-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الدولة الإسلامية دولة‮ “‬مدنية‮”‬

حمزة يدوغي
  • 2563
  • 0
الدولة الإسلامية دولة‮ “‬مدنية‮”‬

لم‮ ‬يعرف الفكر السياسي‮ ‬مصطلحا كان ولا‮ ‬يزال أكثر عرضة للالتباس ولإثارة الجدل بل وللفتن من مصطلح‮ “‬الدولة الدينية والدولة المدنية‮”‬،‮ ‬لقد شغلت العلاقة بينهما المفكرين المجتهدين قديما وحديثا في‮ ‬الشرق والغرب على‭ ‬حد سواء‮.‬

والمتتبع لحصيلة اجتهاد هؤلاء المفكرين في‮ ‬هذا المجال‮ ‬يجد في‮ ‬النهاية أن الإشكالية تتمثل في‮ “‬مرجعية‮” ‬هذه السياسة‮”‬،‮ ‬بمعنى أن هناك قاسما مشتركا قائما بين جميع المنظرين المجتهدين في‮ ‬مجال سياسة الحكم،‮ ‬هو الاتفاق على‭ ‬أن السياسة هي‮ “‬إدارة العلاقة بين الحاكم والمحكوم‮” ‬وهي‮ ‬السلطة العليا التي‮ ‬تحظى بالشرعية في‮ ‬المجتمعات البشرية‮. ‬والسؤال الجوهري‮ ‬هو‮: ‬ما مصدر هذه الشرعية؟

هل هو الطبيعة؟ هل هو التعاقد أم التفويض،‮ ‬كما‮ ‬يقول الفكر السياسي‮ ‬الغربي،‮ ‬أم أن هناك مرجعية أخرى‮ ‬غير الفكر الإنساني‮ ‬الوضعي،‮ ‬كما‮ ‬يرى‭ ‬الفكر السياسي‮ ‬الإسلامي‮.‬

إن الفكر الوضعي،‮ ‬كما نعلم جميعا،‮ ‬ليست له مرجعية لأنه‮ ‬يعتبر الإنسان هو الغاية وهو الوسيلة،‮ ‬أي‮ ‬أنه هو الذي‮ “‬يسطر المبادئ والقيم‮” ‬ثم‮ ‬يجعل منها‮ “‬مرجعية‮” ‬ينطلق منها في‮ ‬وضع سياسته الخاصة والعامة لتصريف شؤون المجتمع‮.‬

ولنفترض أن الإنسان راعى في‮ ‬سلوكه الاجتماعي‮ ‬هذه القيم والمثل والمبادئ التي‮ ‬تستند إلى‭ ‬فكر الإنسان الوضعي،‮ ‬فإنه لا‮ ‬يكون قد صنع أكثر من الوفاء بما التزم به أمام هذه المنظومة التي‮ ‬وضعها بشر مثله،‮ ‬وهو‮ ‬يعلم أنها لا تحمل أي‮ “‬حرمة أو قداسة‮” ‬بخلاف لو استندت هذه القيم والمثل والمبادئ إلى‭ ‬عقيدة دينية،‮ ‬فإنها حينئذ تصبح في‮ ‬نظره‮ “‬مقدسة‮” ‬يرتبط احترامها برضى الله سبحانه وحسن جزائه،‮ ‬وهذا هو جوهر الفرق بين‮ “‬الديني‮ ‬وبين الأخلاقي‮ ‬الوضعي‮”‬،‮ ‬فالمشترك العام بينهما هو اتفاقهما‮ – ‬نظريا‮ – ‬على هذه القيم نفسها،‮ ‬فالسياسة تنشد العدل والحرية والمساواة ورعاية حقوق الإنسان وما إلى ذلك،‮ ‬ولكن شتان ما بين من‮ ‬يقدسها ويجسدها في‮ ‬سلوكه امتثالا لأمر الله وابتغاء مرضاته واتقاء سخطه،‮ ‬وبين من‮ ‬ينظر إليها كنوع من العقد الاجتماعي‮ ‬والالتزام الأخلاقي‮ ‬لا‮ ‬غير‮.‬

وإذن فالحديث عن السياسي‮ ‬والديني‮ ‬في‮ ‬مجال الحكم،‮ ‬أي‮ ‬الدولة الدينية والدولة المدنية‮ ‬يقتضي‮ ‬استحضار جانبين‮:‬‭ ‬جانب مطلق وجانب نسبي،‮ ‬فالجانب المطلق‮ ‬يمثّل القيم الثابتة والمبادئ الخالدة خلود العقيدة التي‮ ‬أثمرتها،‮ ‬فهي‮ ‬لا تتغير في‮ ‬جوهرها بتغير الزمان والمكان،‮ ‬وهذه من شأن الخالق وحده سبحانه،‮ ‬فهو وحده القادر على‭ ‬التشريع للبشرية كلها لأنه أعلم،‮ ‬بشؤون خلقه وبما‮ ‬يصلح لهم،‮ “‬ألا‮ ‬يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير‮”‬،‮ ‬وأما الجانب النسبي‮ ‬فهو حصيلة اجتهاد البشر في‮ ‬إطار بيئة تحكمها ظروف الزمان والمكان‮.‬

فضعف السياسة الوضعية وقصورها ليس لأنها‮ “‬تعارض الدين‮” ‬ولكن لأنها تعمل‮ “‬خارج الدين‮” ‬هكذا وجد الفكر السياسي‮ ‬الإسلامي‮ ‬المعاصر نفسه أمام إشكالية لا بد من حلها هي‮ ‬إشكالية الدين والدولة،‮ ‬هل العلاقة بينهما توقيفية أم وضعية؟‮! ‬ولقد أفرز الاجتهاد في‮ ‬هذه القضية أفكارا وآراء بلغت حد التناقض فيما بينها بالقياس إلى‭ ‬قربها أو بعدها من الفهم الإسلامي‮ ‬الصحيح والسليم لهذه المسألة الحساسة،‮ ‬وقد زادت هذه الحدة عوامل موضوعية عديدة تعود إلى رواسب التخلف من جهة،‮ ‬وإلى تأثر بعض المثقفين المسلمين بالمدارس الغربية من جهة ثانية‮. ‬

والفهم الإسلامي‮ ‬الصحيح لهذه المسألة‮ ‬ينطلق من التمييز بين المطلق والنسبي‮ ‬في‮ ‬مجال المبادئ والقيم،‮ ‬فالوحي‮ ‬هو المطلق وهو مصدر المرجعية في‮ ‬مجال المبادئ والقيم والأصول الثابتة،‮ ‬وأما فهم الإنسان لهذه المبادئ والقيم فإنه‮ ‬يمثل نتيجة تفاعل النسبي‮ ‬مع المطلق،‮ ‬فالوحي‮ ‬يحدّد الأهداف ويرسم الغايات وأما ما‮ ‬يحتاجه تحقيق هذه الأهداف وبلوغ‮ ‬هذه الغايات من مناهج وأساليب وكيفيات ووسائل فإنه‮ ‬يترك ذلك لعقل الإنسان،‮ ‬يبتكر ويبتدع إن استطاع أو‮ ‬يقتبس ذلك من‮ ‬غيره إن أمكن له الاقتباس‮. ‬إذ الحكمة ضالة المؤمن‮ ‬يلتقطها أنّى وجدها‮. ‬وانطلاقا من هذه المسلمات نقول‮: ‬إن التسليم بأن الإسلام دين ودولة لا‮ ‬يكون صحيحا مجردا من كل لبس إلا إذا أردنا بذلك أن إقامة الدين باعتباره قيما ومبادئ لا بد له من إطار مدني‮ ‬تتجسد فيه هذه المبادئ والقيم في‮ ‬زمان ومكان معيّنين‮. ‬

هذا الإطار المدني‮ ‬الذي‮ ‬يضعه البشر‮ ‬يستند إلى المرجعية التي‮ ‬وضعت تلك المبادئ والقيم وذلك بعمل العقل المجتهد من أجل توفير الآليات التي‮ ‬يراها ملائمة ومسايرة لمنطق الواقع المتطور،‮ ‬ولقد تجسدت هذه الحقيقة منذ السنة الأولى من الهجرة النبوية وذلك في‮ ‬أول صحيفة مكتوبة وضعها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه،‮ ‬يسن فيها أسس الدولة الجديدة ويحدد معنى الأمة وأسس المواطنة وحقوق المواطن وواجباته،‮ ‬هذه الوثيقة التي‮ ‬يجمع النزهاء من المؤرخين والقانونيين على أنها أهم وثيقة في‮ ‬التاريخ تضمنت أرقى آشكال التنظيم السياسي‮ ‬والإداري‮ ‬والاجتماعي‮ ‬للدولة بتعبيرنا الحديث،‮ ‬لقد ميزت هذه الوثيقة بين أمة الدين وأمة السياسة،‮ ‬وهي‮ ‬خير رد على من‮ ‬يرى أن الإسلام‮ ‬يستند إلى مفهوم‮ “‬الدولة الدينية‮” ‬ويلغي‮ ‬مفهوم الأمة السياسية والاجتماعية‮. ‬إن‮ “‬الدولة الدينية‮” ‬قد انتهت بوفاة الرسول صلى الله عليه وعلى‭ ‬آله وصحبه وسلم،‮ ‬فقد كان في‮ ‬حياته صاحب السلطات كلها التشريعية والقضائية والتنفيذية بتعبيرنا الحديث،‮ ‬لأنه صلى‭ ‬الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا‮ ‬ينطق عن الهوى،‮ ‬فهو القاضي‮ ‬وهو الحاكم وهو المبلغ‮ ‬عن ربه سبحانه،‮ ‬يفصّل مجمل القرآن ويقيّد مطلقه ويخصص عامه،‮ ‬ومعنى ذلك أن الدولة الإسلامية‮ “‬دولة مدنية ذات مرجعية دينية‮” ‬في‮ ‬الأصول والمبادئ العامة،‮ ‬يراعي‮ ‬حكامها مصالح العباد بمنطق الواقع المتجدد والمتغير بتغيير الزمان والمكان‮.‬

إن الكتاب والسنة لم‮ ‬يرد فيهما نظام محدّد مفصل لكيفية تعيين الحاكم وكيفية مراقبته ولا كيفية سير مختلف وظائف الدولة ومؤسساتها،‮ ‬بل ترك ذلك كله لعقل الإنسان المجتهد،‮ ‬يبتكر أو‮ ‬يقتبس من عند‮ ‬غيره‮.. ‬قال أبو حامد الغزالي‮: “‬الدين أساس والسلطان حارس،‮ ‬وما لا أساس له مهدوم‮” ‬وما لا حارس له ضائع‮”. ‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • سامي 1825

    ان الدولة التيوقراطية - الدينية - هي التى يحكمها رجال الدين كما كان حال اوروبا في العصور الوسطي حيث ان رجل الدين يمتلك فيها القرار المطلق الغير قابل للنقاش او التغير ولا مكان فيها للمخالف وكل من يعارض او يختلف مع الرأي الواحد يعدم ...وهذا النوع من الحكم لم تشهده الدولة الاسلامية في بداية عهدها على الاقل ... في فترة حكم الرسول و دولة الخلافة فهي كانت دولة مدنية بامتياز ...صحيح طبقت احكام الشريعة على اغلبية الشعب ...لكن راعت حقوق الاقليات وحمتهم

  • بدون اسم

    ومتى حكم هاؤولاء الاسلامويين!! كما تسميهم حتى تتهمهم بسوء التسيير والجهل و و و...... انكم من فرط حقدكم لكل من يتكلم عن الاسلام , انكم ترمونهم بكل التهم والمناكر والمفاسد وسوء التدبير الذي مصدره غيرهم تماما , لانه بكل بساطة مازال لم يحكموا حتى تتهمهم .

  • wahhid

    بالنسبة لصاحب المقال لا بد من ان تكون هناك مرجعية للسياسة الدولة وان هذه المرجعية هي الاسلام وان ذلك لا يتنافى مع مدنية الدولة .ان هذا الراي ترد عليه عدة اعتراضات اولا ان المواطنة هنا ستبى على اساس الانتماء الديني وليس على اساس المواطنة وعليه فان المواطنين الغير مسلمين سيكونون من الدرجة الثانية
    ثانيا ان المرجعية الدينية اذا طبقت لن تؤدي الى فهم واحد بل الى عدة تفسيرات قد تتضارب وقد يلجا البعض الى التكفير
    ثالثا ان الغرض من وجود الدولة ليس تطبيق مبادىء دينية بل هو ضمان حقوق وحريات الافراد

  • بدون اسم

    تتمه //
    و تطور الامر في عهد الدوله العباسيه فكانت مثال الدوله الحديثه بل افضل بكثير من بعض الدول الحاليه تنظيما و اداره . الاسلام يقدم نظام اداره هو الافضل اما الاقتصاد الاسلامي فيطول الحديث فيه لكن عندما يطالب وزير الماليه الالماني بتطبيق النظام الاسلامي في الاقتصاد فليس من فراغ . اما مراقبه الحاكم فيكفينا فيها سيره عمر بن الخطاب رضي الله عنه اما استشهاد الاستاذ حمزه بقول الغزالي فهو يحسب عليه و ليس له لان الغزالي قال الدين اساس و ضع تحت اساس خطوط و السلطان مجرد حارس و تحت حارس ضع خطوط

  • بدون اسم

    تتمه //
    (( إن الكتاب والسنة لم‮ ‬يرد فيهما نظام محدّد مفصل لكيفية تعيين الحاكم وكيفية مراقبته ولا كيفية سير مختلف وظائف الدولة ومؤسساتها ))
    لا اعلم كيف يقع في هذا الاخ حمزه هل يعقل لمثقف ان ينسى نظام الشورى في الاسلام و كيف يتم اختيار الحاكم من اهل الحل و العقد ؟ اما التنظيم الاداري للدوله بالمفهوم الحديث فهناك من يرجعه الى الدوله الاسلاميه و بالتحديد الامويه في عهد مروان بن عبد الملك نظام الداواوين الاسلامي مشابه الى حد بعيد النظام الحالي فهناك ديوان المال و ديوان القضاء و الحسبه و الشرط

  • بدون اسم

    هذه جدليه لمحاوله تبييض الوجه امام الغرب الذي يرى الاسلام بمنظار الكنيسه عندهم . الاسلام كدين يختلف عن الاديان الاخرى التي لم تقدم لمعتقديها الا كيفيه التعبد و تنظيم الصله بين الله و العبد . الاسلام خصوصيته او اختلافه عن الاديان الاخرى انه نظام حياه يتدخل في الاقتصاد و العلاقات الاجتماعيه بين الناس و السياسه و نظام الحكم بل حتى في النظافه الشخصيه للمسلم !! لهذا محاوله تقديمه كدوله دينيه فيه تجني و تقديمه كدوله مدنيه ايضا فيه تجني ..لانه كلاهما معا

  • ايلينا

    الشريعة الاسلامية هي أيضا تتضمن اجتهادات بشرية ، فتفسير الكتاب بشري و الدليل وجود الكثير من المفسرين للقران و قد تختلف تفسيراتهم على بعضهم البعض حول بعض الكلمات و التفسيرات ، فالذين يؤولون القران بشر و الذين يؤلفون في أسباب التنزيل هم بشر ، و الذين يصنفون الأحاديث النبوية بشر تمت بناء على معاييير (الجرح و التعديل) اخترعها بشر ، و الفقه من اجتهاد بشر

  • الورثلاني

    "اهمية الاراء الدينية" للسويسريJacques Neckerالذي قلده الملك الفرنسي لويسXVI نهاية القرن الثامن عشر وزارة المالية عدة مرات قبل الثورة. لست ادري ان كانت ثمة ترجمة بالعربية للكتاب. لمن يقرا الفرنسية و يرغب في قراءته على الشبكة العنكبوتية , هناك نسخة مصورة منه على موقع المكتبة الوطنية الفرنسيةGallica.لا تقولوا ان الفضول ايضا تبعية.

    Titre : De l'importance des opinions religieuses , par M. Necker

    Auteur : Necker, Jacques (1732-1804

    Éditeur : impr. de C. Plomteux (Liège

    Date d'édition : 1788

  • الورثلاني

    بلادنا فناديت احد اصدقائي لاطلب منه متابعة الموضوع فاخبرني انه على نفس القناة يتابع الشريط المصور مثلي. ما ان اوقفت المكالمة شرع المقدم في الحديث عن رئيس الجزائريين و استشفائه في هذا المستشفى العسكري و تحفظ الراي العام الجزائري عن ذلك!!
    نحن يا اخواني مستقلون عن فرنسا و مثل استقلالنا عنها كمثل استقلالنا عن ملايير البيكتيريا التي تعيش في امعائنا و التي اكتشف العلم الحديث انها تتحكم في صحتنا و لها تاثير على عقولنا و شخصياتنا و حيواتنا.
    اعود الى موضوع الدين الدولة لادعو الاخوة القراء الى قراءة كتاب

  • الورثلاني

    عندما بدات التعقيب على هذا المقال كنت اتابع في نفس الوقت على قناةF3 الفرنسية موضوعا على المستشفى العسكري Val-de-Grâce الذي تلقى فيه رئيسنا العلاج. و مما ورد فيه ان فرنسا انشأته لتمارس به الدبلوماسية المرضية مع من يتلقون خدماته من الرؤساء الافارقة و العرب و ان الدول الكبرى تتنافس لتحقيق مصالحها على علاج رؤساء الدول المتخلفة في مستشفياتها لان "المريض ضعيف امام من يداويه و ينقاد لارادته و يقبل املاءاته" و وردت بعض الامثلة عن ذلك. كنت افكر ان برمجة هذا الموضوع في هذا الوقت له علاقة بما يحدث على راس

  • الورثلاني

    علينا ان نعي اننا متخلفون ضعفاء تابعون و ان اسيدنا هم في الواقع اسياد ما وراء البحر. فكما انهم ساهرون على دوام تبعيتنا الاقتصادية و السياسية هم اشد حرصا على عدم استقلالنا فكريا عنهم. من لم يفهم ان الذين لم بتركوا للانسان الغربي سوى اختيارا مبتورا بين لونين اثنين من العدمية المادية التي تختزل حياة الانسان في بعده المادي: الليبرالية المتوحشة و الشيوعية, هم نفسهم الذين يعملون على اقناعنا ان لا خيار لنا الا بين الدولة الدينية للقرون الوسطى و الدولة اللائيكية اليعقوبية -من لم يفهم هذا- فلن يفهم شيئا

  • الورثلاني

    سيقول قائل ان حياة الانسان الغربي ليست سعيدة و رفاهيته المادية لم تنقذه من الفراغ الروحي الذي يعيش فيه. اجيب ان نمط العيش الذي فرضته الراسمالية على الانسان قصد تحويله الى مستهلك خاضع لا يرى السعادة في غير الادمان على الاستهلاك ليس قدرا على البشرية. نحن لسنا مضطرين الى تبني طريقةعيش الغربي بحذافيرها ولا احد يمنعناعن التفكير في شق طريقنا بانفسنا وابداع دولتنا المدنية و لائيكيتنا التي نريدها بعيدا عن النمط الغربي و خاصة الفرنسي الذي يحارب دين الشعب و يسعى الى حرمان بسطاء المواطنين من الحياة الروحية

  • الورثلاني

    سجنا و تعاسة. علمتنا التجربة ان المجتمعات التي تحكمها الدولةالدينية تنقلب فيها الامور فتصبح الحياةالروحية التي يصل بها الانسان الى اعلى درجات السعادة والسكينة و الطمانينةالى جحيم قسري يتنافس فيه المواطنون على التخلص من قيوده; فبينما يخضع الفقراء والبسطاء لقدرهم مضطرين, يصنع الاغنياء و ذوو الجاه و السلطان لانفسهم و ذويهم في بلادهم وخارج اوطانهم حياة سعيدة مخلصةمن قيود الدين الكاذب والنفاق. نعم كل تدين لا ينبع من اختيار حر و ليس سلوكا تلقائيا معبرا عن قناعة مكتسبة من تجربة الحياة فهو كذب و نفاق.

  • الورثلاني

    الدولة المدنية لا تعني ابدا الكفر بالغيب. بالعكس الدولة المدنية الحقة هي في رايي المحيط السياسي الامثل الذي يوفر الظروف الملائمة لانفجار الطاقات الروحية للانسان. الدولة الدينية تفرض على المواطنين تقبل و تبني دغماتية معينة و مناسك ظاهرة محددة فيصبح كل خروج عن القطيع كفرا فيفقد المواطنون حريتهم و تلقائيتهم و يكبتون شخصياتهم فيصاب الافراد بعصاب مزمن و ينتشر النفاق و يحدث في المجتمع شرخ بين ما يظهر الناس من حياتهم و ما يضمرون. فتصبح الحياة الروحية التي هي ارقى تعبير عن حرية الانسان و انبل هدف للحياة

  • الورثلاني

    و الطموح الى ما هو الهي لا يغير طبيعتهم البشرية الخاضعة لمتغير الزمان و المكان. كل رغبة في احياء الماضي و فرض حياة و عقلية و تفكير و وجدان الاجيال الغابرة على الحاضر تدل على ارادة طاغية تنشد حكما مطلقا و تكفير كل معارضة, او على مرض في الذات الجماعية تصاب به امة حين يفقد افرادها قدرتهم على فهم اسباب انحطاطهم و اعطاب حاضرهم و فشلهم في صنع مستقبلهم فيفقدون الثقة في انفسهم و يسقطون حرمانهم على اجدادهم فيبالغون في تعظيمهم و يغالون في نسب كل الخصال اليهم ثم يقدسون ماضيهم و يحولون تاريخهم الى اسطورة.

  • الورثلاني

    الذي لا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء- و القرءان الذي هو وحي خرج اصواتا من فم البشر يمر فهمها بالعقل والاحساس الذي يتغير بتغير الزمان والمكان, فهؤلاء مجانين و المجانين يعالجون في مصحات خاصة لانهم يهددون الامن العام والسلم الاجتماعي خاصة اذا كان هؤلاء يعتقدون ان جنونهم هو الحكمة و ان من حقهم ان استعمال كل الوسائل لوقف عجلة التاريخ ليعيشوا نشوة الزمان المطلق الذي لا وجود فيه للماضي.
    الحارس اذن نعم, و لكن الحارس العاقل الذي يعلم ان البشر يحيون في الزمان و المكان و ان واجب الارتقاء بانسانيتهم

  • الورثلاني

    مهمة الدولة لا شك هي توفير الظروف للمواطن ليرقى بانسانيته الى اعلى الدرجات و كلما نجحت في هذه المهمة تزدهر الحضارة على الارض التي تحكمها هذه الدولة و يطول و يقصر ازدهار هذه الحضارة بقدر ما استطاعت هذه الدولة و مؤسساتها ان تواكب التبدل الذي يصيب الاشياء و الافكار و الاذواق و الاحاسيس و العقائد و الذي هو ناموس الدهر, و الدهر كما علمنا الحديث القدسي هو الله.
    اما الذين يكفرون بالزمان و يرفضون ان الوجود هو التغير و التجدد و يسعون عبثا الى تحويل ما يخضع للزمان و المكان الى ماهية و يسوون بين الله

  • الورثلاني

    "الدين اساس": هذا لا يطرح اي مشكل. حتى الفلاسفة الاغريق قالوا ان "ممارسة السلطة" امر ذو بعد ديني و كان الوثنيون الاغريق و الرومان لا يتخذون قرارا يهم الحياة العامة و لا يقبلون على اي عمل سياسي الا بعد طقوس دينية لاسترضاء قوى الغيب. لا احد اذن يعارض فكرة ان كل ما من شانه ان يجمع شمل الافراد و الجماعات لتكوين امة يعيش افرادها في النظام و الوئام و الانسجام و الهدوء و يتجاوزون به انانيتهم الفطرية الى تقديس المصلحة العامة امر عظيم "الهي".
    "السلطان حارس": هنا يبدأ الجدال, جدال طويل!..

  • الطيب

    "اضطراريًا" أقول في هذا التعليق أنّ الدولة الدينية في الغرب دمرت الإنسان و جمدت عقله ومنعت عنه حتى التأمل في الشجر و الحجر ! والعجب هو كيف عاشت هذه الدولة قرونًا طويلة !؟ الدولة الدينية عندنا ـ بتحفظ على المصطلح ـ هي التي صنعت الإنسان بل خير إنسان بشهادة خالق الإنسان .فلا مجال للمقارنة . هناك دين محفوظ أراده الله لعباده و هذا الدين ليس رهبانية و إنما واقع يشمل جميع مناحي الحياة بما في ذلك سياسة الدولة فهو منهج يصنع مجتمعًا و يصنع أمة و للمجتمع أن يتبحر في العلم والمعرفة و الإكتشافات كما شاء ..

  • Ali

    الاسلام لم يقم دولة بل انشأ عقيدة. المسلمون اسسوا دولة لتدير امورهم. علي عبد الرازق قال هذا في بداية القرن الماضي فطرد من الأزهر اين درس و عمل كاستاذ. التحجر الفكري يجعلنا نخلط بين الدين و السياسة.

  • مواطن

    الدولة الدينية عند الأوربيين هي السلطة الخاضعة للكنيسة من خلال تعيين الحاكم وتنحيته والثورات ضد الكنيسة لم تلغ القوانين الاجتماعية ذات الصلة بالمسيحية.وهذا ما أرادت الأحزاب الإسلاموية استغلاله لفرض سلطتها على الشعوب الإسلامية خاصة عندنا.لقد فشلت هذه الأحزاب المتشددة في تثبيت المبادئ المحبوبة إلى شعوبها لأنها اعتمدت على الجهل في التسيير وضيق مجال تفكيرها في مواكبة الحضارة الغربية المعتمدة على الحرية والديمقراطية والاستناد على العلوم والتكنولوجيا.كان الرسول في عهده يعتبر ثائرا واعيا بمتطلبات عصره.