الجزائر
من نواقشوط والرياض مرارا بباريس والرباط ودمشق

الدبلوماسية الجزائرية.. صفعة للمتآمرين ومواقف بعثرت أوراق الآخرين

الشروق أونلاين
  • 30362
  • 137
الشروق
وزير الخارجية

رسمت الرسالة التي حمّلها لرئيس الجمهورية الوزير المستشار بالرئاسة، الطيب بلعيز، في زيارته إلى المملكة العربية السعودية، الخطوط العريضة التي تسير عليها الدبلوماسية الجزائرية في مواجهة الأزمات. البعض قرأ في تلك التصريحات شيئا من التبرير للعاهل سلمان بن عبد العزيز، بخصوص مواقف الجزائر المتباينة إزاء نظيرتها السعودية في بعض القضايا العربية والإقليمية.

تصريحات بلعيز الرامية إلى جسر الخلاف بين الجزائر والرياض تزامنت وزيارة للوزير عبد القادر مساهل إلى موريتانيا، في وقت تشهد فيه العلاقات مع نواكشوط حالة من الجمود، منذ إقدام البلدين على تبادل طرد الدبلوماسيين، في قرار بدأه الطرف الموريتاني. فهل يمكن القول إن الأمر يتعلق ببداية مرحلة جديدة للدبلوماسية الجزائرية؟ هذا السؤال سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد الإجابة عنه.

 

تبريرات في الرياض وامتعاض من باريس

العقيدة الدبلوماسية للجزائر.. هل من مراجعة؟

يشكّل التصريح الذي ألقاه وزير الدولة المستشار لدى رئاسة الجمهورية، الطيب بلعيز، خلال الزيارة التي قادته للمملكة العربية السعودية هذا الأسبوع، منطلقات ومرتكزات عقيدة الدبلوماسية الجزائرية.. عبارات أماطت كل الالتباس عن مواقف الجزائر من قضايا عربية وإقليمية تصنع الحدث هذه الأيام.

ومما قاله وزير العدل الأسبق: “قد يبدو للبعض خطأ بأن بعض المواقف التي تأخذها الجزائر بشأن عدد من القضايا الساخنة المطروحة على الساحة العربية وحتى الإقليمية تخالف بعض شركائها العرب”، غير أن مواقفها هذه “راجعة في الأساس إلى موروثها التاريخي منذ الثورة التحريرية القاضي بعدم التدخل في الشأن الداخلي لغيرها من البلدان”.

ويواصل بلعيز شارحا العقيدة الدبلوماسية قائلا إن “دستور الجزائر يحظر على قواتها المسلحة أن تتخطى حدود البلاد.. وتتقيد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والشعوب، وهي تفضل دائما الحلول السياسية السلمية، كما أنها ترفض العنف الذي تؤمن بأنه لا يولد إلا العنف”.

وواضح من خلال هذه “التوضيحات”، أن الجزائر ماضية في تمسكها بعقيدتها الدبلوماسية التي بنيت قبل الاستقلال، وبالضبط في البدايات الأولى للثورة التحريرية عندما بدأت جبهة التحرير الوطني، تنسج علاقاتها مع الدول والشعوب الصديقة، وتقوم هذه العقيدة على ركيزتين أساسيتين وهما، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول (عدم مشاركة الجيش خارج التراب الوطني)، دعم الشعوب المستعمرة للحصول على استقلالها.

وتستهدف “توضيحات” الوزير المستشار موقف الجزائر من بعض القضايا التي تأخذ قسطا كبيرا من اهتمام دبلوماسية المملكة العربية السعودية، ألا وهي الأزمة السورية، المسألة اليمنية، وبدرجة أقل القضية الصحراوية، التي عادت للواجهة مؤخرا في أعقاب زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، للمنطقة المغاربية.

وعندما يتحدث بلعيز عن “الموروث التاريخي”، فهو يشير إلى الوفاء للعلاقات التاريخية للبلاد مع دول وقفت مع الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية وشعوب تضامنت مع عدالة القضية الجزائرية في حينها. ويعلم الجميع أن الكثير من الشعوب العربية إن لم نقل كلها، لم تدعم فقط استقلال الجزائر، ومن بين هؤلاء الشعب السوري الذي تبرّع بأموال رجاله وحلي نسائه لدعم الثورة..

وربما الباب الذي قد يتسلل منه الشك بخصوص الموقف من هذه القضية، يكمن في استقبال وزير خارجية الأسد، وليد المعلم، من قبل الرئيس بوتفليقة، والتي اعتبرت من قبل البعض انحيازا لنظام بشار الأسد، الذي ولغ في دماء السوريين ومن ثم لم يعد يتوفر على الشرعية.. هذا هو السؤال المحوري.

القضية الأخرى التي وقف عندها الوزير المستشار وإن لم يسمها بالاسم، هو الموقف الجزائري من الأزمة اليمنية، موقف لم يَرُق إطلاقا للرياض، التي عبّرت عن انزعاجها من خلال المعاملة التي خُصّت بها الطائرة الجزائرية عندما كانت بصدد إجلاء الرعايا الجزائريين من اليمن مع بداية ما عرف بـ”عاصفة الحزم” ضد “الحوثيين” وأتباع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.

الرسالة الثالثة فتعتبر بمثابة “نغزة” أو “عتاب” من الجزائر للرياض، وهي تلك المتعلقة بالموقف السعودي من القضية الصحراوية، والذي يقف على النقيض من الموقف الجزائري، بل إن بعض المتابعين يعتبرونه قد تجاوز قرارات الأمم المتحدة التي استلمت هذا الملف منذ بداية تسعينيات القرن الماضي.

وهكذا يمكن اختزال روح الرسالة التي حملها بلعيز للعاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، في القاعدة الذهبية القائلة: “نعمل فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”.

غير أن السؤال الذي قد يفرض نفسه هنا، هو هل المنطق التي تعاملت به الجزائر مع السلطات السعودية يمكن توظيفه في التعامل فرنسا، التي سيحل وزيرها الأول مانويل فالس، هذا السبت بالجزائر لترؤس اللجنة المشتركة العليا للبلدين، رفقة نظيره عبد المالك سلال، خاصة ما تعلق بالقضية الصحراوية؟

لا شك أن خصوصية العلاقات بين الجزائر وباريس في السنوات القليلة الأخيرة وما حصلت عليه فرنسا من امتيازات، يحتم على الطرف الجزائري رفع سقف الاحتجاج، لأنه من غير المقبول أن تطالب باريس وتحصل على كل ما تريد، لكنها عندما يجدّ الجدّ، تخون هذه العلاقة وترتمي في أحضان طرح مغربي مرفوض من قبل المجموعة الدولية بخصوص الأزمة الصحراوية.

 

الوزير والدبلوماسي الأسبق كمال بوشامة

الجزائر غير مطالبة بتبرير مواقفها للآخرين

يصنف الوزير والدبلوماسي السابق كمال بوشامة، الحركية التي تطبع الدبلوماسية الجزائرية بـ”العادية”، ويبدي سفير الجزائر الأسبق بسوريا ارتياحا للزيارة التي قادت مسؤول الدبلوماسية السورية إلى الجزائر قبل أيام، كما يؤكد بوشامة في هذا الحوار أن الجزائر ليست ملزمة بتبرير مواقفها لأي كان.

كيف تقرأ الحركية التي تطبع الدبلوماسية الجزائرية، زيارات متتالية لوزراء خارجية إلى الجزائر، وزيارات لمسؤولين جزائريين إلى الخارج؟

لا أعتقد بوجود حركية في الدبلوماسية الجزائرية في الفترة الراهنة، إنها تقوم بنشاط عادي لدبلوماسية متواجدة على الساحة الوطنية والدولية منذ سنوات، وفي حالة التحركات والتحرشات والمناورات والابتزازات والتحالفات غير الطبيعية على الساحة الإقليمية والدولية. من الضروري أن يفرض البلد وجوده، لأنه ملتزم منذ سنوات بوجوب الدعم الإيجابي، أما القراءات المشككة حول الحراك الحاصل في الدبلوماسية فلا أرى له واقعية.

ربما الحديث يحيلنا إلى زيارة وزير خارجية سوريا وليد المعلم قبل أيام، والتي أثارت الكثير من اللغط، ما دوافع الزيارة؟

أرد بسؤال، هل يُطلب منا أن نكون غير عرب؟ الوزير المعلم وصل الجزائر، وما فعلته الجزائر شيء جميل وايجابي للغاية، ولا يجب هنا أن نأخذ آراء ومواقف الدول الأخرى في رسم سياساتنا الخارجية، ومن مواقفنا تجاه القضايا الإقليمية والدولية، والسؤال الثاني الذي يطرح كذلك، لماذا لا أساعد في حل الأزمات الحاصلة في العالم العربي؟

ما حصل في زيارة المعلم، أنها مبادرة جزائرية، أنا أرحب بها، وليست تدخلا في شؤون الغير، التدخل في شؤون الآخرين يكون لما نفرض أو نملي القرارات على غيرنا، وهذا لا أعتقد أنه قد حصل في أي قضية إقليمية أو دولية، على حد علمي.

على هذا الأساس، لماذا اجتهدت الجزائر في تبرير مواقفها وعقيدتها الدبلوماسية؟

يجب التأكيد أن الجزائر، لم تشجع المؤامرات على الدول العربية، لم نقم بتمويل تنظيمات إرهابية لضرب دول عربية، بالمقابل هنالك دول عربية معلومة موّلت ورعت الإرهاب، هذه الدول أضرت بأنظمة عربية كثيرة، وعلى هذا الأساس، فإن كان التأكيد على الموقف الجزائري من القضايا الإقليمية وشرحه للآخر في إطار التسامح والتفاهم، ومحاولة تعديل مواقف الدول الأخرى الخاطئة، بما يعيدها إلى حظيرة الرأي السديد فهذا أمر عادي ومقبول. وبشأن تبرير مواقفنا وطأطأة الرأس، فأقول بكل صراحة إن هذا الموقف خاطئ، الأساس والأصح، هو أن نعمل على إقناع الآخرين بصواب مواقفنا، لا أن نطلب العفو على مواقفنا المبدئية.

بخصوص فرنسا، الكثير يرى أن الجزائر قدمت لها تسهيلات كبيرة، خاصة في الشق الاقتصادي، وفي عملياتها العسكرية بمالي، بالمقابل تتخذ مواقف في غير صالح الجزائر، لماذا هذا التناقض؟

ليس هنالك تناقض، الحديث عن التناقض نجده أكثر عندنا نحن العرب، نحن لنا مبدأ ولفرنسا مبدأ، لكن تبقى مسألة التبادل التجاري والاقتصادي يخضع لخصوصيات معينة، وهذا يفرضه التاريخ، لا يجب أن ننسى 132 سنة من الاستعمار.

يجب أن نفهم، أن فرنسا لا تعمل عبر خلط مواقفها ذات الصبغة الاقتصادية والتجارية، مع مواقفها من القضايا السياسية أو الدبلوماسية، فموقفها من الصحراء الغربية مثلا لا يمكن أن تغيره، نتيجة لتعاملات تجارية واقتصادية تقيمها مع الجزائر، وهذا الأمر ليس حكرا على فرنسا فقط، الغرب كله ينتهج هذه السياسة، نحن العرب قد نراها سيئة ومعيبة، لكن هذا هو الغرب، الحديث عن المثالية والأخلاق في العلاقات الدولية لا يأخذ بها الغرب أبدا، هنالك مصالح مشتركة وفقط.

 

أستاذ العلوم السياسية بجامعة البليدة نسيم بلهول

موقف فرنسا من الصحراء تحكمه علاقة المغرب بإسرائيل

يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة البليدة بلهول نسيم، أن تصريح الطيب بلعيز، في السعودية يعبر عن موقف الجزائر الثابت والسيادي بشأن بعض القضايا العربية، معتبرا أنه يدخل في خانة الذكاء الدبلوماسي رغم تناقضها مع الطرح السعودي في المنطقة.

حمل تصريح الطيب بلعيز من السعودية توضيحات بشأن مواقف الجزائر إزاء بعض القضايا العربية والإقليمية؟ كيف تقرؤون ذلك؟

هذا التصريح يحمل في طياته ذكاء دبلوماسيا، فالجزائر عن طريق دبلوماسيتها تحترم مواقفها الثابتة والمبنية على الحياد، وهو ما جعل بلعيز في زياراته إلى السعودية يوضح من البداية الخطوط الحمراء التي ترفض الجزائر أي جدال بخصوص موقفها إزاءها، فهي تعلم جيدا أن أي حكم ضد “حزب الله” من شأنه أن يفسد علاقاتها بإيران ولبنان وسوريا، كما أن الدبلوماسية الجزائرية المستوحاة من الثورة التحريرية، ترفض بأي شكل من الأشكال التدخل في شؤون الدول الأخرى.

برأيكم، ما دوافع تصريح من هذا القبيل وهل تجدونها مبررة؟

الجزائر في الوقت الراهن، هي في مرحلة ترتيب أوراقها الدبلوماسية في المنطقة العربية، خاصة في الظرف الحالي الذي تعرف فيه دول المنطقة بعض القلاقل والتوترات، وقد ارتأت في هذا المقام أن ترمم علاقتها الدبلوماسية مع السعودية من دون الإخلال باتفاقياتها والتزاماتها مع دول أخرى أكثر قوة في المنطقة على غرار إيران، التي أبرمت معها مؤخرا عدة اتفاقيات. وتشديد الجزائر على مواقفها الثابتة من بعض القضايا يدخل في إطار خطها القائم منذ سنوات لتصفية بعض الملفات عن طريق استشعار الضمير العربي ووحدة الصف من دون المساس بمبادئها.

ربط تصريح بلعيز مواقف الجزائر الخارجية باعتبارات تاريخية.. هل ترى ضرورة في مراجعة العقيدة الدبلوماسية للجزائر بعد أكثر من 50 سنة من الاستقلال؟

لا، الأمر لا يتعلق بعقيدة دبلوماسية أو مذهب جزائري، لأن الجزائر أيقنت جيدا خطورة المشهد في المنطقة العربية وكذا التحديات التي تواجهها، فهي دولة مستهدفة مثلها مثل السعودية من أطراف خارجية تريد زرع القلاقل والفتن، وهو الشيء الذي عجل بالتقارب بين الدولتين رغم اختلاف الرؤى الدبلوماسية والمصالح، فالتهديدات التي أضحت يوما بعد يوم واقعا، لابد من إيجاد حل لها، ما حتم على الجزائر والسعودية إحياء مشاريع تعاونية، مع مراعاة هامش الربح والخسارة لكل واحد منهما، ولابد هنا من التأكيد على أن المشهد الدبلوماسي السعودي مرتبط بحسابات أمريكية والخط الدبلوماسي الجزائري بذكائه، يرفض مبدأ التدخل في شؤون الدول.

موقف فرنسا من القضية الصحراوية كان صادما بانحيازه للمغرب، ألا تعتبر ذلك خيانة للعلاقات مع الجزائر؟

 الحقيقة تكشف أن فرنسا لديها مصالح وارتباطات جيوسياسية بالمنطقة مع المملكة المغربية أكثر من الجزائر، وهو ما يفسر تناقضها في مواقفها، حيث تظهر حسن العلاقات الثنائية مع الجزائر، وتخفي الدسائس مع المغرب، فالمتفحص للعلاقات والحسابات الإقليمية التي تربط فرنسا بالمغرب، لن يستغرب موقفها من الملف الصحراوي، لأن الاستفزازات الفرنسية ضد الجزائر مستمرة من خلال زرع القلاقل في دول الساحل والعمل على تحييد دور الجزائر في مالي، وتمكين المخزن من فرض نفوذه في المنطقة والتي يعتمد عليها المخزن لترويج المخدرات، والأكيد أن هناك علاقات قوية تربط فرنسا بالمغرب تحت رعاية يهودية، وهو ما يفسر موقفها المناقض للجزائر بخصوص الملف الصحراوي، ما يدعو الجزائر إلى اعتماد سياسة اليقظة في التعاطي مع الملف الصحراوي وكل طرف حتى لا تفقد تركيزها الدبلوماسي.

مقالات ذات صلة