الرأي

الذّهن المهاجر في عالمنا العربي والإسلامي

الشروق أونلاين
  • 827
  • 0

إنّ هذه الفئة، لا ترى في أنّ معاصرة الفكر، تكمن في التزامها لحدوده، وعدم تنكّرها لتراثيّتها، وانبثاقها من داخل تجاويف كينونتها التّاريخية، بل تستهجن مرجعيّة المجتمع، وتترفّع عن لغتها، ولا ترى حتّى فائدة في تعلّمها، وترى أن لا فكر سوى ذلك الفكر الذي نهلت منه، ولا خلاص للمجتمع إلاّ باستعارة المنظومة الفكرية للآخر بقضّها وقضيضها؛ فالفكر الغربي، ما كان له ذلك إلاّ بعد نفض يديه من الدّين إلى الأبد، كما أنّ ثقافتنا ليست إلاّ تعبيرا عن “الذّهنية البدائية” التي لا ترقى إلى طور”التّفكير المنطقي”.

في منظورها، إنّه لا حلول لمشاكلنا إلاّ بجلب الأنموذج الغربي شكلا ومضمونا، ومشروعا جاهزا تحت مسمّى التّاريخانيّة كما يقول “عبد الله العروي”. لكنّ هذا التوجّه، يجعلها هي الأخرى مقلّدة، وتقليدها في هذه الحالة مصدره مرجعية ومنظومة لا تنتمي إليها. ثم كيف تثور ضدّ دعاة التّقليد من “الإسلامويّين” وسدّهم مسالك التقدّم والنّهوض، وترتمي هي في أحضان تقليد من نوع آخر؟!

والمعروف، إنّ التّقليد يتّفق مع الاقتداء في المعنى، لأنّ الاقتداء ليس إلاّ محاولة لتقليد القُدوَة، وهذا يعني وجود نوعين من الاقتداء، أحدهما اقتداء سيِّء مبني على جهل، واقتداء حسن مبني على علم، وكما أنّ التّقليد يكون سيّئا إذا كان المُقلَّد سيّئا، فكذلك يكون الاقتداء ذميما إذا كانت القدوة ذميمة.

إنها هذه الفئة ترى أن لا فكر سوى ذلك الفكر الغربي الذي نهلت منه، ولا خلاص للمجتمع إلاّ باستعارة المنظومة الفكرية للآخر بقضّها وقضيضها؛ فالفكر الغربي، ما كان له ذلك إلاّ بعد نفض يديه من الدّين إلى الأبد، كما أنّ ثقافتنا ليست إلاّ تعبيرا عن “الذّهنية البدائية” التي لا ترقى إلى طور “التّفكير المنطقي”.

إنّ من يرافق، في شيء من التقصّي أو الاستقراء، رحلة خطاب هذه الفئة منذ بداياته في مطلع القرن العشرين نتيجة الوجود الاستعماري العسكري والثقافي بين ظهرانينا، والانبهار والاندهاش الذي أصيب به خريجو المعاهد والكليات من بني جلدتنا، مشرقا ومغربا، أدّى إلى توالد نخب وتيّارات فكرية وسياسية ذات ولاء وتحيّز كامل للنّظم الغربية. وكانت تجليّات العلمنة جزئية تكاد تنحصر فيما هو سياسي واقتصادي، تنافح عن المقولة الأساس “فصل الدّين عن الدّولة”، وتزامنت مع وجود مرجعيات دينية وثقافية وتاريخية ولغوية.. إلخ ما تزال تشكّل ثوابت ومرتكزات، وما تزال مؤثرّة وموجهّة، أي قبل أن يحلّ طوفان المفاهيم والأفكار والفلسفات الموجّهة للقيم والسّلوك والأذواق والرّغبات في نهاية القرن الماضي، حيث انعدمت -كما يقول المفكّر “عبد الوهاب المسيري” – فيها الثّوابت والمطلقات، وتحلّلت الثّنائيات إلى واحديات صلبة أوّلا، ثم سائلة ثانيا في ظلّ القيم الإمبريالية العلمانية الشّاملة، وحيث انتهى الإنسان إلى أن ينسحب من عالمه الإنساني الاجتماعي لينخرط كليا وفي سباق محموم في عالم الطبيعة والمادّة ليسري عليه قانون الأشياء، ويتحقّق بكمال اللذّة والمتعة في “الفردوس الأرضي” كما نظرت له الدّاروينية والفرويدية والفلسفات الوضعية الحديثة”.

ويحضرني في هذا المقام حال أحد أصحاب الذهن المهاجِر في خمسينات القرن الماضي، حيث أشار إلى أنّ السّنوات التي قضاها في باريس، هي التي كوّنته فكريا وعاطفيّا وإنسانيّا؛ إذ يقول عن سفره لباريس: “(…) كنت في باريس أحاول أن لا ألتقي بإخواني المصريّين إلاّ في حالات الضّرورة، وأختلط طوال الوقت بالفرنسيين وغيرهم من الأجانب المقيمين في باريس، تجنّبا لمواصلة الحديث باللّغة العربية، حتى لاحظتُ بعد السّنة الأولى من إقامتي في باريس، أنّي لم أعد أفكّر باللّغة العربية، بل انتقلت إلى التّفكير باللّغة الفرنسية. ويخيّل إليّ أن ّتغيير لغة الفكر إلى لغة أكثر تجديدا ودقّة، وأقلّ ميوعة قد غيّر منهج تفكيري كلّه”. (عبد الوهاب علي الحكمي، مجلة العربي، 1976: 41).

“.. كنتُ في باريس أحاول أن لا ألتقي بإخواني المصريّين إلاّ في حالات الضّرورة، وأختلط طوال الوقت بالفرنسيين وغيرهم من الأجانب المقيمين في باريس، تجنّبا لمواصلة الحديث باللّغة العربية، حتى لاحظتُ بعد السّنة الأولى من إقامتي في باريس، أنّي لم أعد أفكّر باللّغة العربية، بل انتقلت إلى التّفكير باللّغة الفرنسية”!

هذا التحوّل، دفع به إلى أن يصبح فرنسيّا أكثر من الفرنسيّين كما قال الرّاحل هواري بومدين عن “ليوبولد سيدار سينغور”؛ إذ ترجم إحدى الرّوايات من الفرنسية إلى العربية، وراح يضيف مفرداتٍ من عنده تارة، ويوظّف منها ما هو مثيرٌ للغريزة، رغم إنّها غير موجودة في النّص الأصلي بالفرنسية، في حين أبدع المترجم الإنجليزي للرّواية نفسها في إيجاد المكافئ دون المساس بالمعنى، ولا شكّ أنّ التّقارب بين اللّغتين الفرنسية والإنجليزية كنظام لساني ومعجمي، قد ساعد على ذلك. لكن، لا يعزب عن البال، أنّ لغة البيان هي الأخرى لغة الاشتقاق، ممّا يسهّل على المترجم إيجاد المكافئ المناسِب، لكن صاحب هذا “الذهن المهاجر” – الذي غيّرت اللّغة الفرنسية منهجَ تفكيره كما جاء على لسانه- ربّما، رأى في انتقاء تلك المفردات، والإضافات، سبيلا إلى هجرة مجتمعه إلى ما هاجر إليه هو، وتخليصه من “الظّلام” الذي ألمّ به لقرون!

الخلاصة:

إنّ لنا في الأنموذج الياباني خير مثال، إذ يقول بشأنه “براتراند راسل”: “(…)كانت اليابان دولة متخلّفة اقتصاديّا، إلاّ أنّها لم تكن تشعر أبدا أنهّا دولة متخلّفة ثقافيّا”.إنّ هذا لا يعني أنْ نبقى منغلقين، بل الانفتاح ضروري، ويكفي الاستشهاد بقول “ابن رشد”: “إنَّا ألفينا لمن تقدَّمنا من الأمم السَّالفة نظرًا في الموجودات واعتبارًا لها بحسبِ ما اقتضتْه شرائطُ البرهان  أن ننظرَ في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبِهم، فما كان منها موافقًا للحقِّ قبلناه منهم وسُررْنا به، وشكرناهم عليه، وما كان غيرَ موافقٍ للحقِّ نبَّهْنا عليه”. 

لقد كتب مترجمو طبعة الملك “جيمس” من الكتاب المقدّس عام 1611: “(…) إنّ التّرجمة هي أن نفتح النّافذة حتّى يشعّ النّور، وأن نكسّر القوقعة كيما نأكل اللبّ، وأن نزيح السّتارة فنرى المكان المقدّس، وأن نرفع الغطاء عن البئر حتّى نجد الماء…”‏. هذه المقولة، تعبّر عن فكرة أساسيّة، وهي حوار الثقافات، ويقابل ذلك مقولة “المهاتما غاندي”: “أفتح نوافذي للرّيح من كلّ جانب، ولكنّي لا أَدَعُها تقتلع جذوري..”.

لكن، لا غرابة في ذلك، حين نقف على ما قاله “هيرمان” أحد أكبر دعاة الاستعمار والتفوّق الأوروبي العام 1910: “إنّ ثمّة تراتُبية بين الأعراق والحضارات، وإنّنا ننتمي للحضارة والعرق المتفوّقين. إنّ المشروعيّة الأساسيّة للفتح والغلَبَة على شعوب أصلانيّة تكمن في الإيمان بتفوّقيّتنا، لا الآلية والاقتصادية والعسكرية فحسب، بل الأخلاقية أيضا (…) وهي ما يتبطّن حقّنا في أن نوجّه بقيّة البشر ونقودهم، وما القوّة المادّية سوى وسيلة لتحقيق ذلك”.

* وصف “العقل المهاجر” هي للمفكّر المغربي علي أومليل. 

للمقال مراجع

مقالات ذات صلة