول ما يدخل منزل “الدا الحسين” بعد منفاه الاختياري الطويل، لحظات وصول العائلة واستقبالها من طرف أفرادها الآخرين، تهتز لها النفوس، وزادتها قوة وتماسكا أرملته تأثيرا، حيث بقيت للعهد وفية، إذ دخلت المنزل مبتسمة متكئة على العصي.. وصرحت السيدة بأنه كان يمنعها من البكاء مهما مسه من ضرر خلال نضاله، وهي نفس الصورة التي بدا عليها ابنها يوغرطة.
أبناء عم المرحوم: نأمل من الجيل الصاعد أن يحمل المشعل حتى لا تنطفئ الشمعة
أجمع كل من الدا بوسعد والدا الحفيظ أبناء عم الراحل، على أن حقيقة الأصل أو المصدر قد رحل، لكن ترك من ورائه إرثا، هو ملك للجزائريين عامة وليس فقط أبناء قريته، بخصوص الوفاء والشرف والنضال من أجل الديمقراطية وتكريس العدالة الاجتماعية، الحمد لله ما زرعه الرجل من خصال التسامح والصدق والمصداقية والحق والوئام المدني مفخرة لكل الجزائريين، ونأمل أن نجد من الجيل الصاعد من يحمل هذا المشعل لكي لا تنطفئ الشمعة التي أنارها الدا الحسين .
