الرأي

الدولة الإسلامية دولة‮ “‬مدنية‮”‬

حمزة يدوغي
  • 2563
  • 0

لم‮ ‬يعرف الفكر السياسي‮ ‬مصطلحا كان ولا‮ ‬يزال أكثر عرضة للالتباس ولإثارة الجدل بل وللفتن من مصطلح‮ “‬الدولة الدينية والدولة المدنية‮”‬،‮ ‬لقد شغلت العلاقة بينهما المفكرين المجتهدين قديما وحديثا في‮ ‬الشرق والغرب على‭ ‬حد سواء‮.‬

والمتتبع لحصيلة اجتهاد هؤلاء المفكرين في‮ ‬هذا المجال‮ ‬يجد في‮ ‬النهاية أن الإشكالية تتمثل في‮ “‬مرجعية‮” ‬هذه السياسة‮”‬،‮ ‬بمعنى أن هناك قاسما مشتركا قائما بين جميع المنظرين المجتهدين في‮ ‬مجال سياسة الحكم،‮ ‬هو الاتفاق على‭ ‬أن السياسة هي‮ “‬إدارة العلاقة بين الحاكم والمحكوم‮” ‬وهي‮ ‬السلطة العليا التي‮ ‬تحظى بالشرعية في‮ ‬المجتمعات البشرية‮. ‬والسؤال الجوهري‮ ‬هو‮: ‬ما مصدر هذه الشرعية؟

هل هو الطبيعة؟ هل هو التعاقد أم التفويض،‮ ‬كما‮ ‬يقول الفكر السياسي‮ ‬الغربي،‮ ‬أم أن هناك مرجعية أخرى‮ ‬غير الفكر الإنساني‮ ‬الوضعي،‮ ‬كما‮ ‬يرى‭ ‬الفكر السياسي‮ ‬الإسلامي‮.‬

إن الفكر الوضعي،‮ ‬كما نعلم جميعا،‮ ‬ليست له مرجعية لأنه‮ ‬يعتبر الإنسان هو الغاية وهو الوسيلة،‮ ‬أي‮ ‬أنه هو الذي‮ “‬يسطر المبادئ والقيم‮” ‬ثم‮ ‬يجعل منها‮ “‬مرجعية‮” ‬ينطلق منها في‮ ‬وضع سياسته الخاصة والعامة لتصريف شؤون المجتمع‮.‬

ولنفترض أن الإنسان راعى في‮ ‬سلوكه الاجتماعي‮ ‬هذه القيم والمثل والمبادئ التي‮ ‬تستند إلى‭ ‬فكر الإنسان الوضعي،‮ ‬فإنه لا‮ ‬يكون قد صنع أكثر من الوفاء بما التزم به أمام هذه المنظومة التي‮ ‬وضعها بشر مثله،‮ ‬وهو‮ ‬يعلم أنها لا تحمل أي‮ “‬حرمة أو قداسة‮” ‬بخلاف لو استندت هذه القيم والمثل والمبادئ إلى‭ ‬عقيدة دينية،‮ ‬فإنها حينئذ تصبح في‮ ‬نظره‮ “‬مقدسة‮” ‬يرتبط احترامها برضى الله سبحانه وحسن جزائه،‮ ‬وهذا هو جوهر الفرق بين‮ “‬الديني‮ ‬وبين الأخلاقي‮ ‬الوضعي‮”‬،‮ ‬فالمشترك العام بينهما هو اتفاقهما‮ – ‬نظريا‮ – ‬على هذه القيم نفسها،‮ ‬فالسياسة تنشد العدل والحرية والمساواة ورعاية حقوق الإنسان وما إلى ذلك،‮ ‬ولكن شتان ما بين من‮ ‬يقدسها ويجسدها في‮ ‬سلوكه امتثالا لأمر الله وابتغاء مرضاته واتقاء سخطه،‮ ‬وبين من‮ ‬ينظر إليها كنوع من العقد الاجتماعي‮ ‬والالتزام الأخلاقي‮ ‬لا‮ ‬غير‮.‬

وإذن فالحديث عن السياسي‮ ‬والديني‮ ‬في‮ ‬مجال الحكم،‮ ‬أي‮ ‬الدولة الدينية والدولة المدنية‮ ‬يقتضي‮ ‬استحضار جانبين‮:‬‭ ‬جانب مطلق وجانب نسبي،‮ ‬فالجانب المطلق‮ ‬يمثّل القيم الثابتة والمبادئ الخالدة خلود العقيدة التي‮ ‬أثمرتها،‮ ‬فهي‮ ‬لا تتغير في‮ ‬جوهرها بتغير الزمان والمكان،‮ ‬وهذه من شأن الخالق وحده سبحانه،‮ ‬فهو وحده القادر على‭ ‬التشريع للبشرية كلها لأنه أعلم،‮ ‬بشؤون خلقه وبما‮ ‬يصلح لهم،‮ “‬ألا‮ ‬يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير‮”‬،‮ ‬وأما الجانب النسبي‮ ‬فهو حصيلة اجتهاد البشر في‮ ‬إطار بيئة تحكمها ظروف الزمان والمكان‮.‬

فضعف السياسة الوضعية وقصورها ليس لأنها‮ “‬تعارض الدين‮” ‬ولكن لأنها تعمل‮ “‬خارج الدين‮” ‬هكذا وجد الفكر السياسي‮ ‬الإسلامي‮ ‬المعاصر نفسه أمام إشكالية لا بد من حلها هي‮ ‬إشكالية الدين والدولة،‮ ‬هل العلاقة بينهما توقيفية أم وضعية؟‮! ‬ولقد أفرز الاجتهاد في‮ ‬هذه القضية أفكارا وآراء بلغت حد التناقض فيما بينها بالقياس إلى‭ ‬قربها أو بعدها من الفهم الإسلامي‮ ‬الصحيح والسليم لهذه المسألة الحساسة،‮ ‬وقد زادت هذه الحدة عوامل موضوعية عديدة تعود إلى رواسب التخلف من جهة،‮ ‬وإلى تأثر بعض المثقفين المسلمين بالمدارس الغربية من جهة ثانية‮. ‬

والفهم الإسلامي‮ ‬الصحيح لهذه المسألة‮ ‬ينطلق من التمييز بين المطلق والنسبي‮ ‬في‮ ‬مجال المبادئ والقيم،‮ ‬فالوحي‮ ‬هو المطلق وهو مصدر المرجعية في‮ ‬مجال المبادئ والقيم والأصول الثابتة،‮ ‬وأما فهم الإنسان لهذه المبادئ والقيم فإنه‮ ‬يمثل نتيجة تفاعل النسبي‮ ‬مع المطلق،‮ ‬فالوحي‮ ‬يحدّد الأهداف ويرسم الغايات وأما ما‮ ‬يحتاجه تحقيق هذه الأهداف وبلوغ‮ ‬هذه الغايات من مناهج وأساليب وكيفيات ووسائل فإنه‮ ‬يترك ذلك لعقل الإنسان،‮ ‬يبتكر ويبتدع إن استطاع أو‮ ‬يقتبس ذلك من‮ ‬غيره إن أمكن له الاقتباس‮. ‬إذ الحكمة ضالة المؤمن‮ ‬يلتقطها أنّى وجدها‮. ‬وانطلاقا من هذه المسلمات نقول‮: ‬إن التسليم بأن الإسلام دين ودولة لا‮ ‬يكون صحيحا مجردا من كل لبس إلا إذا أردنا بذلك أن إقامة الدين باعتباره قيما ومبادئ لا بد له من إطار مدني‮ ‬تتجسد فيه هذه المبادئ والقيم في‮ ‬زمان ومكان معيّنين‮. ‬

هذا الإطار المدني‮ ‬الذي‮ ‬يضعه البشر‮ ‬يستند إلى المرجعية التي‮ ‬وضعت تلك المبادئ والقيم وذلك بعمل العقل المجتهد من أجل توفير الآليات التي‮ ‬يراها ملائمة ومسايرة لمنطق الواقع المتطور،‮ ‬ولقد تجسدت هذه الحقيقة منذ السنة الأولى من الهجرة النبوية وذلك في‮ ‬أول صحيفة مكتوبة وضعها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه،‮ ‬يسن فيها أسس الدولة الجديدة ويحدد معنى الأمة وأسس المواطنة وحقوق المواطن وواجباته،‮ ‬هذه الوثيقة التي‮ ‬يجمع النزهاء من المؤرخين والقانونيين على أنها أهم وثيقة في‮ ‬التاريخ تضمنت أرقى آشكال التنظيم السياسي‮ ‬والإداري‮ ‬والاجتماعي‮ ‬للدولة بتعبيرنا الحديث،‮ ‬لقد ميزت هذه الوثيقة بين أمة الدين وأمة السياسة،‮ ‬وهي‮ ‬خير رد على من‮ ‬يرى أن الإسلام‮ ‬يستند إلى مفهوم‮ “‬الدولة الدينية‮” ‬ويلغي‮ ‬مفهوم الأمة السياسية والاجتماعية‮. ‬إن‮ “‬الدولة الدينية‮” ‬قد انتهت بوفاة الرسول صلى الله عليه وعلى‭ ‬آله وصحبه وسلم،‮ ‬فقد كان في‮ ‬حياته صاحب السلطات كلها التشريعية والقضائية والتنفيذية بتعبيرنا الحديث،‮ ‬لأنه صلى‭ ‬الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا‮ ‬ينطق عن الهوى،‮ ‬فهو القاضي‮ ‬وهو الحاكم وهو المبلغ‮ ‬عن ربه سبحانه،‮ ‬يفصّل مجمل القرآن ويقيّد مطلقه ويخصص عامه،‮ ‬ومعنى ذلك أن الدولة الإسلامية‮ “‬دولة مدنية ذات مرجعية دينية‮” ‬في‮ ‬الأصول والمبادئ العامة،‮ ‬يراعي‮ ‬حكامها مصالح العباد بمنطق الواقع المتجدد والمتغير بتغيير الزمان والمكان‮.‬

إن الكتاب والسنة لم‮ ‬يرد فيهما نظام محدّد مفصل لكيفية تعيين الحاكم وكيفية مراقبته ولا كيفية سير مختلف وظائف الدولة ومؤسساتها،‮ ‬بل ترك ذلك كله لعقل الإنسان المجتهد،‮ ‬يبتكر أو‮ ‬يقتبس من عند‮ ‬غيره‮.. ‬قال أبو حامد الغزالي‮: “‬الدين أساس والسلطان حارس،‮ ‬وما لا أساس له مهدوم‮” ‬وما لا حارس له ضائع‮”. ‬

مقالات ذات صلة