الدولة تمارس “الرياضة السياسوية”!
شدّد “كمال بن ميسي” الرئيس السابق للاتحادية الجزائرية لألعاب القوى السابق، الخميس، على أنّ “الدولة تمارس الرياضة السياسوية لا السياسة الرياضية”، وحذّر الخبير بشؤون الرياضة في الجزائر من انعكاسات استمرار تغييب “سياسة رياضية قارة وواضحة”، منتقدا ذهاب رياضيين إلى أولمبياد “ريو” رغم عدم تحقيقهم الحدّ الأدنى المطلوب في منافسات بهذا الوزن.
في حديث خصّ به “الشروق الرياضي”، انتقد “بن ميسي” النهج القائم في الجزائر والقائم على المشاركة في تخصصات كثيرة أولمبيا، بدل التركيز على أنواع تملك فيها الجزائر القوة والحظوظ، ويخلص إلى أنّ الحقيقة الميدانية تؤكد عدم إمكانية البروز، ما يفرض استفاقة طالما أنّه في رياضة مثل كرة القدم، الجزائر لا تملك منتخبا وطنيا لولا “فرنسا” (…).
تابعوا نصّ الحديث:
بداية، ما مقاربتكم العامة للحضور الجزائري في أولمبياد ريو؟
الواقع يقول إنّ المتطلبات تفرض نفسها في منافسات من هذا النوع، ورياضات مثل ألعاب القوى، الجيدو والملاكمة عوّدت على المشاركة في هذا الموعد، ما يجعلنا ننتظر نتائج، لكني أتوقف هنا عند التصريحات الرسمية المتباهية بكون الحضور الجزائري بـ 64 رياضيا يعدّ رقما قياسيا في أولمبياد ريو، هذا الكلام غير صحيح.
أحيلكم إلى أنّ أولمبياد 2004 بأثينا، شهد مشاركة 76 رياضيا جزائريا، معنى ذلك أننا تراجعنا بعد 12 سنة، كما أننا في 2016 لم نتقدم كثيرا عن أولمبياد 1980 في موسكو الذي عرف حضور 60 رياضيا جزائريا، طبعا سواء في 1980 أو 2016، تعداد منتخب كرة القدم هو من رفع العدد.
تأخرنا ولم نتقدّم
فريق من المراقبين لم يستسيغوا استفادة عدد من الرياضيين الجزائريين من نظام “الإنقاذ” رغم عجزهم عن تحقيق الحد الأدنى المطلوب لخوض الرهان الأولمبي، ما رأيكم في المسألة.
صحيح، والأدهى أنّه في ألعاب القوى، لم يتمكن البعض من تحقيق الحدّ الأدنى (ب)
الآن صرنا كما يُقال بالعامية (نكرّط في المقلاة)، وبعد أربع سنوات عمل، الحقيقة الميدانية أننا لا نستطيع البروز، وبالنسبة لي تأخرنا ولم نتقدّم.
ما حصدناه أولمبيا منذ الاستقلال، 7 ميداليات في ألعاب القوى، 6 ميداليات في الملاكمة، فضلا عن ميداليتين في الجيدو، يعني المجموع: 15 ميدالية منذ الاستقلال، وهذا يعني أنّه لو كانت هناك سياسة رياضية لحققنا أكثر، أنظروا إلى حالة جمايكا التي تركّز على سباقات السرعة، في وقت نندفع نحن في كل شيئ، بينما المستوى العالمي يتقدم.
ما حقيقة اقتراح البعض بتركيز ألعاب القوى الجزائرية على الاختصاصات التقنية؟
أتذكر أنّه في الثمانينيات، كنا أفضل في السباقات المتوسطة من المغاربة والكينيين، لكن مرّ علينا جيل في ألعاب القوى مطلع تسعينيات القرن الماضي، نادى بالتحوّل إلى الاختصاصات التقنية، قبل أن يتحول هؤلاء أنفسهم إلى السباقات نصف الطويلة، طبعا بدعوى أنّ المال هناك أكبر!
وبعيدا عما ستؤول إليه المشاركة الجزائرية في البرازيل، ننبّه السلطات العليا إلى حتمية التركيز على الاختصاصات التي تملك فيها الجزائر إمكانيات، وترشيد الإنفاق الرياضي، خلافا لما يطبع الصناديق الولائية للأنشطة الرياضية والثقافية التي تمنح للرياضيين مثلما تمنح للرقص.
وسط الخيبات التي اجترّها فريق من رياضيينا في الأسبوع الأول من الأولمبياد، يتسائل الجزائريون عن سببية ما يحصل؟
بصراحة، هناك كثير من النظري غير المطبّق، مع أنّه لا يمكن لغير الرياضة أن تستوعب الشباب، وهي من النواحي البيداغوجية، الصحية والسياسية قادرة على امتصاص الشباب إيجابيا.
الآن ما يقوم به مسؤولو الرياضة هو الاستعراض والبحث عن (البريستيج)، ولا يهمّ العمق، أضرب مثالا هنا باتحادية ألعاب القوى التي كانت تراهن قبل تسعة أشهر على تأهيل 18 رياضيا، ولم تفلح سوى في تمرير أربعة عشر فحسب، طبعا باعتماد الإنقاذ، والأمر إيجابي بالنسبة لشاب كـ “لحولو”، لكن “العربي بورعدة” لم يفعل شيئا وراح يطالب بإمكانيات، وذهب إلى “ريو” بتأخر كبير في التحضير.
وأرى أنّه ليس من العقلاني، منح أموال الدولة لرياضيين يذهبون إلى مدربين من دون رقابة، على منوال “الهادي لعمش” و”حكيم سعدي” في سباق الماراثون.
“البريستيج” أفرز النزول
أين الخلل إذن؟
بكل أسف، الدولة نمارس الرياضة السياسوية بدل السياسة الرياضية، في حين يبحث الرياضيون عن المال السهل في مقابل اهتمام الدولة بـ (البريستيج) ولا تبالي بشيئ، الأهمّ العلم يرفرف، وهو ما أفرز نزول الرياضة لأنّنا صرنا نمارس الرياضة السياسوية بدل السياسة الرياضية مثلما كنا نفعل أيام زمان
الأمر حاصل في الكرة، ولولا فرنسا لما امتلكنا منتخبا وطنيا، ما يفرض استفاقة ومراجعة لأنفسنا ومسارنا.
اللجنة الأولمبية الجزائرية بدأت منذ سنتين في تحضير أولمبياد 2020 بطوكيو، هل هذا يعني أنّ التقويم بدأ وسينتج ثمارا؟
جميل، لكن من هي الفيدرالية التي تعمل لهذا المسعى؟، من هم الرياضيون المعنيون؟ وأتسائل أيضا عن مواهب ضاعت، أين هو “بوحدة” (200 – 400 متر)، “لعرج” (400
متر)، بلبشير، سبري، طويل، بلخير والقائمة تطول…؟، أعيد وأكرّر الأمر مرهون بسياسة رياضية وطنية، وينبغي التأكيد على عدم وجود مصالح فعّالة على مستوى الوزارة، أين هو “عصام نيما” و”باية رحولي”، ليس هناك متابعة والدولة تخشى من كل شيئ (..)
ما مدى إمكانية تجسيد التوقعات بإحراز أربع ميداليات؟
التوقعات بـ 4 ميداليات “واقعية”، لكن ما لا أهضمه هو تضخيم عدد الرياضيين المشاركين.
أتذكر في عام 1996، كان لدينا 33 عداءً حصلوا على الحد الأدنى للاتحاد العالمي لألعاب القوى، لكننا أخدنا 13 فقط، وحتى أبرز الحقائق بشأن نخبة ألعاب القوى التي ستمثل الجزائر في ريو، إليكم هذه المعطيات:
“كنزة دحماني” (المركز الـ 190 عالميا في الماراثون)، “أمينة بتيش” (الصف الـ 89 عالميا في الثلاثة آلاف متر موانع)، “توفيق مخلوفي” (السابع عالميا في 800 م، والرابع عالميا في 1500م)، “العربي بورعدة” (الرابع عالميا في العشاري استنادا إلى أرقام 2015)، وسأعود إلى حالة “بورعدة” لاحقا، “ميلود رحماني” (66 عالميا في 400 متر حواجز)، عبد المالك لحولو (55 عالميا ولو يصل إلى نصف النهائي سيكون الأمر رائعا، سيما أنّه لم يستفد من الإمكانيات التي كان يستحقها، “ياسين حتحات” و”أمين بلفرار” (25 و66 عالميا في 800 م)، ومجرّد تجاوز الثنائي الأخير دورا واحدا، يمكن اعتبار الأمر “مفاجأة”، “بلال ثابتي” (29 عالميا في 3 آلاف متر موانع)، وشخصيا أرشحه لبلوغ النهائي، علما أنّه عانى مطولا من كسر نال من ديناميكيته، “هشام بوشيشة” (49 عالميا في 3 آلاف متر موانع)، “علي مسعودي” (61 عالميا وبعيد جدا في 3 آلاف متر موانع)، فيما “الهادي لعمش” و”حكيم صادي” (بعيدان جدا في الماراثون)، بينما “سعاد آيت سالم” غير مصنفة في 3000 متر موانع).
ماذا بشأن ما سميتموها “حالة بورعدة”؟
بالنسبة لحالة “بورعدة”، أقول أنّه وخلافا لتباهي البعض، فإنّ هذا الرياضي أضاع معدل 5 سنوات، ولم يحسّن سوى 3 من أرقامه منذ 2009 – 2010، وذلك في 110 آلاف حواجز، رمي الجلة ورمي الأسطوانة، وكرّر ذلك في 2015 برسم الاختصاصات الثلاثة المذكورة، وبلغة الأرقام كسب 4.8 نقطة في كل اختصاص إلى غاية بطولة العالم ببكين.
وغداة مونديال 2015، حسّن “بورعدة” رقميه في 110 آلاف حواجز ورمي الأسطوانة، ولم يتسابق في العشاري بعد انسحابه من بطولة إفريقيا والدوري الماسي، في حين واصل تلقي إصابات بمعدّل 5 إلى 6 مرات كل عام.
هذا العام بورعدة رابع العالم بمرجعية 2015، لكن وجبت الإشارة إلى أنّ الأمريكي “إيتون” بطل العالم يتواجد في أفضل حالاته (8750 نقطة في جويلية)، الكندي “داميان فارنر” وصيف بطل العالم (8523 نقطة في 29 ماي الماضي)، في وقت حقّق الألماني “أرتور آبيل” أفضل نتيجة هذا العام (8605 نقطة)، “فيكتور ليندون” من جزر غرينادا (8466 نقطة)، الفرنسي “كيفين ماير” (8466 نقطة).
جميع هؤلاء أفضل من بورعدة الذي يتواجد سابعا باحتساب نتيجته في 2015، وما يمكنني قوله إنّ “بورعدة” شاب مكافح ولو ذهب إلى أمريكا لنال ذهبية بعينين مغمضتين، لكنّه أضاع كثير من الوقت
وسبق لي أن صرّحت في 2015، أنّ “بورعدة سيربح كثيرا إن يغيّر محيطه فورا”، وقلت أيضا: “سأشجّع مدربه (غير الحاضر) والسلطات لتمكينه من أفضل الإمكانيات على أهبة أولمبياد ريو، مع تحكيم شروط الحذر في كل وقت”.
اختار البطل الأولمبي “توفيق مخلوفي” التنافس في سباقي 800 و1500 متر، هل ترجحون تألقه مجددا في “ريو”؟
أقول إنّ حصوله على ميدالية مرهون بتداركه أخطاء 1500، وعدم تكرار ما فعله في 2012، لأنّه وجب التنويه أنّ “مخلوفي” استفاد من مساعدة، وجرى التغاضي عن انسحابه من نهائي الثمانمائة، مع أنّ القانون كان واضحا ويقضي بإقصائه.
(البزنسة) تهدّد روح الرياضة
جدل كبير صاحب تنظيم الأولمبياد الحالي في البرازيل، ما رأيكم؟
الأولمبياد أقيم في “ريو” رغم أنّ الهياكل لم تكن جاهزة والبرازيل في أزمة، لذا الشعب هناك أراد إطفاء الشعلة الأولمبية.
من المحزن أنّ المحفل صار عنوانا لـ (البزنسة) من طرف كبرى العلامات على حساب قيم الرياضة، بهذه الكيفية لن تتمكن الدول الصغيرة من المشاركة أو الاستضافة، والبعد الإنساني للرياضة تراجع بفعل هيمنة المال الذي يقتل روح الرياضة.
الفرنسي “بيار دو كوبرتان” مؤسس الأولمبياد رفع شعار “الأهم هو المشاركة”، لذا من الهام تغليب البعد الإنساني، لأنّه في حال العكس بعد 7 سنوات من الآن، إفريقيا ستنمحي مع تنامي لغة المال.
الجزائر ليست نظيفة
استثنيت الجزائر من حملة المنشطات التي فخّخت عدة بلدان، هل هذا يعني أنّ الجزائر نظيفة في مجال الغش الرياضي؟
الأكيد أنّ الجزائر ليست نظيفة، وعشرات الحالات لرياضيين تعاطوا المنشطات تؤيد ذلك، لكن الحاصل أنّه في روسيا، الوضع تحوّل إلى “منشطات دولة”، بينما الدولة في ديارنا تعاطت بليونة مع حالات المنشطات، والأخطر أنّ هناك اتحاديات شجّعت رياضيين متورطين، ولم تتحرك الهيئات الرسمية (الصحة – العدل – الأمن ….)، مع أنّ الأمر لا يعني مواد محظورة في التنافس الرياضي، بل يتعلق بمخدرات، هنا أخشى أن تحصل فضيحة شبيهة بما يحصل لروسيا، فما معنى دعم أشخاص يغشون بالمخدرات؟
ومن الناحية الاقتصادية، تنفق السلطات المليارات على الرياضة، وحينما يعاقب الرياضيين يأخذون المليارات أيضا (..) فكيف سيكون الأمر؟، والأدهى أنّه ليست هناك أي محاسبة، ولا يتم منح الوثائق الكاملة، خاصة اتحادية ألعاب القوى، وأشير هنا إلى تواطئ محافظي حسابات، وعليه ينبغي اليقظة، لأنّ الرياضة ليست رياضة فحسب، بل هي إدارة وتنظيم ومال، ومشكلتنا في عدم متابعة وزارة الشباب والرياضة.
كيف تتصورون مرحلة ما بعد أولمبياد 2016؟
صراحة، فرحت لنزع 500 مليار سنتيم من ميزانية وزارة الرياضة قبل أشهر، لأنّ المال يتم بعثرته في المهام والسفريات، وهو تحول قد يرجع الجزائر إلى الطريق المستقيم، كثير من الهياكل الرياضية في الجزائر ضائعة وليس هناك أي متابعة.
انتهاءً، أتمنى أن يتم استخدام 5 آلاف منصب مالي استفادت منها وزارة التربية الوطنية اعتبارا من سبتمبر، وهو أمر يدعو لإعادة مدرّسي التربية البدنية والرياضية في المؤسسات التربوية.