الرأي

الدوار‭ ‬الفلسطيني‭…‬

صالح عوض
  • 3794
  • 1

فتح وحماس حركتان فلسطينيتان كبيرتان، قدم الشعب الفلسطيني من خلالهما تضحيات جسيمة في معركة الوجود التي يخوضها ضد العدو، وفيهما ولهما مشاهد من البطولة التي يفخر بها الشعب والامة.. أما العلاقة بينهما فهي قصة الصراع الداخلي الذي يتواصل منذ اكثر من ثلاثين سنة.. صراع غير مفهوم وغير مبرر، ولا لغة فيه، ولا مواقف ولا مصطلحات.. انه خلاف بيزنطي في اكثر الأوقات، وتناحري في معظمها، بدأ من الجامعة الاسلامية في غزة في مطلع الثمانينيات حيث الضرب بالخناجر والجنازير، وانتهى بانقلاب حماس على السلطة الفلسطينية في غزة.. لا تستطيع ان تقول انه خلاف أيديولوجي او خلاف سياسي او خلاف في السلوك والقيم.. فقد تشابه الحزبان الكبيران في كل شيء، في العلاقة بالإقليم، والموقف من التسوية السياسية، والموقف من العمل العسكري والممارسة الإدارية، والتزام بقوانين التشريع الموروثة.. الحزبان الكبيران وصلا‭ ‬كل‭ ‬بطريقته‭ ‬الى‭ ‬استنتاجات‭ ‬سياسية‭ ‬متقاربة،‭ ‬ولم‭ ‬يعودا‭ ‬يتناقشان‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والأيدولوجيا،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الخلاف‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بأي‭ ‬من‭ ‬ملفات‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭.‬

ولكن الفصل الأسوأ في تاريخ العلاقة بين الحزبين الذي انعكس بشكل مأسوي على الشعب والقضية بدأ منذ وجدت حماس، انها تحصلت على الأغلبية في المجلس التشريعي الذي كانت ترى فيه انه خطيئة سياسية وعقدية عند الإعلان عنه لأول مرة.. وجدت حماس انها فرصة تاريخية لتصفية الحساب مع الأجهزة الأمنية التي قد تكون تجاوزت في مراحل سابقة، الا ان الامر تجاوز ذلك الى التصرف بانقلاب على السلطة وفتح النار على كل حركة فتح.. وهنا اخذ التعقيد مداه في الساحة الفلسطينية، ماذا تريد فتح وماذا تريد حماس؟ انه السؤال الذي لم تتم الاجابة عنه في كل‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬منذ‭ ‬اول‭ ‬مباحثات‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬مرورا‭ ‬باليمن‭ ‬ومكة‭ ‬والدوحة‭ ‬والقاهرة‭ ‬واسطمبول‭..‬‮ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬تمت‭ ‬تغطيته‭ ‬احيانا‭ ‬بشعارات‭ ‬سياسية‭ ‬وأحيانا‭ ‬بشرعيات‭ ‬الانتخابات‭ ‬وغيره‭.‬

لقد اصيب المجتمع الفلسطيني بدوار وهو يتابع تحركات الحزبين، وأصبح وجه عزام الاحمد وموسى ابومرزوق وجها الاتفاق والاختلاف، نجمان على شاشة التلفزيون يتعانقان ويتضاحكان ويبتسمان ويجيدان الوقوف امام عدسات الكميرا.. وعقب كل لقاء يبدأ المسلسل بكلام لطيف ومغازلات بين الطرفين ثم تبدأ الاختراقات من هذا الطرف او ذاك، او يبدأ ما يفسره هذا الطرف او ذاك بأنه اختراق لما تم التوافق عليه.. ولا يمكن ان نغفل لو لحظة واحدة تآمر عصابات في الضفة او غزة استفادت من الانقسام الفلسطيني لأن الوحدة تعني انهم وأبناء مناطقهم سيفقدون مواقع‭ ‬حساسة‭ ‬ومناصب‭ ‬استولوا‭ ‬عليها‭ ‬بغير‭ ‬حق‭ ‬ولا‭ ‬كفاءة‮.. ‬ستحرمهم‭ ‬من‭ ‬التسقط‭ ‬على‭ ‬لحم‭ ‬الشعب‭ ‬وقوته‭..‬‮ ‬ولا‮ ‬يجوز‭ ‬ان‭ ‬نغفل‭ ‬لو‭ ‬ثانية‭ ‬جهود‭ ‬الاعداء‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الجزبين‭.‬

انه الدوار الفلسطيني غير المبرر وغير المقبول وغير المفهوم.. الدوار الذي يتواصل منذ اكثر من ستة اعوام.. وأن المخرج واضح لا بديل عنه، انه قيام الرئيس الفلسطيني بخطوات وإجراءات بدون التفات لشروط فتح او حماس لتوحيد المؤسسات، وأنه سيجد ان كل الشعب معه.. وأن لا يعطي شرعية للاحزاب مهما كبرت كي تكون متحكمة بمصير الشعب.. الرئيس الفلسطيني الآن، وفي هذه المرحلة، ليس سواه القادر على انهاء الدوار المرهق.. لدى الرئيس المؤسسات الكافية التي تمتلك المشروعية لاتخاذ القرارات والاجراءات.. فهل ينهي الفلسطينيون هذا الفصل الرديئ من‭ ‬تاريخهم؟؟

مقالات ذات صلة