الرأي

الدبلوماسيّة الدّينيّة كرافعة للاستقرار في السّاحل الإفريقي

عبد الله لاطرش
  • 338
  • 0

يشكّل إقليم السّاحل الإفريقي أحد أكثر الفضاءات هشاشةً وتعقيدًا في النّظام الدّولي المعاصر، حيث تتقاطع فيه تحدّيات الأمن والتّنمية والهويّة والدّين، في سياق تتداخل فيه آثار التّاريخ الاستعماري مع اختلالات بناء الدّولة الحديثة. وفي ظلّ محدوديّة نجاعة المقاربات الأمنيّة الصّرفة، يبرز الاهتمام المتزايد بما يُعرف بـ:(الدبلوماسيّة الدّينيّة) بوصفها أداة ناعمة قادرة على الإسهام في بناء الثّقة وتعزيز الاستقرار من داخل النّسيج الاجتماعي ذاته.

لا يُنظر إلى الدّين في مجتمعات السّاحل بوصفه شأنًا فرديًّا محضًا، بل باعتباره إطارًا منظّمًا للعلاقات الاجتماعيّة ومصدرًا للشرعيّة الرمزيّة؛ وقد اضطلع العلماء والزّوايا تاريخيًّا بدور الوساطة الاجتماعية وحفظ التوازنات المحليّة، كما أسهموا في نشر التّعليم والقيم الأخلاقيّة، ما جعل المؤسّسات الدّينيّة جزءًا أصيلًا من البنية المدنيّة للمجتمعات.

 من هنا، فإنّ الدّبلوماسيّة الدّينيّة لا تعني تديين العلاقات الدّوليّة، بل توظيف الرّأسمال الرّمزي والأخلاقي للدّين في خدمة السّلم الأهلي والتّقارب الإقليمي، بما يحقّق مصلحة مشتركة في الاستقرار والسّلم الاجتماعي وتعاون منتج.

وتكتسب هذه الدبلوماسيّة في السّاحل خصوصيّة لافتة من خلال الطّابع الصّوفي الغالب على التديّن المحلّي، ولا سيّما عبر الطّريقة التّجانيّة التي تشكّل إحدى أوسع الشّبكات الرّوحيّة امتدادًا في غرب إفريقيا؛ فالتجانيّة ليست مجرّد انتماء تعبّدي، بل هي منظومة اجتماعيّة وثقافيّة عابرة للحدود، تربط بين مجتمعات متعدّدة ضمن ولاء روحي مشترك، وتؤسّس لروابط تضامن تتجاوز الاعتبارات السّياسيّة الضيّقة، كما يقوم الخطاب الصّوفي في جوهره على قيم السّلم والتسامح وخدمة الجماعة، ما يجعله بطبيعته مناهضًا لمنطق التطرّف والصّدام، يقول الشّيخ أحمد التجاني قدّس الله سرّه: (طريقُنا مبنيّ على السِّلم مع الخلق، وحُسن الأدب مع الجميع، ولا قيام له مع الخصومات).

في هذا السّياق، يمكن للدبلوماسيّة الدّينيّة الصّوفيّة أن تؤدّي دورًا مكمّلًا للدبلوماسيّة الرّسميّة، عبر قنوات غير تقليديّة قادرة على اختراق البيئات المحليّة وبناء جسور الثّقة حيث تعجز أحيانًا أدوات الدولة، ويتجلّى ذلك في إمكانات الوساطة المجتمعيّة، ودعم مسارات المصالحة، وتشجيع الحوار بين الجماعات المحليّة، فضلًا عن تعزيز التعليم الدّيني الوسطي المرتبط بالسّياقات الثقافيّة الأصيلة.

غير أنّ نجاح هذه المقاربة يظلّ رهين الانتقال من منطق التّوظيف الظّرفي للفاعلين الدّينيين إلى منطق الشّراكة المستدامة، فالرّهان الحقيقي لا يكمن في استدعاء الخطاب الدّيني فقط عند اشتداد الأزمات، بل في إدماج المؤسّسات الدّينيّة، والزّوايا، وشبكات العلماء، ضمن استراتيجيّات أشمل للتنمية وبناء السّلم، بما يعزّز مناعة المجتمعات ويحدّ من قابلية الشّباب للانخراط في مسارات التطرّف والعنف.

وتبرز الجزائر في هذا الإطار بوصفها فاعلًا محوريًّا في تفعيل الدّبلوماسيّة الدّينيّة في فضاء السّاحل، مستندة إلى عمقها التّاريخي والرّوحي، ولا سيّما باعتبارها مهد الطّريقة التّجانيّة التي انطلقت من عين ماضي لتنتشر في مختلف أرجاء غرب إفريقيا.

هذا الامتداد يمنح الجزائر رأسمالًا رمزيًّا خاصًّا يؤهّلها للقيام بدور وساطة روحيّة وثقافيّة إلى جانب أدوارها السياسيّة والأمنيّة في المنطقة.

وقد راهنت الجزائر في مقاربتها الإقليميّة على دعم الإسلام الوسطي، وتعزيز التّكوين الدّيني، واستقبال الطلبة والأئمّة من دول السّاحل، وتشجيع التّعاون بين المؤسّسات الدّينيّة والزّوايا، بما يسهم في تحصين المرجعيّات المحليّة في مواجهة الخطابات المتشدّدة الوافدة، يقول الشّيخ التجاني: (مَن لزمَ طريقَنا لا يُخاصِم أحدًا، ولا يُكفِّر أحدًا من أهل القبلة).

 كما أنّ انخراطها في مسارات الوساطة وبناء السّلم يمنح لهذه الدّبلوماسيّة الدّينيّة بعدًا عمليًّا، يجعل من البعد الرّوحي عنصرًا داعمًا لجهود الاستقرار وليس بديلًا عنها.

وعليه، فإنّ الدّبلوماسيّة الدّينيّة في السّاحل، خاصّة في بعدها الصّوفي، تمثّل إمكانًا واقعيًّا لإعادة بناء الثّقة بين الدّولة والمجتمع، وبين المجتمعات المتجاورة عبر الحدود، وهي لا تلغي الحاجة إلى الإصلاحات السّياسيّة والتّنمية الاقتصاديّة، لكنها توفّر بيئة رمزيّة وأخلاقيّة مساعدة لنجاح هذه المسارات، من خلال إعادة الاعتبار للقيم المحليّة وآليات الضّبط الاجتماعي التّقليدي.

في المحصّلة، لا يبدو الرّهان على الدّبلوماسيّة الدّينيّة خيارًا ثانويًّا أو تكتيكيًّا، بل هو استثمار في العمق الثّقافي والرّوحي للمنطقة، بما يسمح ببناء مقاربة أكثر توازنًا وشموليّة للأمن والاستقرار في السّاحل الإفريقي؛ ومن الزّوايا الصّوفيّة إلى دوائر القرار، تتشكّل اليوم فرصة لإعادة وصل ما انقطع بين الرّوحي والسّياسي، في أفق صناعة سلام أكثر رسوخًا واستدامة.

مقالات ذات صلة