الرأي
حين يكتب المؤرخ بورتريه الأديب

الدكتور محمد ناصر في ذاكرة أبي القاسم سعد الله

بقلم: عبد القادر عزام عوادي
  • 607
  • 0

ودّعت الجزائر منذ أسابيع قليلة واحدًا من أعمدتها الفكرية والأدبية: الدكتور محمد ناصر، الأديب والباحث الذي ملأ الساحة الثقافية الجزائرية بأعماله وكتاباته، ثم غاب عنها بجسده، تاركًا أثرًا خالدًا في المكتبة الوطنية والعربية. رحيله لم يكن حدثًا عابرًا؛ بل مثّل لحظة استرجاع لجيل كامل من المثقفين الجزائريين الذين عاشوا بين الشعر والبحث، بين الأمل والخذلان، بين التقدير والتهميش.

لكن الأهم أن صورة محمد ناصر لم تحفظها مؤلفاته فقط، بل وثّقها أيضًا شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله في مذكراته الضخمة مسار قلم. من خلال تلك الشهادات، نقرأ بورتريهًا فريدًا: صورة أديب بارع، باحث دقيق، صديق وفيّ، ومثقف صابر على محنة المرض. إنّنا إذ نقرأ محمد ناصر في ذاكرة سعد الله، نقرأ في الحقيقة جزءًا من ذاكرة الجزائر الثقافية المعاصرة.

ترجمة للدكتور محمد ناصر:

ولد الابن محمد نجل السيد صالح بن سليمان (بربوشة) و السيدة لالة بنت حمو حمدي أوباله في يوم: 13 رمضان 1357هـ ، الموافق لـ:  06 نوفمبر 1938 م، بالقرارة، ولاية غرداية، وهو الذكر الثالث، والرابع في ترتيب الأبناء البالغ عددهم ثمانية (ستة ذكور وأنثيان).

التحق “محمد” بمدرسة الحياة الابتدائية في أكتوبر 1945 في يوم لا ينمحي من ذاكرته؛ فقد احتفل به كل من في البيت، واستقبله مدير المدرسة السيد بسيس قاسم بن الحاج سعيد رفقة المعلمين في جو تحفيزي يشدّ الأبناء إلى التعلم.

وفي 3 فيفري سنة 1954 استظهر القرآن الكريم على يد الشيخين الإمام حميد أوجانه أحمد بن الحاج إبراهيم والشيخ بسيس عمر بن الحاج سعيد، ويعتبر “محمد” ليلة استظهاره للقرآن الكريم أجمل أيام حياته مع ليلة الزواج في ماي 1959، وقد تزامنت الدراسة في مدرسة الحياة الابتدائية -التي كانت بنظام التعليم الحرّ- مع الدراسة النظامية الإجبارية في “المكتب  الفرنسي” (ليكول)، وما كان يشدّه فيه العناية بالنظافة والرياضة والعلوم التطبيقية.

وباستظهاره للقرآن الكريم انتقل إلى مرحلة جديدة في حياته هي الانضمام إلى معهد الحياة الثانوي في 3 فيفري 1954، ولم تكن طريق الدراسة في المعهد سهلة مفروشة بالورود بل اعترضت الابن محمد بعد الهزات؛ فقد كانت الرؤية المادية من بعض المحيطين به تسبب له المراجعات الداخلية، وكانت تؤثر في توجهه العلمي ودراسته، وتجعله يراجع هذا المسار لولا معارضة والديه الشديدة، ولولا وقوف أخيه سليمان الذي كان سنده في تلبية حاجاته المادية دون ملل أو منٍّ أو أسف، تخرج الطالب محمد في معهد الحياة الثانوي بحصوله على شهادة التعليم الثانوي في جوان 1959.

وفي شهر ماي من سنة 1962 وصل الشاب محمد ناصر إلى القاهرة بعد أن طاف عدة بلدان عربية وأداء مناسك الحج، وكان طموحه مواصلة الدراسة بجامعة القاهرة ولكن نظرا لعدم الاعتراف بشهادة معهد الحياة بمصر وجد بعض العثرات في التسجيل، ولكن هذا الأمر زال وجاءه بعد عدة أشهر الشيخ البشير الابراهيمي بخبر قبوله بجامعة القاهرة بكلية الآداب وكان ذلك يوم 15 جانفي 1963، وتعلم هناك على العديد من كبار الأدباء المصريين والتقى بالكثير من طلبة العلم من مختلف البلاد العربية، وتخرج من جامعة القاهرة بشهادة الليسانس سنة 1966.

ليلتحق سنة 1971 بالجامعة المركزية بالجزائر العاصمة كأستاذ مساعد في الأدب العربي، بعد أن قام بالتدريس بضع سنوات بمعهد الحياة بالقرارة، وناقش رسالته للدكتوراه في 12 جوان 1972 والتي أشرف عليها الدكتور شكري فيصل من دولة سوريا.

ليخوض بعدها مرحلة أخرى في ميدان البحث الاكاديمي ونيله لشهادة دكتوراه دولة، ولكن مرت هذه المرحلة بالعديد من الظروف الصعبة والقاهرة حتى استقر له الأمر في النهاية سنة 1980 تحت اشراف الدكتور عبد الله الركيبي وناقش هذا العمل سنة 1983 وينال عمله حول الشعر الجزائري الحديث تهنئة اللجنة التي كانت مكونة من شخصيات علمية أدبية رفيعة، واستمر الدكتور محمد ناصر في اجتهاده وجهاده في الجامعة المركزية مدرّسا وباحثا، مشرفا ومناقشا، وعاش الجوّ الثقافي في الجامعة المركزية في كلياته، في جوّ التيارات الفكرية والتوجهات الثقافية.

وفي سنة 1991 انتقل الدكتور محمد ناصر الى سلطنة عمان لخوض تجربة علمية أخرى هناك، دام الـمُـقام هناك 7 سنوات كانت ملأى بالحيوية والنشاط وبالإنتاج العلمي، بما وجد من بيئة مشجّعة على الإنتاج ومقدّرة للباحثين الجادّين؛ فسجّل أكثر من 500 حديث مسجل في الإذاعة العمانية، ونشر 14 كتابا، إضافة إلى مشاركته في إعداد الكتب المدرسية لطلبة المعاهد الدينية في سلطنة عمان وزنجبار، في إقامته المؤقتة بسلطنة عمان سنة 2002، بدأت تشتدّ عليه أعراض المرض فأحسّ بآلام حادّة في المفاصل واضطراب في ضغط الدم امتدّت لأكثر من سنتين لم تصل الفحوصات الطبية الكثيرة في سلطنة عمان وفي الجزائر إلى تشخيص المرض بدقة، وتأكدت الإصابة به في شهر فيفري 2004 عند عودته من سلطنة عمان؛ فكان أن أصيب بقصور كلوي حادّ.

وابتدأت تجربة حياة جديدة في حياة الدكتور ناصر وهو في عمر السادسة والستين، فَكَرِه كل شيء حوله، بل وهجر مكتبه، ودامت حالته شهرا كاملا في حالة غير مستقرة في ضغط الدم، ولا أكل يستمرؤه. فصعُب عليه تقبّل الأمر في بدايته؛ فقد كان عليه إجراء الغسيل الكلوي ثلاث مرات في الأسبوع، وهو المرض الذي بقي ملازما له إلى غاية وفاته رحمه الله.

نتطرق الآن إلى ما دونه شيخ المؤرخين في مذكراته الخاصة المعنونة ب: مسار قلم، وهي عشرة مجلدات كاملة، صدر منها سبعة أجزاء في حياته، وصدرت ثلاثة أجزاء بعد وفاته.

وأول ظهور لمحمد ناصر في مسار قلم مرتبطًا بالشعر. ففي يوم 5 جانفي 1973، حضر سعد الله أمسية شعرية بالجزائر العاصمة، شارك فيها تسعة شعراء شباب من بينهم محمد ناصر. وصفهم سعد الله بأنهم “يبشرون بخير في الحركة الشعرية الجزائرية”.

هذا الوصف البسيط يفتح الباب لفهم مرحلة مبكرة من مسار ناصر: البداية بالشعر، باعتباره اللغة الأكثر التصاقًا بالوجدان والهوية، قبل أن يتجه نحو البحث العلمي. هنا تبرز ملامح مثقف لا يكتفي بالتلقي، بل يشارك منذ بداياته في صناعة المشهد الأدبي، حاملاً همّ الكلمة وقضايا الوطن.

إن ظهور ناصر في أمسية شعرية في السبعينيات ليس تفصيلًا صغيرًا؛ فهو دليل على أنّ مشروعه الفكري لاحقًا لم يأت من فراغ، بل تأسس على تجربة وجدانية ولغوية صقلته، ثم نقلته إلى فضاءات أوسع من النقد والبحث الأكاديمي.

الباحث البارع

بعد سنوات من تلك الأمسية، نجد سعد الله في دمشق، ويلتقي مع الأستاذ الكبير شكري فيصل الأديب السوري والمشرف على الدكتور محمد ناصر في رسالة الدكتوراه. ينقل لنا سعد الله، في هامش من مذكراته بتاريخ 28 جانفي 1977، وصفًا لناصر بأنه “الأديب البارع والباحث الخبير”.

بهذه العبارة، يقدم سعد الله صورة مركبة: ناصر الذي لم يتخلّ عن حسّه الأدبي، وفي الوقت نفسه يرسّخ مكانته كباحث أكاديمي. هنا تتضح ملامح المنهج الذي تبناه لاحقًا في أعماله: الجمع بين جماليات الأدب ودقة البحث. لقد أنتج دراسات رصينة حول تاريخ الصحافة الجزائرية، وكتب تراجم لرموز النهضة الوطنية، لكنه ظلّ يكتب بلغة قريبة من القارئ، لا تنغلق في أبراج المصطلحات الجامعية الجافة.

محمد ناصر في عيون سعد الله: رفيق دروب

ما يلفت في مسار قلم أنّ ذكر ناصر لم يكن مقصورًا على الهوامش الأكاديمية، بل جاء في سياقات إنسانية ورفاقية. ففي منتصف ماي 1990، شارك سعد الله في ندوة بغرداية عن الشيخ أيوب إبراهيم القرادي. خلال هذه الزيارة، كان ناصر رفيقهم ومضيفهم، عرّفهم بعائلات المنطقة وتقاليدها. هذه الصورة تُظهر ناصر ليس كباحث فقط، بل كجسر يربط بين المثقف وبيئته، بين الجامعة والمجتمع.

وفي 2001، خلال إقامة سعد الله في سلطنة عمان، تواعد مع ناصر للقاء في مسجد السلطان قابوس. لم يتحقق اللقاء بسبب الزحام، لكن الحادثة تكشف عن استمرار خيط العلاقة بين الرجلين عبر الزمن والمكان. وفي 2004، زاره سعد الله في منزله بالجزائر العاصمة، فوجده منهمكًا في إعداد قصيدة للأطفال رغم معاناته مع مرض الكلى.

هذه التفاصيل الصغيرة تعكس عمق العلاقة: ليست علاقة بروتوكولية بين مؤرخ وأديب، بل رفقة عمر، جمعتها قضايا الثقافة والذاكرة، وأثقلتها هموم الوطن والمرض.

المرض والتهميش

أكثر ما يؤلم في شهادة سعد الله عن ناصر هو الوجه المزدوج لمعاناته: مع المرض ومع التهميش. ففي عمان سنة 2001، كتب سعد الله أن ناصر “تغيّر كثيرًا… وأصبح ساخطًا على جامعة الجزائر لأنها لم تعترف له بالترقية”. هذا التوصيف يلخص أزمة عاشها كثير من الباحثين الجزائريين: غياب الاعتراف المؤسساتي رغم الإنتاج الغزير.

زاد المرض من حدة المعاناة. إصابته بالعجز الكلوي فرضت عليه جلسات تصفية دم ثلاث مرات في الأسبوع، إلى جانب إصابته بالسكري. ومع ذلك، ظل يكتب وينتج، متحديًا جسده المنهك. كتب سعد الله: “إرادته الحديدية أبقته يشتغل فكريًا دون توقف وقد أنتج عدة أعمال وهو في هذه الحالة”.

إنها صورة مأساوية-بطولية: مثقف يحارب على جبهتين، ضد الإقصاء وضد المرض. وهذه الصورة تجعل من ناصر رمزًا لمثقف جزائري لم ينكسر، رغم كل ما واجهه.

قصيدة الوفاء: حين يكرم الأديب مؤرخ الأمة

من اللحظات المضيئة التي يرويها سعد الله تلك التي جرت يوم 2 ماي 2007، حين كُرّم بوسام “العالم الجزائري”. في الحفل، ألقى محمد ناصر قصيدة مؤثرة في مدح سعد الله. كتب سعد الله عنها أنها “كانت جميلة ومؤثرة رغم معاناته مع مرض السكري”.

القصيدة لم تكن مجرد مشاركة بروتوكولية، بل كانت فعل وفاء من أديب لأستاذه وصديقه. لقد أراد ناصر أن يقول لسعد الله إن التكريم الحقيقي لا يُختزل في الأوسمة، بل في الكلمة الصادقة التي تبقى. بعد عام، انعكست الأدوار: كُرّم ناصر نفسه، فكتب سعد الله كلمة عنه نُشرت في الصحافة، ردًّا لجميل الوفاء بوفاء مماثل.

هذا التبادل الرمزي يجعل من العلاقة بين الرجلين نموذجًا لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين المثقفين: تقدير متبادل، اعتراف متواصل، وإصرار على حماية بعضهم من النسيان.

محمد ناصر والتأريخ للصحافة الجزائرية

إلى جانب الشعر والنقد الأدبي، كان لمحمد ناصر إسهام بارز في التأريخ للصحافة الجزائرية. كتب دراسات توثيقية وتحليلية حول نشأة الصحافة الوطنية، وتابع مسارها في ظل الاستعمار وبعد الاستقلال.

أهمية هذا العمل تتجلى في كونه لم يكتف بالتوثيق، بل قرأ الصحافة كظاهرة ثقافية وسياسية، تعكس نبض المجتمع وتحولاته. وهذا ما جعل سعد الله نفسه يعتمد على بعض أعمال ناصر في توسيع ترجماته وتوثيقاته لشخصيات مثل أبي اليقظان، الذي كان من أبرز رواد الصحافة الجزائرية.

إن عمل ناصر في هذا المجال يؤكد أنه لم يكن مجرد “أديب شاعر”، بل باحث حقيقي في التاريخ الثقافي، يسعى إلى إعادة كتابة الذاكرة الوطنية عبر أدوات الصحافة والأدب معًا.

ناصر كباحث ميزابي: الهوية والانتماء

لا يمكن قراءة محمد ناصر دون استحضار انتمائه إلى وادي ميزاب. فهذا الفضاء الثقافي والاجتماعي منح الجزائر نخبة من الباحثين المتميزين، الذين جمعوا بين الأصالة والانفتاح. سعد الله نفسه أشار إلى ناصر باعتباره “من أبرز باحثي أهل ميزاب في وقتنا”.

هذا الانتماء لم يكن مجرد خلفية جغرافية، بل مكوّنًا هوياتيًا أساسيًا. فقد كان ناصر يحمل همّ الهوية الجزائرية الجامعة، لكنه ظلّ مرتبطًا بعمق بتراث ميزاب، موثقًا لعائلاته ورموزه. في هذا السياق، يمكن القول إن ناصر جسّد نموذج الباحث الذي ينطلق من المحلي ليصل إلى الوطني والعربي.

ناصر كصورة لجيل كامل

حين نقرأ صورة ناصر كما رسمها سعد الله، ندرك أنها ليست مجرد بورتريه فردي، بل نموذج لجيل كامل من المثقفين الجزائريين: جيل بدأ بالشعر، انتقل إلى البحث، اصطدم بالتهميش، وحارب المرض، لكنه ترك إرثًا فكريًا غنيًا.

إنها صورة تتكرر بأسماء مختلفة: عبد الحميد مهري في السياسة، مالك بن نبي في الفكر، وأبو القاسم سعد الله نفسه في التاريخ. كلهم واجهوا قدرًا من العزلة والتهميش، لكنهم ظلوا أوفياء للقلم. محمد ناصر، بهذا المعنى، ليس حالة فردية، بل حلقة في سلسلة طويلة من المثقفين الذين صنعوا ذاكرة الجزائر الحديثة.

ختاما: الذاكرة مسؤولية جيل

اليوم، بعد رحيل محمد ناصر، يصبح السؤال: ماذا نفعل بهذه الذاكرة؟ سعد الله أدّى دوره حين وثّق حياة صديقه ومواقفه. لكن مسؤولية الجيل الحالي هي أن يواصل هذا العمل، لا بالحنين فقط، بل بالبحث والتحليل والنشر.

إنّ إنصاف محمد ناصر يعني إعادة الاعتبار للذاكرة الثقافية الجزائرية، والتأكيد على أن المثقف الجزائري، مهما مرض أو هُمّش، يظل حاضرًا بقلمه وإرادته.

لقد كتب سعد الله عن ناصر: “كان نعم الأستاذ والأديب والباحث الدقيق”. ونحن اليوم نقول: كان محمد ناصر أكثر من ذلك، كان شاهدًا على جيل كامل، ورمزًا لمثقف لم يستسلم للنسيان.

مقالات ذات صلة