العالم
الدكتور شوتري يواصل شهادته لـ "الشروق"- الحلقة الثانية

الدولة كانت على علم بتجنيد جزائريين للقتال مع إيران

الشروق أونلاين
  • 14507
  • 23
ح.م
أحمد شوتري عندما استقبله الراحل صدام

في الجزء الثاني من شهادته، يواصل الدكتور أحمد شوتري، حديثه عن حرب الخليج الأولى، ويتعرض إلى مشاركة جزائريين فيها، كاشفا أن بينهم من قاتل إلى جانب العراق، في حين قاتل آخرون مع الجانب الإيراني، بعد تدريبهم في سوريا وإيران. وينبّه عضو القيادة القومية لحزب البعث الاشتراكي، إلى “خطر” استفراد إيران بدول الخليج، بعد سقوط نظام البعث في العراق.


ثمة من يقول إن العراق لم ينتصر في حرب الخليج ولا إيران انتصرت، أي لا منتصر لا منهزم؟

بل العراق انتصر، لأنه كبد الإيرانيين خسائر هائلة، وأبعد عن نفسه أذاهم، ورفسنجاني نفسه، روى كيف أنه ذهب للخميني وقال له نحن أمام هزيمة حقيقية، ولا بد من قبول وقف إطلاق النار، فطلب الخميني قادة الجيش، فقالوا له نفس الكلام، حينها أذعن ووافق على وقف إطلاق النار، وقال عباراته الشهيرة: “وددت لو تجرعت كأس السم، ولم أقبل وقف إطلاق النار”.

.

ما معلوماتكم عن مشاركة الجزائريين في تلك الحرب؟

هناك جزائريون شاركوا في تلك الحرب مع الجانبين، فقد تم تجنيد جزائريين للقتال إلى جانب إيران، والدولة الجزائرية كانت تعرف ذلك، فقد كان للإيرانيين ناسهم هنا، وهؤلاء المجندون جرى تدريبهم في ليبيا وسوريا، وشاركوا في الحرب من منطلقات إيديولوجية ظنا منهم أن ما حصل في إيران ثورة إسلامية، فقد غُرر بهم.

كما هناك من شارك مع الجانب العراقي، أنا أعرف مثلا طبيبا جزائريا من الشلف، وكان يقيم بكندا وتطوع للدفاع عن العراق، وتم أسره في العام 1982، ولم يطلق سراحه إلا في 1998. والتقيته وروى لي عجائب عما تعرض له هو وباقي الأسرى من تعذيب وإهانات وتجويع وحرمان من النوم وغيرها. ولما أطلق سراحه كرّمه صدام حسين أعطاه رتبة عسكرية رمزية، تم على أساسها احتساب تعويض مالي معتبر له عن سنين الأسر. وسجل في الماجسيتر وظل في العراق حتى حلول الغزو في 2003.

.

ما مدى استفادة دول الخليج من تلك الحرب؟

لو عاد صدام إلى الحياة لقبّل الخليجيون قدميه، فهم مرعوبون الآن من إيران، هم لم يحبوا يوما صدام ولا البعث، وكان من مصلحتهم زواله هو وإيران، لكن وقفوا معه مضطرين لأنه كان يدافع عنهم. أما الآن فإيران انفردت بهم، تخوفهم وتعبث بأعصابهم، أنظر إلى المنطقة الشرقية في السعودية، حيث منابع النفط، هي الآن مضطربة سكانها كلهم شيعة، وهم أدوات إيران في المنطقة. ونفس الشيء حاصل في البحرين والكويت.

وإيران تواصل توجيه رسائل تهديد شديدة اللهجة إلى السعودية، من قبيل “نحن مسؤولون عن حماية تراث آل البيت، المهانة قبورهم وبيوتهم”، وتتحدث باسم الشيعة كلهم.

.

بعد حرب الخليج الأولى قام صدام بغزو الكويت، ويوجد إجماع على أن الغزو كان خطأ قاتلا، وأنتم كيف تنظرون إليه؟

الأستاذ عزت إبراهيم نفسه، اعتذر من الكويت وقال إن ما حدث كان خطأ استراتيجيا، وأن العراق اصطدم بأمريكا في وقت كانت هي وحدها هائجة في العالم.

لكن لفهم ما حدث لا بد من العودة إلى الحرب مع إيران، فبعد تحرير الفاو في 1988، صارت دول الخليج ترفع العلم الأمريكي على سفنها، فقال صدام لحكام الخليج “كنتم تخافون من إيران، والآن هل تخافون مني، وأنا أخوكم وجاركم؟”. بعدها بادرت الكويت باستفزاز العراق، وصارت صحفها الحكومية تشكك في انتصار العراق، وتصف صواريخه بـ “الألعاب النارية”، وطالبت بتعويضات عما قالت إنه رسو السفن العراقية في موانئها خلال الحرب.

وبدأت المخابرات الكويتية تتسلل إلى محافظة البصرة، وتروج الدولار المزيف للإضرار بالاقتصاد، وتنشر البلبلة وتقول للناس ماذا جنيتم من الحرب؟ بل وتتحرش بأرامل الشهداء.

أما أخطر شيء فهو إغراق سوق النفط، حتى وصل سعر البرميل إلى سبعة دولارات، ما أضر كثيرا العراق الذي كان بحاجة لبناء ما دمرته الحرب، وكانت الكويت تسعى إلى إنزال السعر إلى خمسة دولارات، وتضررت حتى الجزائر من ذلك.

وفي مؤتمر القمة العربية ببغداد في 1990، قال صدام في آخر الاجتماع، عندي شكوى من دون أن يذكر أية دولة، وأضاف “هناك دول عربية تؤذينا في سوق النفط، وهذا تصرف مقصود ونحن خارجون من الحرب. إن كان هؤلاء لا يقصدون أذيتنا فقد نبهناهم، وإن كانوا يقصدون ذلك فقطع الأعناق ولا قطع الأرزاق” وانفض المؤتمر.

والعدوان على العراق كان مبيتا، قبل دخوله الكويت، فقد زار الجنرال شوارزكوف الكويت في 1989، ومكث هناك شهرا، أعد خلاله للحرب.

والعراق من جانبه كان مشغولا بالحرب، والكويت نهبت نفطه من حقول الرميلة، وقدر قيمة النفط المنهوب على مدار ثماني سنوات، بـ 10 ملايير دولار طالب بها كتعويض.

وللأمانة السعودية كانت ضد الحرب، وعرضت تقاسم ذلك المبلغ مع الكويت وتوسطت بين العراق والكويت، وآخر لقاء رعته بين الجانبين كان في جدة في 1990، حيث ترأس الوفد العراقي السيد عزت إبراهيم وعن الجانب الكويتي سعد الصبّاح، الذي استفز الأستاذ عزت، ولوح في وجهه بملف وقال له كلاما جارحا. ولما دخل العراقيون الكويت عثروا في الأرشيف الكويتي، على توجيه من أمير الكويت إلى سعد الصبّاح، يدعوه إلى عدم تقديم تنازلات وإفشال لقاء جدة.

.

لكن العراق برر الغزو بأن الكويت أرض عراقية وأنها المحافظة 19؟

حتى العملاء الذين يحكمون العراق اليوم، رفضوا الاعتذار منهم . هناك إجماع عراقي، وليس بعثيا أو صدّاميا، على أن الكويت أرض عراقية مقتطعة من محافظة البصرة، وهذا منذ عهد الملكية، بل ومنذ عام 1925 اقتطعتها بريطانيا لأنها غنية بالنفط ولا يمكن تركها لدولة مثل العراق.

.

وماذا عن رأي المواطنين الكويتيين في المسألة، هل ثمة بينهم من يؤمن بأن الكويت عراقية؟

خلال دخول الجيش العراقي، كثير من الكويتيين ابتهجوا لذلك، وهناك عشائر بكاملها تعتبر نفسها عراقية، لاسيما من يعرفون بـ “البدون” الذين حرموا من الجنسية لأنهم من أصل عراقي صريح، وهم من السكان الأصليين للكويت.

حتى داخل الأسرة المالكة نفسها، الأميرة سعاد الصباح شاركت في إحدى طبعات مهرجان المربد بالعراق، ألقت قصيدة قالت فيها “أنا امرأة من جنوب العراق” فغضب منها بنو عمومتها.

مطلب توحيد العراق والكويت رفعه كل حكام العراق، وصدام وحده من اعترف بالكويت كي يطمئن الكويتيين.

.

لكن برأيكم أنتم هل كان الغزو مبررا؟

أنا لا أنصب نفسي مكان العراقيين، وكذلك أنا بعثي لا أؤمن بالحدود وأؤيد الوحدة. لكن العراقيين كلهم يرون ما قام به صدام مبررا، ويحمّلون حكام الكويت ما حل بهم الآن.

.

أنتم عشتم في العراق 10 سنوات متصلة، عايشتم خلالها الحصار. هل من الممكن أن ترووا لنا بعض مشاهداتكم عن الحصار ومواجهة العراقيين له؟

تعامل العراق مع الحصار تجربة أتمنى أن يستفيد منها الجميع، ويتعلمون من الطريقة التي أدار بها صدام ورفاقه الحصار، وكيف أبدعوا في تطوير الزراعة وتوفير الغذاء والتعليم والطب، وشحذ همم المهندسين والمبدعين، لبناء ما تهدم وإعادة الكهرباء والطرق والجسور وغيرها.

كانت تجربة عظيمة تستحق الدراسة، حتى البطاقة التموينية، اضطر العملاء الآن إلى الإبقاء عليها، وفي عهد صدام كانت ناجحة 100 بالمائة بشهادة الأمم المتحدة، وتوفر الحاجيات الأساسية للمواطن، واليوم صرنا نرى العراقيين يشتكون من نقصها وتأخرها.

وفي المحصلة، فإن ذلك الحصار لو ضرب على دولة أخرى، غير العراق لانهارت، الدولة العراقية كانت تتابع الظواهر الناجمة عن الحصار، وتعالجها من البداية، مثلا لو ارتفع سعر السكر تنزل شاحنات وزارة التموين وتغرق السوق، ولو ارتفع سعر الدولار، الذي به تعدل الأسعار، تنزل سيارات البنك تبيع وتشتري الدولار ليستقر سعره.

حتى أن المناضلين البعثيين كانوا يفتحون دكاكين يبيعون بها السلع بأسعار منخفضة.

.

نعود إلى شخصية الرئيس صدام ألا ترون انه كان مفرطا في القسوة واضطهاد معارضيه؟

ما يقال بهذا الخصوص محض مبالغة، إلا إذا اعتبرت الانضباط قسوة.

.

وماذا عن الإعدامات التي كان يأمر بها بإفراط؟

الإعدام كان ينفذ في حق من تثبت عليهم تهمة الجوسسة، وفي حق عناصر حزب الدعوة باعتباره حزبا إيرانيا، حتى قادته الذين كانوا في العراق هم إٍيرانيون، مثل المالكي.

.

من يقضي على الأمية يوفر الغذاء ويرفع مستوى الدخل، أليس رحيما؟

كان صدام أكثر الرؤساء العرب نزولا إلى القرى والشوارع، يجالس المواطنين ويأكل معهم، لكن الغرب يتعمد التشويه، حتى الرسول ـ صلعم ـ نفسه يفترون عليه إلى اليوم.

.

وماذا عن ضرب حلبجة بالسلاح الكمياوي؟

العراق لم يستخدم الكيماوي سوى ضد الجيش الإيراني لما توغل في الأراضي العراقية، وأمريكا والأمم المتحدة، أكدا أن ذلك النوع من الغاز الذي ضربت به حلبجة لم يكن متوفرا لدى الجيش العراقي، بل موجود لدى الجيش الإيراني، والواقعة المزعومة يروجها الإسرائيليون واليهود أكثر من الأكراد أنفسهم، في إطار ترويجهم لمزاعم توفر العراق على أسلحة الدمار الشامل.

وعن قصة حلبجة، فقد أبلغ حزب الطالباني الإيرانيين، ان الحامية العراقية بالقرية، تعدادها قليل، فهاجمها الإيرانيون وأسروا عناصر الحامية، واحتفلوا بذلك مع جماعة الطالباني، وعلي حسن المجيد طوق القرية، ووجه إنذارا بأنه سيضربها بالكمياوي، ولم يكن جادا في ذلك وإنما كان يريد تخويفهم فقط، وفعلا انسحب الإيرانيون، لكنهم ضربوها بالكيماوي حتى تلصق التهمة بالعراق، مستغلين إنذار المجيد الذي هدد ولم ينفذ. وحتى لو أراد ذلك فذلك مستحيل، فإصدار الأوامر باستخدام الأسلحة الاستراتيجية من صلاحيات الرئيس وحده، مثلما هو الحال مع الحقيبة النووية التي يحتفظ بها بوتين أو رئيس فرنسا وغيرهم من قادة الدول النووية.

وحتى بعدما غزي العراق واستبيح الأرشيف لم يتم العثور على وثيقة واحدة، تؤكد تلك المزاعم، ولا توجد شهادة واحدة من عسكري عراقي، ولا حتى من العملاء، على تلك الواقعة، وهل من العقل أن تضرب قرية بالكمياوي وبإمكانك احتلالها ببضع دبابات؟

.

لكن يتهمه خصومه بالبذخ والإسراف والعيش في القصور في وقت كان شعبه يئن تحت وطأة الحصار؟

صدام لم يسكن أيا من تلك القصور، بل كان يقيم في فيلا عادية مثله مثل أي مواطن عراقي، وهناك فيلات لمواطنين عراقيين أفخم منها بمئة مرة، وأنا زرته في تلك الفيلا، وقد روى لي بنفسه قصة تلك القصور، وقال لي عندما استضفنا القمة العربية في 1978، لم نجد مكانا نأوي فيه رؤساء 20 دولة عربية، فذهبنا إلى حي برجوازي في بغداد، واخترنا فيلات عرضنا على أصحابها تأجيرها وتهيئتها وتأثيثها، على أن نتنازل لهم عن الأثاث والتجهيزات بعد ذلك، ونأويهم خلال تلك الفترة في أحد الفنادق، لذلك قررنا، والكلام لصدام، بناء ضيافات لاستقبال كبار الضيوف الأجانب، وتلك القصور لم تكن لاستخدام صدام بل للدولة العراقية.

حتى في حياته الشخصية كان بسيطا، لم يغادر حياة الفلاح سلوكا وعيشة إلى أن مات، وكثيرا ما شاركته الطعام، فكان يأكل مثل بقية المواطنين، والعراقيون معروفون أنهم يحبون الأكل لأنهم أغنياء.

.

وهل كان صدام متدينا؟

أجل كان متدينا ومحافظا على الصلاة، عندما كنا نعقد اجتماعات القيادة القومية، حين يحل وقت الصلاة يدخل سكرتيره الدكتور عبد حمود (أعدم في جوان 2012)، ويقف قبالته يدرك صدام انه وقت الصلاة، فيقول استراحة لربع ساعة، من دون أن يذكر أنه ذاهب للصلاة، حتى لا يحرج أحدا، فبيننا مسيحيون وربما فينا من لا يصلي، ولما نخرج للاستراحة نجد سجاجيد الصلاة فوق منضدة لمن يرغب في الصلاة.

كما أن الأستاذ عزت إبراهيم، رجل متصوف يصوم رجب وشعبان ورمضان، وهو من اتباع الطريقة الرفاعية، ويواظب على صلاة الجمعة بمسجد الكيلاني في بغداد.

.

ابنا صدام عدي وقصي هما أيضا محل اتهامات بالتسلط وإهدار أموال الدولة في حياة البذخ، ما مدى صحة هذه الاتهامات حسب اطلاعكم؟

لم أعش معهما لأحكم عليهما، لكن دعني أقول لك شيئا، أبناء المسؤولين مشكلة كبيرة في كل العالم، وليس في العراق فقط، بالنسبة لقصي أروي لك حادثة.. لما انتقلت إلى الحي الذي يقطنه المسؤولون العرب، كان قصي يقيم بجانبي، لكن سرعان ما غادر، احتراما لي لأني أعلى منه مرتبة بحكم عضويتي في القيادة القومية، وقد كان قائد الحرس الخاص المكلف بحمايتنا، وكثيرا ما التقيت به وكان في غاية الأدب والخجل، فلا يكاد يرفع عيناه إلى وجهك، وتعيينه في المنصب كان على أساس الثقة، ويقتصر على ترتيب لقاءات المسؤولين بوالده، لأن صدام كان مستهدفا بعد العدوان الثلاثيني.

أما عدي فالتقيته مرة واحدة، كان مسؤول تلفزيون الشباب واشتكى مسؤولو الإذاعة الوطنية، من حجز طواقم تلفزيون الشباب للاستديوهات ساعات طويلة، فحرر الوزير عبد الغني شكوى للرئيس، الذي أمر بتشكيل لجنة تحقيق، يرأسها الأستاذ طارق عزيز، وكنت في عضويتها إلى جانب الأستاذ بدر ووزير الإعلام، وقررنا عدم جمع عدي والوزير في جلسة واحدة لأن الوزير أرفع رتبة، في اليوم الأول استمعنا لأقوال الوزير، في اليوم الثاني استدعينا عدي، فجاء وجلس أمامنا كالطفل ودافع عن نفسه بكل أدب، وكان يجيب عن كل أسئلتنا بكل أدب، وكان كل منهما (عدي والوزير) على جانب من الصواب، ولما قررنا حلا وسطا للمشكلة قال عدي “حاضر”، عموما لم أعش مع قصي وعدي لأقول إنهما كانا من الملائكة أم لا، لكن من المؤكد أن ما قيل بشأنهما فيه الكثير من المبالغة في إطار حملة التشويه.

.

وماذا عن السيدة ساجدة زوجة صدام؟

لم يكن لها أي ذكر أو أي دور، وهي قليلة الظهور وكانت ربّة بيت عادية، وهي ابنة خال صدام، ويعرفها منذ صباه وتزوجا عن حب، وكذلك الحال لزوجات باقي المسؤولين، لم يكن لهن أي دور، أعرف زوجة طارق عزيز، وزوجة طه ياسين رمضان، كانتا سيدتين في غاية التواضع والبساطة.

مقالات ذات صلة