الدستور والرئيس والجيش
يحقق النظام الديمقراطي المبني على الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية) استقلالية العدالة وازدهار المؤسسات الاقتصادية والصناعية وتعزيز المؤسسة لعسكرية المحترفة، لأن السلطة في هذا النظام تتغير لكن الدولة تبقى قائمة ولا يوجد فيها من يعبث بالدستور أو يهيمن على السلطات الثلاث، فمفهوم الدولة واضح لدى الجميع والتداول على السلطة يكفله الدستور، فهل تستطيع الجزائر أن ترقى إلى مستوى الدولة التي لا تزول بزوال الرجال ويكون فيها الرجل المناسب في المكان المناسب ولا تختصر في شخص الرئيس أو الجيش؟.
دساتير رؤساء أم دساتير شعوب؟
حين انتهت عهدة الرئيس فلاديمير بوتين لم يطلب تغيير الدستور وإنما ترك الرئاسة لغيره وتولى رئاسة الحكومة، وبعد ذلك أعيد إلى الرئاسة عبر الانتخابات، فهو بمنظور المشرع الروسي احترم الدستور وإن كان في نظر المعارضة الروسية احتيال سياسي، فهل يجرؤ رئيس في دولة عربية على القيام بمثل هذا الاحتيال المحترم؟.
ما قامت به الجامعة العربية من منح مقعد الدولة السورية إلى الثوار هو خطوة غير مسبوقة قد تسمح بخطوات أخرى أخطر لمن يتحكم في هذه الجامعة مما يعني أنه بإمكان أمريكا أن تغير أي نظام بالضغط عليها كلما ظهرت معارضة سلمية أو مسلّحة في هذه الدولة أو تلك حتى تسحب الاعتراف من النظام الذي لا تباركه.
ويبدو أن تمسك أصحاب القرار في الجزائر بنظام “الدستور شبه الرئاسي” المستنسخ عن الدستور الفرنسي الذي كان سائدا في مستعمراتها السابقة يطمئن “حزبها في الجزائر” ويبعد النظام عن أي تغيير محتمل خاصة إذا أدركنا أن الاسلاميين في الجزائر يطالبون بدستور برلماني وفق البند 25 من “بيان خمسينية الاستقلال لتكتل الجزائر الخضراء الذي ينص على أن: “المجتمع الديمقراطي المنشود يبدأ بإعادة صياغة دستور ديمقراطي برلماني توافقي ضامن لحق العيش المشترك، يتأسس على قاعدة نقاش واسع، يكون فيها الشعب شريكا أساسيا في الاقتراع والتأسيس قبل أن تصل المسودة إلى آخر مراحل الصياغة الدستورية يوم الاستفتاء”.
وإذا كنا نفكر جديا في أن ننقل الجزائر من الوضع الراهن القلق إلى وضع الدولة صاحبة القرار في الجامعة العربية وصاحبة المواقف الثابتة في الأمم المتحدة فما علينا إلا العودة إلى الشعب بإجراء نقاش واسع حول أنواع الدساتير حتى نمكنه من اختيار الدستور الذي يلائمه من بين الدستور البرلماني والدستور الرئاسي والدستور شبه الرئاسي، ويمكن للأحزاب أن تشرح للناس هذه الدساتير حتى يتم التصويت الحقيقي على الدستور الذي يستجيب لقناعات الأغلبية لأن التعديلات كانت في معظمها لخدمة السلطة فهل هناك إرادة حقيقية لصياغة دستور جديد في مستوى تطلعات الشعب؟.
.
سيناريوهات الاستمرارية والتغيير
إذا تم وضع دستور جديد وفق هذه الطموحات فإن رئاسيات 2014م ستكون تغييرا جذريا لأنها ستأتي برئيس يحمل مشروعا جديدا محددا زمنيا بفريق عمل مقتدر يستطيع أن يعيد الاعتبار للجزائر ويعيد ثقة المواطن في السلطة ويضع حدا للفساد ومن يقفون وراءه.
أما إذا استمر مسلسل التعديلات الدستورية الذي يشبه الجزء الثاني من مسلسل الخليفة فإننا نتوقع المزيد من الصعوبات التي كان مؤشرها الأول هو إرجاء عقد قمة لدول اتحاد المغرب العربي التي قد تؤدي إلى حل المشاكل العالقة بين الجزائر ودول الجوار التي لم تقتنع بفكرة اللاأمن مما جعل المراقبين يفسرون الموقف الرسمي من رفض المشاركة في القمة بـ”الخوف من دول الربيع العربي” و”الانشغال بالتحضيرات للعهدة الرابعة” التي سيبدأ حزب جبهة التحرير بالدعوة إليها، ويشرع حزب التجمع الوطني الديمقراطي في إنشاء لجان المساندة لها.
غير أن العارفين بالشأن الجزائري يعتقدون بأن المرشحين الاحتياطيين للرئاسيات من الوزن الثقيل يمتنعون عن الدخول في منافسة الرئيس ويرجحون إعلان الرئيس بوتفليقة عن عدم ترشحه عشية غلق ملفات الترشح لرئاسيات 2014م وعندها يبقى المرشحون الذين لا يستوفون الشروط وحدهم أمام المجلس الدستوري الذي سيعلن “شغور” منصب الرئاسيات فيؤدي ذلك إلى أزمة دستورية تدفع بأصحاب القرار إلى دعوة بوتفليقة رسميا عبر المجلس الدستوري إلى تولي قيادة البلاد لمرحلة انتقالية تكتمل بانتخاب رئيس جديد يكون للرئيس رأي فيه، وبهذه الطريقة تتجنب البلاد والعباد المواجهة بين المؤين للعهدة الرابعة والرافضين لها، وهكذا ينقذ الرئيس الجزائر من أي تغيير محتمل.