الدین جاء للرجال والنساء
كنت، في يوم السبت الماضي، 9-8 – 2025، في مدينة “يسر” من ولاية بومرداس، للمشاركة في حفل تكريم المتفوقين والمتفوقات في شهادتي التعليم المتوسط والبكالوريا، الذي نظمته جمعية كافل اليتيم في الولاية، لتكريم هؤلاء الذين واللواتي قدر لهم ولهن أن يفقدوا ويفقدن الآباء. وما أجل ما تقوم به هذه الجمعية الدالة على الخير الفعالة له محليا ووطنيا. بينما يقضي آخرون أوقاتهم وينفقون أموالهم في ما لا طائل من ورائه .
تكرم القائمون على هذا الحفل بتشريفي بطلب كلمة بالمناسبة، فلما اعْتَلَيْتُ المنَصَّةَ وأَجَلْتُ نظري في القاعة الكبرى، لاحظت أن نسبة الإناث الناجحات أكثر من ضعف نسبة الناجحين، فتذكرت حكمة للإمام ابن باديس، رواها أحد طلبته، وهو الشيخ محمد الصالح بن عتيق في كتابه: “أحداث ومواقف في مجال الدعوة الإصلاحية والحركة الوطنية”. (ص 195 – 196 – طبعة منشورات بونة للبحوث والدراسات).
قال الشيخ ابن عتیق: مررت ذات يوم، على محل، وكان الإمام ابن باديس هناك، فنادانی، ثم سألني: “ما قولك في فتح دروس بالجامع الأخضر للنساء!”. رد الشيخ ابن عتيق: لا تخلو الحال من صعاب يا أستاذ. فقال الإمام: “أعلم هذا”، ثم التفت إلى صاحب المحل وقال: وأنت ماذا ترى؟”. فأجاب: الأمر خطير، والإقدام عليه مجازفة، فالبلاد لم تعهد هذا، والأعداء ينتهزونها فرصة ويؤلبون علينا العامة .
انتفض الإمام وقال إن الدين جاء للرجال والنساء على السواء، وإن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد سوى بينهما في التبليغ، فلم لا نقتدي به؟”. ثم استرسل قائلا: لست ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، بل من الذين قالوا: آمنا به، كل من عند ربنا، وسأفعل- إن شاء الله- وليكن ما يكون، أنا أعلم أنهم سيقولون إن ابن باديس رمانا بالداهية، وأراد أن يجرح الأمة في كرامتها، وسيجيبهم الآخرون، ويشتد الخلاف، ويحتدم الجدال. وأريد أن تتحرك هذه الحجارة، ولو توطأ رقبتي ..
وقد فعل الإمام ابن باديس ما أوجبه الإسلام، وقد سمع من الجامدين أذى كثيرا، ولكنه صبر وصابر، فثبته الله- عز وجل- وربط على قلبه حتى أتاه اليقين.
وكان آخر درس للإمام ابن باديس ألقاه هو درس للنساء، كما شهد حواري الإمام، وهو أحمد بوشمال، الذي أكرمه الله فمات على أيدي المجرمين الفرنسيين .
إن الإسلام دين الحياة، ولا حياة إلا بذكر وأنثى، ولا حياة لكليهما حياة حقيقية إلا بالعلم، فلماذا يريد بعض “العلماء” الميتين وهم أحياء الراقدين وهم أيقاظ أن يَئدُوا وَأدا حضاريا نصف الأمة؟
رحم الله الإمام ابن باديس الذي أحيا الضمائر، وأيقظ النائمين ونبه الغافلين وذكر الناسين، وعلم الجاهلين، ومع ذلك يتطاول عليه التافهون حسدا من عند أنفسهم.