-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الديكتاتور والثقافة

صالح عوض
  • 1779
  • 0
الديكتاتور والثقافة
الارشيف

في القرآن الكريم تم تلخيص عناصر نفسية الديكتاتور وتكثيفها في شخصية فرعون كما تمت الإشارة في القرآن الكريم إلى المثقف الأعلى والمفكر الأوسع والإنسان المبدع والمجتهد الفذ ممثلا في “النبي”.. وكانت المعركة بين الفرعون-الطاغوت والنبي-الإنسان عنوانا للمعركة بين الديكتاتور في كل زمان من جهة وممثل الثقافة والعلم والنور في أي زمان من جهة أخرى.. في هذه المعركة تبرز أدوات الديكتاتور وأساليبه ومنهجه، إنها الأنانية والخسة والأكذوبة والخديعة والوقيعة والقتل والمكابرة والاستهزاء والفتك بالمخالفين كما تتجلى صفات ممثلي الوعي والثقافة والنور إنها الحجة البالغة والصبر والنبل والسمو والرجولة والنظافة والزهد والصدق والنصح وسعة الأفق والرحمة والإنسانية.

في تاريخنا الإسلامي قديمه وحديثه نماذج عديدة للديكتاتور عانت منهم الأمة، فلكم ارتفعت أعواد المشانق لصلب الأحرار من أئمتنا وعلمائنا ومفكرينا وقطع رؤوسهم والزج بهم في السجون أو النفي.. ولكن هناك اختلاف واضح بين ديكتاتوريي الماضي وديكتاتوريي هذا الزمن.. فمثلا يمكن فهم موقف أبي جعفر المنصور تجاه العلماء والمفكرين والمثقفين في زمانه حيث كان يضع يديه على مملكة مترامية الأطراف تكتنز كثيرا من التحديات وكان لابد له أن يثبت أركان الدولة المترامية.. ويمكن كذلك فهم موقف الحجاج وهو يصادر الحريات ويكتم الأفواه الحرة ويقمع المخالفين لحكم بني أمية ويلاحق المتمردين ويرد المنشقين ذلك لأنها لحظات حاسمة في تاريخ الأمة يمكن أن تتلاشى فيها شوكتها ووحدتها لو ترك الأمر إلى سعة الاختلاف.

هذان المثالان لرجلين من رجال تميزوا في تاريخنا الإسلامي بقمع الحريات والتجرؤ على مقامات العلماء والمفكرين والأدباء ولكن يمكن أن نرى فيهما عنصرين بارزين، الأول أنهما رجلان مثقفان ضليعان بالفكر والأدب والسياسة والحنكة، والعنصر الآخر أن بطشهما كان لمصلحة وحدة حياض الأمة وإبراز قوة شوكتها أمام أعداء يتربصون بها من كل جانب.. فلئن غاب عندهما العدل بمعناه النبيل فلقد حضرت عندهم قيمة الوحدة بمعناها الحاسم.

لا أبرر لهما ولا لغيرهما من رموز البطش والديكتاتورية في تاريخنا فعلتهم فهم قتلوا بالمظنة وألحقوا الأذى بضمير الأمة وروحها.. ولكن أردت مما سبق أن أشير إلى أنواع الديكتاتوريات المعاصرة في وطننا العربي.. فهي ديكتاتوريات يمارسها رجال يتأتئون في أحرف اللغة العربية كأنما هم في درس تهجية أولية وليس لأحدهم نصيب من ثقافة أو فكر أو حنكة هذا من جهة، ومن جهة أخرى هم يفرطون بوحدة الأمة ولا يغارون عليها ولا يستمعون إلى صراخات الأرامل والثكالى والحرائر.. بل يتعاون كثير منهم مع أعداء الأمة ضد الأمة ويفتحون الأبواب للمحتلين الاستعماريين الأجانب..

من هنا فإننا إزاء حالة أخرى لا تشبه شيئا في ماضينا ولا ماضي الشعوب الأخرى. إن دكتاتوريي هذا الزمان العربي هم شيء آخر يحتمون بلفظ الديكتاتور لعل فيه معوض نفسي عن هزيمة داخلية ولعل فيه ما يكفي من تغطية على عجز مستبد في عناصر الحياة الأولية..

الدكتاتور عدو طبيعي للتفتح والاجتهاد والتنوع.. الديكتاتور نمطي يلاحق كل شاردة وواردة يخشى أن تكون فيها نهايته، خائف، جبان، متوجس، يعتمد كثيرا على العسس والدس ولكنه في كل هذا لا يستقر له حال لأنه مسكون بالخوف كما كان حال فرعون..ولحكمة الله في الكون يظل التلازم في التوازن هو السنة الماضية فأينما تجد فرعون أبحث فإنك ستجد موسى عليه السلام.. ولن تنكسر عصا موسى وسيهزم الديكتاتور مهما زيّن له السحرة وعد الله ولن يخلف الله وعده.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!