الرأي

الذبيح الصاعد

لو وُزِّع الشَّرُّ على بني آدم منذ استوطن أبوهم آدم هذه الأرض إلى الآن لنال الفرنسيون من هذا الشر أضعاف ما يناله أكثر الشعوب إجراما، ذلك أنهم لا يصبرون على اقتراف الجرائم، وما من جريمة يرتكبونها إلا هي أكبر من أختها. ولأن جرائم الشعوب الأخرى محدودة زمانا ومكانا، أما جرائم فرنسا فإن آثارها لا تمحوها الأيام. ولا شك أن الفرنسيين هم من نسل قابيل الذي ارتكب أول جريمة في تاريخ البشر، حيث قتل أخاه هابيل من غير أن يرتكب ذنبا، وقد صدق من قال:

رأيتُ آدم في نومي فقلتُ له:

أبا البرية إن الناس قد حكَموا

أن “الفرانِسَ”(*) نسلٌ منك قال:

إذن حواء طالقة إن صحّ ما زعموا

لو أحصينا عدد جرام فرنسا، في الجزائر -ويستحيل إحصاؤها- وقسمناها على عدد أيام وجودها في الجزائر لوجدنا أنه لم يمرّ يوم لم ترتكب فيه فرنسا جرائمَ لا جريمة واحدة، وهذه الجزائر من ارتكاب أكابر فرنسا من ضبّاط سامين، وموظفين كبار فضلا عن صغار ضباطها وموظفيها.

ومن جرائم يوم 19 يونيو (جوان) سنة 1956 جريمة إعدام الشهيد الرمز أحمد زبانة (1926 – 1956)، إذ نُفذ فيه حكمُ الإعدام بالمقصلة في سجن سركاجي بمدينة الجزائر.

قيل إن “كانون” -قانون- فرنسا يقتضي أن لا ينفَّذ حكمُ الإعدام في أي شخص إن تعطلت المقصلة، وقد روى شهودٌ أن المقصلة تعطلت في المرة الأولى، ولكن الفرنسيين -أساتذة الإجرام في العالم- أصروا على إعادة المحاولة مرة ثانية، وهو ما وقع، فصعدت روح الشهيد أحمد زبانة إلى بارئها راضية مرضية، ملتحقة بمن سبقها من شهداء الجزائر، مبشِّرة لهم بأنه إذا كان الفرنسيون قد ورثوا الجرائم من أبيهم قابيل، فإن الجزائريين قد ورثوا الجهاد والاستشهاد من أبيهم هابيل.. وإن نصر الجزائر قد صار قاب قوسين أو أدنى.

لقد خلّد الشاعر مفدي زكرياء هذا المجاهد الشهيد أحمد زبانة، فحبَّر فيه قصيدة عصماء عنوانها “الذبيح الصاعد”، تعدّ –لو كنّا نتقن تسويق بضاعتنا- أروع ما أبدع شاعرٌ في تصوير الإنسانية الشريفة، وربما استطاع شاعرٌ أن يأتي بمثلها أو أحسن منها من حيث المباني الجميلة، ولكن لن يستطيع أيّ شاعر –ولو حرص- أن يأتي بمثلها أو أحسن منها من حيث المعاني الجميلة.

إنّ التاريخ قد رمى في مزبلته أسماء أولئك المجرمين الفرنسيين الذين أصدروا حكم الإعدام في أحمد زبانة وأولئك المجرمين الذين نفّذوا الحكم، ولكنّ اسم أحمد زبانة الآن درّةٌ تتلألأ في سلسلة ذرعها اثنان وثلاثون ومائة عام من المفاخر والأمجاد الجزائرية، حتى أن -كما قال مفدي زكرياء-:

كل من في البلاد أضحى “زبانا”

وتمنَّى أن يموت شهيدا

رحم الله المجاهد الشهيد أحمد زبانة وكل شهداء الكرامة الإنسانية من الجزائريين، ولعنة الله الأبدية الأزلية على “فرنسا لعنة البشرية” كما وصفها -صادقا- مفدي زكرياء.

(*) الفرانس: الفرنسيون.

مقالات ذات صلة