الرأي

الدّيانة العلمانية!

سلطان بركاني
  • 986
  • 0

لعلّ من أخطر الأفكار التي عمل الإعلام الموجّه على ترسيخها في واقع المسلمين في العقود والسّنوات الأخيرة، هذه العلمانيةَ المقيتة التي تسعى إلى تحييد وإبعاد الدّين عن واقع الحياة والحجر عليه في المساجد والمقابر، لتسِير الحياة وتُحكم العلاقات بين النّاس بمبادئ تفتح الأبواب على مصاريعها ليس للخروج عن الدّين فحسب، إنّما –كذلك- للخروج عن الفطرة الإنسانية التي فطر الله عباده عليها.

علمانية تجعل الزّنا والشّذوذ والعري ومعاقرة الخمور، قناعات شخصية وحقوقا فردية لا يحقّ لأحد أن ينكرها على أحد.. علمانية تمنع الآباء أن يتدخّلوا في توجيه أبنائهم ورسم قناعاتهم، وتعطي الحقّ للأبناء في أن يختاروا ليس فقط لباسهم وحياتهم الخاصّة، إنّما –كذلك- في أن يختاروا أديانهم، وتجعل دين الله الحقّ في منزلة الأديان المحرّفة والديانات المخترعة التي ما أنزل الله بها من سلطان.. علمانية ترفع شعار “الدّين لله والوطن للجميع”، وتنادي بأنّ الحكم للشّعب، ليس في اختيار من يحكمه فحسب، وإنّما أيضا في اختيار ما يحكمه من دساتير وقوانين ونظم.

هذه هي العلمانية في شكلها العامّ، أمّا العلمانية العربيّة، فهي الأكثر تطرّفا بين العلمانيات العالمية، لأنّها تتبنّى دعوى المساواة بين الأديان، لكنّها تعلن عداءها للإسلام وللإسلام فقط، وتظهر تسامحا نادرا مع الأديان المحرّفة والديانات الوضعية. ترفع شعار الحرية الشّخصية، لكنّها تسعى في حرب مظاهر التديّن ولا تعتبرها حرية شخصية، فتجدها مثلا تدافع عن الكاسيات العاريات ضدّ ظلم الأولياء وظلم المجتمع المزعوم، لكنّها لا تدافع عن حقّ المحجّبات ضدّ سطوة بعض المسؤولين في المؤسّسات والإدارات، بل ترى أنّ الحرب على الحجاب هي حرب علمانية مقدّسة!

ربّما لا يوجد على ظهر البسيطة مسلم يسمع بهذه المبادئ الهدّامة التي تقوم عليها العلمانية إلا وينكرها بلسانه، لكنّ كثيرا من المسلمين أصبحوا مع كلّ أسف يتبنّون بلسان الواقع والحال بعض مبادئ العلمانية التي ينكرونها بلسان المقال.. ينكرون العلمانية ويتبرؤون منها بألسنتهم لكنّهم يتبنّون بعض مبادئها في كثير من أحوالهم وفي بيوتهم وأعمالهم ومعاملاتهم.. بسبب مكر الليل والنّهار الذي مارسه الإعلام الموجّه خلال العقود الأخيرة في المسلسلات والأفلام والبرامج المختلفة، لم تعد العلمانية شعارات تطلقها الأقليات لتتقرّب بها إلى الغرب زلفى، لكنّها أصبحت واقعا يعيشه كثير من المسلمين.

كثير من المسلمين أصبحوا بلسان الواقع يتعاملون مع الإسلام على أنّه دين يحكم علاقة الإنسان بخالقه، أمّا المعاملات فيرون أنّها تخضع للمصلحة، وأصبحوا ينظرون إلى من يهتمّ بالحلال والحرام في تعاملاته، على أنّه غريب في واقعه.. أضحى كثير من المسلمين ينظرون إلى الدّين على أنّ مكانه بين أسوار المساجد والمقابر، وإن كان لا بدّ له من دور فليكن له دور هامشيّ في دعوات ترفع عقب عقد الزّواج، وآيات من القرآن تتلى في افتتاح اللّقاءات والمؤتمرات وفي الجنازات.. لذلك نرى من يفتح محلّه ودكّانه في الصّباح يضع تلاوة عطرة للقرآن الكريم، لبضع دقائق، ثمّ نجده يطفّف في الميزان ويغشّ في بيعه ويحلف كاذبا وربّما يبيع ما يحرم بيعه من دخان أو ألبسة فاضحة مزرية.. ونرى من يشغّل القرآن الكريم في مسجّل الحافلة في الصّباح، ثمّ ما هي إلا ساعة من الزّمن، حتى يصمّ آذان الركّاب بألحان تحوم كلماتها حول الحبّ والغرام وربّما تتغنّى بمعاقرة الخمور.. ونرى من يحجّ ويعتمر ويتابع بين العمرة والعمرة لكنّنا نجده مرتشيا لا يتورّع عن أخذ الرشوة وإعطائها، مرابيا لا يتورّع عن أكل الربا وإعطائه.. ونجد من يصلّي في المسجد الصّلوات الخمس لكنّه يأكل حقّ إخوته وأخواته في الميراث.. ونجد من يصلّي ويتصدّق، لكنّه في عرسه أو عرس أبنائه يرفع شعار: “نديرو كيما يديرو النّاس”!!!

نجد المرأة تحجّ وتتصدّق، لكنّها لا تتّقي الله في زوجة ابنها، تؤذيها وتضيّق عليها وتسعى بالنّميمة بينها وبين زوجها حتى يصل الأمر إلى الطّلاق.. نرى الشابّ يصلّي في بيت الله، ويسمع الدّروس والخطب، لكنّه يظلّ مصرا على تطويق عنقه بسلسلة، وربّما يلبس السّراويل المقطّة والمخرّقة والضيّقة، ولا يتورّع عن محادثة الفتيات ومضاحكتهنّ في الواقع وفي المواقع، وكأنّه بلسان حاله يقول: “ما لله لله، وما للنّفس للنّفس”.. بل بلغ الأمر ببعض الشّباب إلى درجة أنّهم أصبحوا يأنفون من سماع أيّ كلام عن الدّين خارج أسوار المساجد، ويرون أنّ أيّ كلام عن الآخرة والحلال والحرام إنّما مكانه المسجد.

مع كلّ أسف.. كثير من المسلمين أصبحوا يدينون من حيث شعروا أو لم يشعروا بالعلمانية، ويتبنّون كثيرا من مبادئها وقيمها بلسان الحال وأحيانا بلسان المقال أيضا، تجد قائلهم يقول: كل أحد حر في اختيار دينه، وفي اختيار لباسه.. وكلّ فتاة حرّة في لبس الحجاب أو تركه.. يقول إنّ اللّباس ذوق والحجابَ قناعة، وينسى قول الله تعالى: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا))… يرى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر تطفلا وتدخلا في شؤون الغير.. يرفع شعار “هي حياتي، وأنا أعيشها كما يحلو لي وكما أريد”، ويرفع شعار “دع الخلق للخالق”، ولا يعلم أنّ مبدأ “دع الخلق للخالق” صحيح في الحكم على النوايا، وفي تحديد من يدخل الجنّة ومن يدخل النّار، لكنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجب كالصّلاة والصّوم والزّكاة، بل عدّه بعض العلماء الرّكن السّادس من أركان الإسلام.. عندما يقول العبد: “إنّي مسلم أومن بالله ورسوله”، لا يجوز له أبدا أن يقول: “حياتي أعيشها كما أريد” أو يقول: “كلّ أحد له الحقّ في أن يعيش حياته كما يريد”، إنّما ينبغي له أن يقول: ((إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين))، وتكون حاله كما قال الله: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون)).. من لوازم الإسلام والإيمان أن يعلم المسلم موقنا أنّ الدّين ما شرع إلا ليحكم حياته، وأن يخضع لشرع الله في كلّ أموره ويسأل عن حكم الشّرع في كلّ صغيرة وكبيرة.. الميزان في حياة المسلم ليس ما يعجبه أو يقبل به عقله أو يوافق هواه، وليس ما يعجب المجتمع أو يقبله النّاس أو يفعلونه، إنّما هو ما شرعه الله ويحبّه الله ورسوله.

مقالات ذات صلة