الرأي

الذين أسقطوا “البغلة” وصاحبها!

لقاء وزير الداخلية نور الدين بدوي، يوم الخميس، مع رؤساء المجالس البلدية والمجالس الولائية، بقدر ما منح بصيصا من الأمل لإعادة تشييد جسر التواصل بين القاعدة التي تمثلها المجالس المنتخبة والقمّة، بقدر ما أشعل المواجع على عُمر أضاعته الجزائر في محاولة صنع القرار في القمة، دون القاعدة.

الجسر المقطوع، على مدار عقود، بين رئيس البلدية والمسؤولين الكبار، باعتراف القمة، زاده عزوف المواطنين عن الانتخاب، فتاهت البلاد في دوّامة لا تنتهي، تميّزت بانعدام الثقة ما بين المحكومين وحاكميهم، ووجد رئيس البلدية نفسه غارقا بين القمامة وقفة رمضان والبناء الريفي، من دون أن يتمكن من صنع القرار أو على الأقل الاجتهاد، وذاك أضعف الإيمان.

الإعلاميون الذين غطّوا مجريات لقاء وزير الداخلية برؤساء البلديات، أذهلهم تيهان هؤلاء؛ فلا أحد يعرف لقانون البلدية طُعما ولا لونا، ولا أحد همّه أن يعرف ما هو موجودٌ لأجله، على رأس بلدية، كان من المفروض أن تكون خزانا ماديا ومعنويا للحكومة، وليس عبءا على البلاد والعباد، كما هو الشأن حاليا، وأذهلهم جمود البقية وتغريد آخرين خارج السرب، إلى درجة أن القمّة تطالبهم بخلق الثروة المحلية، وهم يردّون بمزيد من الطلبات المالية من أجل الثروة الجاهزة، واستوت في ذلك جميع البلديات سواء التائهة في قلب الصحراء، أم تلك التي تجري من تحتها أنهارٌ من النفط.

هل رؤساء البلديات منتخبون فعلا بكل حرية؟ وهل هم أبرياء من كل التهم التي تتبعهم دائما كباحثين عن المصالح الخاصة والامتيازات؟ وهل هم أصلا مؤهّلون لأجل قيادة المجالس الشعبية البلدية والولائية؟ أسئلة تجاوزت مرحلة الطرح والجدل والشكّ إلى مرحلة اليقين، وصار من الصعب إعادة الثقة وترميم هذه الجسور، التي خرّبها الزمن على مدار عقود من الضياع، فمن غير المعقول أن يبقى رئيس البلدية “صرّافة” أموالٍ تصله من الدولة من دون أن يكون له طموحٌ إلى اعتلاء أكبر المناصب عبر تقديم أفكار جديدة في التسيير، ومن غير المعقول أن يكون شكله مثل الذي رأيناه أمس، في منتهى البؤس البدني والمعنوي، الذي يجعل المواطن يشفق عليه، ولا ينتظر منه أي شيء يطوّر به بلديته.

رؤساء البلديات ورؤساء المجالس الشعبية الولائية، وجدوا الوصفة الجاهزة والردّ السريع على كل الانتقادات أو الاحتجاجات التي تعمّ بلدياتهم، من خلال تبرئة أنفسهم، ورمي الكرة في جهة القمة، والتحجّج بكون الدولة رمتهم في سلّة القمامة، ومنحتهم فسحة مع قفة رمضان، وما عادت وظيفتهم تزيد عن تحويل القفة إلى الزبالة، وتحويل واحدة من أهمِّ الوظائف في العالم وهي قيادة البلدية، التي أدّت إلى بلوغ الرئاسة في دول متقدمة، إلى واحدة من أرذل الوظائف في بلادنا، بدايتها “شكارة” ونهايتها “قمامة”.

قديما قال فاروق الأمة: “لو أن بغلة عثرت في العراق لسُئل عنها عمر، لِمَ لم تمهّد لها الطريق”، أما “مفارقات” الأمة حاليا فقد جعلت رؤساء البلدية يتعمّدون إسقاط البغلة وصاحبها.

مقالات ذات صلة