الرأي

الدول المغاربية وأزمة دول إفريقيا جنوب الصحراء

حبيب حسن اللولب
  • 1267
  • 3

إن العلاقات المغاربية الإفريقية، قديمة قِدم التاريخ فيها، تاريخية وروحية وحضارية واقتصادية وتجارية، وقد زادها الإسلام وانتشار ودخوله في إفريقيا متانة وقوة، والمذهب المالكي والزوايا والطرق الصوفية وقوافل التجارية والحج تجذرا وصلابة واستمرارية، بوابة الدول المغاربية إلى إفريقيا، وأمنها الإقليمي، وخاصة وتعتبر دول الجوار مثل  تشاد ومالي والنيجر والسنغال، وقد احتلت من قبل الفرنسيين، ورسمت خطة وإستراتيجية، تعتمد على فصم عرى العلاقة بين المغاربة وهذه الدول وقطع أواصر الماضي، وقد ارتكزت على خمس ركائز متمثلة في البِعثات التبشيرية والمستشرقين والفرنسة ونشر اللغة الفرنسية ومحاربة اللغة العربية واللهجات المحلية والدين الإسلامي الحنيف، وقد اتبعت سياسة التجفيف.

ومع ذلك، بقيت العلاقات والروابط الحضارية بينها، ودُعمت أكثر خلال الحرب العالمية بتواصل الطلبة الأفارقة والمغاربة داخل الجامعات الفرنسية، وظهور الوعي بالمطالبة بالاستقلال وتقرير المصير، وقد ساهمت نضالات الحركات الوطنية المغاربية واندلاع الثورة الجزائرية في تغيير الخريطة الجي- سياسية، ومن نتائجها استرجاع كل من تونس والمغرب والجزائر الاستقلال، وازدياد الضغوط على الدولة الفرنسية وطالبت باستقلال مستعمراتها الإفريقية وبفك الحصار عليها، وافقت تحت الضغط واسترجعت هذه الدول استقلالها في إطار التكافل مع فرنسا، ولكن تحت تقسيم جديد حسب الثروات، لم يراعِ تجانسها من حيث التركيبة السكانية والعرقية، وحملت هذه الدول الوليدة، بذور الانفجار والفشل والتفكك وعدم الاستمرارية. ولفهم الموضوع لابد من طرح الإشكالية والأسئلة التالية والإجابة عنها، خلال عرض الموضوع.

ما هو واقع هذه العلاقات؟ وما هي التحديات المتصلة بها؟ وما هي انتظاراتها وآفاقها؟ وما سبل تطويرها؟ وفيما تتجلى ارتداداتها على المنطقة المغاربية؟.

عرفت العلاقات المغاربية مع دولة التشاد ومالي والنيجر، خلال فترة الاستقلال، فتح السفارات وتبادل السفراء، والتعاون في تأسيس منظمة الاتحاد الإفريقي، والانتماء إلى المنظمات الإقليمية والدولية، وكانت العلاقات تحت أنظار ورقابة وصاية اللوبي والشركات الفرنسية، ووفق الهامش المحدد والمسموح به للرؤساء، وقد شجعت الدولة الفرنسية الاستبداد والانقلابات العسكرية، وشمل التعاون التعليم العالي متمثلا  في الجامعات المغاربية في كل من  ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، والتي فتحت أبوابها واستقبلت الطلبة من هذه البلدان، وخصصت لهم مقاعدَ ومنحا جامعية، وسمحت لهم بالتسجيل في عديد الاختصاصات، مثل العلوم الإنسانية والاجتماعية والشعب العلمية والطبية والفلاحية والهندسة وغيرها، وقد تخرج منها الآلاف بإجازات متنوِّعة في الهندسة والطب والفلاحة وغيرها من العلوم والاختصاصات، ونفس الشيء بالنسبة إلى أكاديميات الجيش والشرطة التي تخرج منها مئات الضباط من هذه الدول في اختصاصات متعددة.

وشمل التعاون الجانبَ الديني بتكوين الأئمة والمرشدين، في ضوء المذهب المالكي وفي إطار من الوسطية والاعتدال، وهكذا انتشر الإسلام المعتدل المتسامح والمنفتح على الآخر، وإلى جانب ذلك وثقت العلاقات مع الزوايا والطرق الصوفية، مثل السنوسية والقادرية والتيجانية وغيرها، وشملت أيضا التبادل الاقتصادي والتجاري والبعثات التعليمية والفنية والأمنية.

وقد عملت الحكومة الفرنسية على عرقلة هذه العلاقات والانفراد بالسوق والثروات الباطنية والاستثمار فيها، وعرقلت كل تقارب من الرؤساء الأفارقة  تجاه البلدان المغاربية، بالقتل أو الانقلاب العسكري وشجعت ودعمت الاستبداد والاقتتال الداخلي بين القبائل ومحاربة الديمقراطية، والحروب بالوكالة، وشهدت المنطقة أيضا، الحرب الليبية- التشادية على الحدود سنوات (1978- 1987) على إقليم أوزو الغني بالثروات، وإلى جانب الحروب الداخلية والأهلية والانقلابات العسكرية في كل من التشاد ومالي والنيجر، وبين القبائل والدولة التي سيطرت عليها قبيلة  واستفردت بالحكم والتنمية وهمشت المناطق الأخرى وعلى حساب بقية القبائل والأقاليم، مما ساهم في التفاوت الجهوي والفقر والجهل والمجاعة، وضعف الإحساس بالمواطنة والانتماء إلى هذه الدول، ما جعلها مهددة بالانقسام والزوال، ومرتعا للعصابات والحركات الإرهابية والإجرامية، مثل داعش والقاعدة وبوكو -حرام وغيرها حيث اختطاف الأجانب والحصول على فدية، والتجارة بالممنوعات مثل الأسلحة والمخدرات والبشر.

وقد تدخلت كل من ليبيا في عهد العقيد معمر القذافي والجزائر والمغرب وموريتانيا، بالصلح والوساطة بين هذه الدول والقبائل المنتفضة والثائرة، وشمل التعاون أيضا الجانب الأمني والاستخباراتي، مثل مشروع تماراست سنة 2009، ولجنة قيادة القوات المشتركة (سيموك)، وخلية الاستخبارات المشتركة، وهي وحدة دمج وربط، وغيرها من المشاريع التي بقيت حبرا على الورق وفي صفوف الأدراج، وقدّمت المساعدات المادية والمعنوية والقروض والهبات لهذه الدول، ومع ذلك لم يكن لها تأثيرٌ يُذكر على أرض الواقع، والملاحظ  أن كل هذه المساعي أفشلت من قبل الحكومة الفرنسية واللوبيات المحتكِرة للحكم التي حاولت إقصاء  الدول المغاربية وإبعادها عن التأثير على هذه الدول التي أصبحت فاشلة وعاجزة عن تحقيق الاستقرار وبسط سيطرتها على أراضيها ومرتهنة لحماية ووصاية القواعد الفرنسية والشركات حتى في مستوى القرار السياسي والاقتصادي والثقافي.

تعدُّ التشاد ومالي والنيجر من الدول، التي لها حدودٌ وجوار مع  كل  من ليبيا والجزائر وموريتانيا، صمَّامَ الأمان ومن شأنها تعزيز الأمن الإقليمي للدول المغاربية التي تمثل بدورها بوابة للدخول إلى القارة الإفريقية رغم أن التأثير المغاربي ضعيفٌ في هذه البلدان، بسبب الحصار المضروب عليه، ونلمس ذلك من غياب التمثيل في وفود وساطات الصُّلح والقوة العسكرية ماعدا موريتانيا وهذه الأزمة التي تعيشها التشاد ومالي والنيجر لها ارتدادات على الجزائر وموريتانيا وخاصة ليبيا، وهو بلدٌ حديث الخروج من أزمته وقد دخل في المصالحة وبناء الدولة الجديدة  والمؤسسات، مع أن مشروعا يقع إعدادُه في الغرف المظلمة لتغيير التركيبة الديمغرافية للسكان خاصة في الجنوب الليبي وفصله وتشجيع الهجرة من هذه الدول، وتطور الأمر إلى  تجارة الأسلحة والبشر والجريمة والمخدرات وتموقع العصابات والحركات الإرهابية وتهديد الاستقرار والأمن الإقليمي المغاربي والأوروبي من خلال الهجرة السرية.

وأصبحت القارة الإفريقية محل استقطاب من قبل القوى الإقليمية والدولية، مثل الصين وروسيا والهند وتركيا وإيران وأمريكا واليابان وكوريا الجنوبية واستراليا وكندا وألمانيا وغيرها من الدول والقوى الاقتصادية الصاعدة والعالم يعيش تشكل خريطة سياسية جديدة، متعددة الأقطاب تطالب بنصيبها وبرفع وفك الأشكال القديمة للحصار والوصاية، وخاصة ما يتصل  بإضعاف اللوبي الفرنسي، والمشاركة في الاستثمار في الثروات الباطنية لهذه الدول، في إطار سياسة رابح- رابح .

وعلى الدول المغاربية الاستعداد للتموقع والاستثمار والتعاون مع دول إفريقيا وجنوب ساحل  الصحراء، وهي سوقٌ واعدة بكثافة سكانية أكثر من مليار، أصبحت الديموغرافيا تصنع تاريخ الدول والقارات، وسيكون لها المستقبل الواعد، ولابد من استغلال الموقع والتاريخ والجغرافيا، وأن تكون الدول المغاربية شريكا لا مجرَّد وسيط ومروِّج أو سوق لبضائع هذه الدول.

وعلى الدول المغاربية استغلال الموقع الجيو- سياسي، وتهيئة البنية التحية من المطارات مثل تمنرا ست وغدامس والدار البيضاء ونواكشوط والطرقات السريعة، لتكون همزة وصل مع إفريقيا، وإنشاء مناطق حرة على طول الحدود، وتأسيس شركات مشتركة في الطاقة والفوسفات، والمراهنة على المجتمع المدني، بتأسيس جمعيات الصداقة، في التشاد ومالي والنيجر وغيرها من الدول، مشكَّلة من خريجي الجامعات المغاربية، والزوايا والطرق الصوفية، وإعادة هيكلة السفارات، وتفعيل دور المستشار والملحق الثقافي والتجاري والتعليمي، وإحداث أكاديميات سياسية لتخريج الدبلوماسيين المتخصصين، في إفريقيا وأوروبا وأمريكا وآسيا وغيرها من الدول والقارات، وإحداث تخصُّصات في الجامعات المغاربية، في التاريخ الإفريقي (القديم والوسيط والحديث والمعاصر)، في الإجازة والماجستير والدكتوراه، ومراكز للبحوث والدراسات متخصصة في إفريقيا ودول ساحل الصحراء والاستشراف، وكذلك العمل على بعث مؤسسات إعلامية (إذاعات، قنوات تلفزية، مواقع الكترونية، صحف) ومراكز ثقافية والاستثمار في الفلاحة والخدمات والطاقة وغيرها …

يتطلب النجاح، إعداد خريطة الطريق، برافعات وركائز ومفاتيح، متمثلة في ترميم البيت الداخلي، والمصالحة بين الدول والشعوب، والابتعاد عن الأدلجة والتخوين بين النخب، والقيام بمراجعات مستمرة، وترسيخ قيم المواطنة والحسّ المدني والانتماء إلى الدولة والفضاء المغاربي، والحرية والديمقراطية والشفافية، وأيضا إصلاح التعليم ومحاربة الفساد والرشوة والمحسوبية، ومفاتيحها المصالحة بين الجزائر والمغرب، وفتح صفحة جديدة في العلاقات المغاربية وتنمية المناطق الحدودية، ودخول السوق الإفريقية متحدين والانتقال من التنافس البيني إلى التعاون البيني، وإحياء مؤسسة الاتحاد المغرب العربي الكبير ومحاربة ثالوث الموت المخدرات والإرهاب والهجرة السرية، والتطلع إلى المستقبل الواعد للمنطقة المغاربية بنظرة ورؤية استشرافية.

مقالات ذات صلة