الدولة الإسلامية دولة “مدنية”
لم يعرف الفكر السياسي مصطلحا كان ولا يزال أكثر عرضة للالتباس ولإثارة الجدل بل وللفتن من مصطلح “الدولة الدينية والدولة المدنية”، لقد شغلت العلاقة بينهما المفكرين المجتهدين قديما وحديثا في الشرق والغرب على حد سواء.
والمتتبع لحصيلة اجتهاد هؤلاء المفكرين في هذا المجال يجد في النهاية أن الإشكالية تتمثل في “مرجعية” هذه السياسة”، بمعنى أن هناك قاسما مشتركا قائما بين جميع المنظرين المجتهدين في مجال سياسة الحكم، هو الاتفاق على أن السياسة هي “إدارة العلاقة بين الحاكم والمحكوم” وهي السلطة العليا التي تحظى بالشرعية في المجتمعات البشرية. والسؤال الجوهري هو: ما مصدر هذه الشرعية؟
هل هو الطبيعة؟ هل هو التعاقد أم التفويض، كما يقول الفكر السياسي الغربي، أم أن هناك مرجعية أخرى غير الفكر الإنساني الوضعي، كما يرى الفكر السياسي الإسلامي.
إن الفكر الوضعي، كما نعلم جميعا، ليست له مرجعية لأنه يعتبر الإنسان هو الغاية وهو الوسيلة، أي أنه هو الذي “يسطر المبادئ والقيم” ثم يجعل منها “مرجعية” ينطلق منها في وضع سياسته الخاصة والعامة لتصريف شؤون المجتمع.
ولنفترض أن الإنسان راعى في سلوكه الاجتماعي هذه القيم والمثل والمبادئ التي تستند إلى فكر الإنسان الوضعي، فإنه لا يكون قد صنع أكثر من الوفاء بما التزم به أمام هذه المنظومة التي وضعها بشر مثله، وهو يعلم أنها لا تحمل أي “حرمة أو قداسة” بخلاف لو استندت هذه القيم والمثل والمبادئ إلى عقيدة دينية، فإنها حينئذ تصبح في نظره “مقدسة” يرتبط احترامها برضى الله سبحانه وحسن جزائه، وهذا هو جوهر الفرق بين “الديني وبين الأخلاقي الوضعي”، فالمشترك العام بينهما هو اتفاقهما – نظريا – على هذه القيم نفسها، فالسياسة تنشد العدل والحرية والمساواة ورعاية حقوق الإنسان وما إلى ذلك، ولكن شتان ما بين من يقدسها ويجسدها في سلوكه امتثالا لأمر الله وابتغاء مرضاته واتقاء سخطه، وبين من ينظر إليها كنوع من العقد الاجتماعي والالتزام الأخلاقي لا غير.
وإذن فالحديث عن السياسي والديني في مجال الحكم، أي الدولة الدينية والدولة المدنية يقتضي استحضار جانبين: جانب مطلق وجانب نسبي، فالجانب المطلق يمثّل القيم الثابتة والمبادئ الخالدة خلود العقيدة التي أثمرتها، فهي لا تتغير في جوهرها بتغير الزمان والمكان، وهذه من شأن الخالق وحده سبحانه، فهو وحده القادر على التشريع للبشرية كلها لأنه أعلم، بشؤون خلقه وبما يصلح لهم، “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير”، وأما الجانب النسبي فهو حصيلة اجتهاد البشر في إطار بيئة تحكمها ظروف الزمان والمكان.
فضعف السياسة الوضعية وقصورها ليس لأنها “تعارض الدين” ولكن لأنها تعمل “خارج الدين” هكذا وجد الفكر السياسي الإسلامي المعاصر نفسه أمام إشكالية لا بد من حلها هي إشكالية الدين والدولة، هل العلاقة بينهما توقيفية أم وضعية؟! ولقد أفرز الاجتهاد في هذه القضية أفكارا وآراء بلغت حد التناقض فيما بينها بالقياس إلى قربها أو بعدها من الفهم الإسلامي الصحيح والسليم لهذه المسألة الحساسة، وقد زادت هذه الحدة عوامل موضوعية عديدة تعود إلى رواسب التخلف من جهة، وإلى تأثر بعض المثقفين المسلمين بالمدارس الغربية من جهة ثانية.
والفهم الإسلامي الصحيح لهذه المسألة ينطلق من التمييز بين المطلق والنسبي في مجال المبادئ والقيم، فالوحي هو المطلق وهو مصدر المرجعية في مجال المبادئ والقيم والأصول الثابتة، وأما فهم الإنسان لهذه المبادئ والقيم فإنه يمثل نتيجة تفاعل النسبي مع المطلق، فالوحي يحدّد الأهداف ويرسم الغايات وأما ما يحتاجه تحقيق هذه الأهداف وبلوغ هذه الغايات من مناهج وأساليب وكيفيات ووسائل فإنه يترك ذلك لعقل الإنسان، يبتكر ويبتدع إن استطاع أو يقتبس ذلك من غيره إن أمكن له الاقتباس. إذ الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنّى وجدها. وانطلاقا من هذه المسلمات نقول: إن التسليم بأن الإسلام دين ودولة لا يكون صحيحا مجردا من كل لبس إلا إذا أردنا بذلك أن إقامة الدين باعتباره قيما ومبادئ لا بد له من إطار مدني تتجسد فيه هذه المبادئ والقيم في زمان ومكان معيّنين.
هذا الإطار المدني الذي يضعه البشر يستند إلى المرجعية التي وضعت تلك المبادئ والقيم وذلك بعمل العقل المجتهد من أجل توفير الآليات التي يراها ملائمة ومسايرة لمنطق الواقع المتطور، ولقد تجسدت هذه الحقيقة منذ السنة الأولى من الهجرة النبوية وذلك في أول صحيفة مكتوبة وضعها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، يسن فيها أسس الدولة الجديدة ويحدد معنى الأمة وأسس المواطنة وحقوق المواطن وواجباته، هذه الوثيقة التي يجمع النزهاء من المؤرخين والقانونيين على أنها أهم وثيقة في التاريخ تضمنت أرقى آشكال التنظيم السياسي والإداري والاجتماعي للدولة بتعبيرنا الحديث، لقد ميزت هذه الوثيقة بين أمة الدين وأمة السياسة، وهي خير رد على من يرى أن الإسلام يستند إلى مفهوم “الدولة الدينية” ويلغي مفهوم الأمة السياسية والاجتماعية. إن “الدولة الدينية” قد انتهت بوفاة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقد كان في حياته صاحب السلطات كلها التشريعية والقضائية والتنفيذية بتعبيرنا الحديث، لأنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا ينطق عن الهوى، فهو القاضي وهو الحاكم وهو المبلغ عن ربه سبحانه، يفصّل مجمل القرآن ويقيّد مطلقه ويخصص عامه، ومعنى ذلك أن الدولة الإسلامية “دولة مدنية ذات مرجعية دينية” في الأصول والمبادئ العامة، يراعي حكامها مصالح العباد بمنطق الواقع المتجدد والمتغير بتغيير الزمان والمكان.
إن الكتاب والسنة لم يرد فيهما نظام محدّد مفصل لكيفية تعيين الحاكم وكيفية مراقبته ولا كيفية سير مختلف وظائف الدولة ومؤسساتها، بل ترك ذلك كله لعقل الإنسان المجتهد، يبتكر أو يقتبس من عند غيره.. قال أبو حامد الغزالي: “الدين أساس والسلطان حارس، وما لا أساس له مهدوم” وما لا حارس له ضائع”.