الدروس الخصوصيّة في تزايد.. وتسابق التعليم النظامي!
انطلقت الدّروس الخصوصيّة للتلاميذ، رغم أنه لم يمض على الدّخول الاجتماعي، إلا أسبوع، بل إنّ بعض الأساتذة شرعوا في تقديم هذه الدروس أيّاما قبل فتح المدارس العمومية، مع الزيادة في أسعار هذه الحصص مقارنة بالسنة الماضية، فيما ظهر إشكال آخر متعلق باختيار بعض هؤلاء الأساتذة بحكم ارتباطاتهم وانشغالاتهم، لأوقات تدريس تمتدّ أحيانا لآخر الفترة الليليّة، وهو ما قد يُعرّض أطفالا ومُراهقين، بحسب مختصين في الشأن التربوي، للخطر.
وسبق لوزير التّربية الوطنية، عبد الحكيم بلعابد، خلال الموسم الدراسي الماضي، أن نشاط تقديم الدروس الخصوصية أمر “مخالف للقانون” لأنه يوفر لأصحابه مداخيل غير مصرح بها، فضلا عن كونه يمارس في فضاءات عشوائية وغير مناسبة وغير مراقبة كالمستودعات.
وأشار سابقا، إلى اتخاذ جملة من التدابير الإضافية لوضع حدّ لهذه الظاهرة التي استفحلت وبصورة رهيبة السنوات الأخيرة، مُعتبرا أن مُمارسات بعض الفاعلين التربويّين ميدانيا “تتنافى مع التوجيهات وتُسيء إلى أخلاقيات مهنة التعليم ونُبل رسالتها، وتمسّ بالمبادئ التي تسيِّر العلاقة التربويّة البناءة بين المُعلم والمُتعلم”.
ومن التدابير التي اتخذتها وزارة التربية الوطنية للقضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية، توعية التلاميذ وأوليائهم بعدم تشجيعها ووضع كامل ثقتهم في المؤسسة التعليمية التي تعتبر الوحيدة المؤهلة لتقديم تعليم ذي جودة ووفقا للمعايير البيداغوجية وفي ظروف لائقة، إضافة إلى إبقاء المؤسسات التعليمية مفتوحة في كامل أيام الأسبوع لاستقبال تلاميذ أقسام الامتحانات النهائية المُستفيدين من حصص الدعم المؤطّرة، ناهيك عن تخصيص ساعات خارج أوقات الدراسة للمراجعة والأعمال ضمن أفواج داخل المؤسسات التعليمية، وخاصة أمسية الثلاثاء والعطل الأسبوعية والأسبوع الأول من عطلتي الشتاء والربيع.
مليون ونصف شهريّا يدفعها التلميذ الواحد
ورغم ذلك، باتت الدّروس الخصوصيّة واقعا لا مفرّ منه لكثير من العائلات، التي باتت تدفع الغالي والنفيس لتمكين أطفالها المتمدرسين من دروس خصوصية في المواد التعليميّة التي يجدون صعوبة في فهمها، أو التي تكون نتائجهم فيها بين المتوسطة والضعيفة.
ورغم أنه لم يُثبَت أن الدّروس الخصوصية كانت عاملا رئيسيا في نجاح تلاميذ، والدليل أن غالبية المتفوقين في شهادة البكالوريا يؤكدون اكتفاءهم بدروسهم العاديّة في الأقسام النظامية. ومع ذلك الظاهرة في انتشار رهيب، لدرجة بات حتى خريجو الجامعات والذين لا يملكون أدنى فكرة عن تعليم وتأطير التلاميذ، يقدّمون هذه الدروس بل باتوا مشاهير فيها، بسبب نشرهم حصصهم التدريسيّة على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، وما يتخلّلها من ضحك ومرح يُغري كثيرا من التّلاميذ على التسجيل فيها.
وفي هذا الصدد، رصدت “الشّروق” أياما قبل الدخول المدرسي وتحديدا في شهر أوت المنصرم، إعلانات منشورة في الشّوارع وعبر “السوشل ميديا” لأساتذة وجامعييّن يقدمون دروسا خصوصية خلال الصائفة، وما لاحظناه هو ارتفاع أسعارها مقارنة بالسنة المنصرمة.
فمثلا رصدنا إعلانا لأستاذ من ولاية تيبازة يقدم دروسا في مادة الرياضيات للمقبلين على شهادة البكالوريا، بمبلغ مليون ونصف مليون سنتيم شهريا للتلميذ الواحد..! وبلغنا أن أستاذا آخر يصل مدخوله الشّهري عن الدروس الخصوصيّة لـ50 مليون سنتيم في الشهر.
دروس دعم لأطفال الطور التحضيري..!
ومن جهة أخرى، يختار الكثير ممن يقدمون دروسا، أوقاتا لاستقبال التلاميذ، غير مناسبة إطلاقا لأطفال ومراهقين، بسبب انشغالهم صباحا في التعليم النظامي، ولأن فصل الشتاء أين تغرب الشمس باكرا، فالتلاميذ سيكونون معرّضين للخطر خاصة ممن يتنقلون عبر وسائل النقل العمومي أو سيارات الأجرة.
وفي هذا الصدد، أخبرتنا سيدة تقطن ببلدية برج الكيفان بالجزائر العاصمة، بأنها سجلت ابنتها المقبلة على اجتياز شهادة البكالوريا هذه السنة، لتلقي دروس دعم في مادة الفيزياء لدى أستاذ “معروف” ببلدية الرغاية، والغريب أن حصّة الدعم تبدأ من الساعة الخامسة مساء وتنتهي على السابعة.
وتقول محدثتنا: “اتصلت بي ابنتي الأسبوع المُنصرم وهي خائفة ومذعورة بعدما وجدت نفسها مع زميلاتها في الشارع في السابعة مساء، ولم يجدن أي حافلة تنقلهُنّ، وفي النهاية تنقل جدّ إحدى التلميذات ونقل 5 تلميذات دفعة واحدة في سيارته إلى منازلهن”.
ومن المُضحكات المبكيات، أنّنا سمعنا عن معلمة تقطن بحيّ باب الواد بالجزائر العاصمة، تقدّم دروس دعم لتلاميذ الطور التحضيري..! فالطفل يدرس عند هذه المعلمة صباحا في الطور التحضيري، ثم يقصدها مساء أيضا لتلقي دروس الدعم، في سلوك سلبي وخطير دفعه إليه أولياؤه، وهو لا يزال طفلا بحاجة لساعات لعب أطول.
يعلمون التلاميذ حلّ تمارين الرياضيات بالحفظ لا الفهم
ووصف الأمين العام للنقابة الجزائرية لعمال التربية “السات”، محمد بلعمري في تصريح لـ”الشروق”، الدروس الخصوصية بـ”الكارثة في حق أبنائنا” التي يقدمها غالبا أشخاص لا علاقة لهم بقطاع التربية ويفتقرون إلى منهجية التدريس. والأكثر خطورة، بحسبه، أن أستاذ الدروس الخصوصية لا يحترم تسلسل الدروس والبرنامج التربوي الدراسي للتلميذ.
وقال بلعمري: “مُقدمو الدروس الخصوصيّة، يُعلّمون التلميذ مثلا حلّ التمارين عن طريق التلقين والحفظ وليس الفهم حتى في المواد العلمية كالرياضيات، وهذا أمر خطير، يجعل الطفل لا يستخدم عقله وذكاءه، ويصبح مثل الببغاء”.
“وفي بعض الأحيان، يحدث تصادم بين ما يتلقاه التلميذ في المؤسسات المدرسية، وما يستقبله في مستودعات الدروس الخصوصية التي لا تحترم المقرر الدراسي، وتقدم له دروسا وتمارين لم يتلقها بعدُ في المدرسة”، على حد قوله.
وكشف أن أساتذة المدرسة، كثيرا ما يتلقون أجوبة من تلاميذ على تمارين لم يدرسوها بعدُ في القسم النظامي، وهذا مخالف، بحسب بلعمري لطريقة تلقين التلميذ للمعلومات بالمدرسة العموميّة وفق طريقة منهجيّة سليمة وبإشراف مدير ومفتش، والأمر يشكل عبْئا إضافيا على الأستاذ بالمدرسة.
وانتقد أمين عام “السّات” ما وصفه “تكديسا” بين 60 و70 تلميذا في مكان غير مهيّأ لاستقبال أطفال، وعدم اهتمام الأستاذ بإفهامهم جميعا، مع خطر انتشار أمراض معدية بينهم، في مقابل جمْعه المال.
ونصح بلعمري الأولياء، بعدم اعتبار الدروس الخصوصية مفتاح نجاح أبنائهم من ضعيفي المستوى “لأنّ أغلبية الأذكياء والناجحين لم يتلقّوا دروس دعم، وكيف لحصّة ساعة أن تجعل تلميذا ناجحا”، وقال بأن هذه الظاهرة نشرتها العائلات الميسورة، التي كانت تُحضر أساتذة لتدريس أبنائها دُروس دعم بالمنازل، ثم تحولت إلى ظاهرة اجتماعية استنزفت جيوب الأسر متوسطة وضعيفة الدخل، ومع ذلك يتسابقون إليها.
وحمّل بلعمري محمد، الدروس الخصوصية بعض المسؤولية في تدهور المنظومة التربوية والمستوى التعليمي للتلاميذ، على حدّ تعبيره.
ومن جهته، وصف الأمين العام الوطني للنقابة المستقلة لعمال التربية والتكوين “ساتاف” بوعلام عمورة، في تصريح لـ”الشروق”، عودة الدروس الخصوصية مع انطلاق الدخول الاجتماعي بـ”عودة المافيا”، بحسب تعبيره، داعيا إلى تدخل مصلحة الضرائب ووزارة التجارة لمراقبة مداخيل هذه الظاهرة غير المقننة التي تحولت إلى نشاط تجاري يُدرّ الملايير على أصحابه، “خاصّة وأن كثيرا من المدارس الخاصة تؤجّر أقساما لأساتذة يقدّمون فيها دروسا خصوصية بكل أريحيّة، وهذا مُناف للقانون”.
واقترح عمورة تنظيم نشاط الدروس الخصوصية في ظل صعوبة القضاء عليها، على غرار دول متطورة، عن طريق إخضاع أصحابها لامتحانات مثلا لتقييم مهاراتهم في التدريس.
حرموا أولادهم حقّهم الطبيعي في اللّعب
وفي الموضوع، يعتبر المختص في علم النفس التربوي، محمد بن بريكة في تصريح لـ”الشروق”، بأن ظاهرة الدروس الخصوصية تحوّلت لدى كثير من العائلات من وسيلة لتحفيز التلميذ وتحسين مستواه الدراسي إلى “تقليد للغير، بمعنى أن ابن جارتي يتلقى دروس دعم، إذا ابني ليس أقل شأنا منه.. بل ويضطر بعض الأولياء إلى الاستدانة من الغير أو بيع أشياء نفيسة لتأمين مصاريف الدروس الخصوصية”، على حد قوله.
أما البقية، ممن تعتقد أن الدروس الخصوصية تساهم في تحسين مستوى أبنائهم ورفع علاماتهم في القسم، “فالغريب، أنهم يحرصون على إيقاظ أولادهم لتلقي دروس الدعم، ويشددون عليهم بالتركيز مع الأستاذ وحل تمارينه في المنزل، في وقت يتجاهلون كليا تلقين أبنائهم سلوك احترام الأستاذ في القسم النظامي، بل ويحتجون على أي سلوك يصدر من المدير أو الأستاذ في حق ابنهم بالمدرسة ولو كان مخطئا”. وهذه المعادلة وصفها محدثنا “بالغريبة جدا”، وخصوصا أن كثيرا من التلاميذ المواظبين على الدروس الخصوصية لم تتحسن مستوياتهم الدراسية أبدا.
وفي التفسير النفسي للظاهرة، أكد بن بريكة، أن تلقي الدروس الخصوصية سلبياته أكثر من إيجابياته، لأن هذه الظاهرة تعلم الطفل ومنذ الصغر “الاتكال على الغير في حياته، وتجعل قدراته العقلية في التفكير والاجتهاد والبحث والتركيز محدودة، كما تحد من قدراته في الإبداع والتميز، ويكبر بشخصية غير متوازنة وقد ينهار أمام مصاعب الحياة التي يعجز عن مواجهتها بمفرده دون تدخل من والديه”.
ويتأسف المختصّ النفسي، لكون كثير من الأولياء قضوا على حقّ أطفالهم الطبيعي في اللعب والمرح، وعوّضوه بالدروس الخصوصية، لدرجة أن بعض التلاميذ يجلسون في أقسام الدروس الخصوصية غير مُركّزين إطلاقا، بل يذهبون خوفا وإرضاء لأوليائهم فقط.