الرأي

الرئيس الفرنسي الجديد أمام عقدة الجزائر

عابد شارف
  • 5440
  • 2

سلطة جديدة في فرنسا تقابلها سلطة قديمة في الجزائر… فكر جديد وأجيال جديدة في الشمال، وتصرفات قديمة في الجنوب…لم يكن السيد فرانسوا هولاند المرشح المفضل للسلطات الجزائرية في بداية الأمر. ورغم مواقفه الأكثر اعتدالا واتزانا، فإن الجزائر الرسمية كانت تنظر إلى الفائز بالانتخابات الرئاسية في فرنسا على أنه رجل أجهزة حزبية، لا قناعة له ولا هو يحسن التدبير. واعتبرته بعض الدوائر في السلطة الجزائرية على أنه لا يملك الصفات الضرورية لتحمل السلطة واتخاذ القرار، فهو يبحث دائما عن الإجماع، مما يعني أنه متردد، متخاذل، ولا يستطيع أنه يواجه الأزمات الكبرى والمواقف الصعبة.

عكس ذلك، كان العديد من أهل السلطة في الجزائر يفضلون نيكولا ساركوزي، الذي يتميز بفكر بدائي، سهل، ليس فيه تعقيد ولا فلسفة. وكان ساركوزي يظهر وكأنه رجل مبادرة وجرأة، لا يتردد أبدا. وساد هذا الرأي إلى غاية قيام الثورة في ليبيا، فاكتشفت السلطة الجزائرية أن ساركوي ليس رجل مبادرات، إنما هو مغامر، وأنه مستعد للقيام بكل ما يخدم مصلحته الخاصة حتى وإن أدى ذلك إلى تدمير بلد آخر

عند ذلك راجعت السلطة الجزائرية أوراقها، وعادت للتعامل مع فرانسوا هولاند، وظهرت خصال هذا الأخير، فهو رجل هادئ، يبني قراره على تحليل وفكر عميق، بالتشاور مع أصدقائه وحزبه، وتبدو مواقفه منسجمة، ويمكن التحاور والتعامل معه على أساس عقلاني. وتذكر بعض الجزائريين أن فرنسوا هولاند دخل السياسة من باب الجزائر، حيث كان أول مواقفه أن دخل في مواجهة مع أبيه الذي كان يعارض فكرة استقلال الجزائر.

إضافة إلى ذلك، فإن معاملة اليسار الفرنسي مع الجزائريين والمغاربة بصفة عامة أحسن بكثير من معاملة اليمين معهم، خاصة بعد أن أصبح نيكولا ساركوزي يغازل اليمين المتطرف ويستعمل لهجة قريبة من العنصرية تجاه المغاربة. واتضح أن فوز مرشح اليسار سيزيل الضغط الذي يعاني منه الجزائريون المقيمون في فرنسا، خاصة بعد الحصيلة السلبية لعشرية من حكم اليمين في فرنسا.

واعتبرت السلطة الجزائرية أن تصرف ساركوزي يشكل خيانة، مثله مثل جاك شيراك الذي كان في الحكم لما صادق البرلمان الفرنسي على قانون 23 فيفري 2005 الذي يمجد الاستعمار. ومن هنا اعتبرت الجزائر أن اليسار لا يمكن أن يتصرف بطريقة أسوأ من اليمين، مما دفع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في نهاية المطاف إلى تهنئة فرانسوا هولاند بسرعة كبيرة بعد فوزه في الانتخابات.

وأول نقطة خلاف تتمثل في أن فرانسوا هولاند رئيس جديد، يريد بناء علاقات جديدة على أسس جديدة، بينما الرئيس بوتفليقة رجل منتهية سلطته، وهو على رأس سلطة قديمة تنظر إلى الماضي.

وفي ميدان آخر، كان اليسار الفرنسي في الماضي يزعج السلطة الجزائرية بسبب ميوله لإسرائيل. لكن ساركوزي تجاوز هذا الحد وظهر كمرشح إسرائيل، كما أنه زايد كثيرا في قضية الصحراء الغربية لما تبنى مواقف مساندة للمغرب. وفي ليبيا ومنطقة الساحل بصفة عامة، كان دور نيكولا ساركوزي كارثيا، ولا يمكن للرئيس الجديد إلا أن يحاول إعادة بناء ما تم هدمه من طرف الرئيس السابق.

لكن العلاقات بين الجزائر وفرنسا لن تبنى على النوايا الحسنة فقط، وسيجد فرانسوا هولاند نفسه أمام واقع معقد جدا في التعامل مع الجزائر. وأول نقطة خلاف تتمثل في أن فرانسوا هولاند رئيس جديد، بينما الرئيس بوتفليقة رجل منتهية سلطته. ولعل ما يهم الرئيس الفرنسي هو بناء علاقات جديدة على أسس جديدة، بينما تبقى السلطة الجزائرية تنظر إلى الماضي. ومن أبرز ردود الفعل التي سجلت في الجزائر بعد فوز فرانسوا هولاند ذلك الموقف المطالب بالاعتراف بجرائم 8 ماي 1945، وهذا مطلب مشروع، لكن يتساءل الكثير هل أن هذا الضغط على رجل لم يستلم السلطة بعد يشكل أحسن طريقة للترحيب بالرئيس الفرنسي الجديد.

ومن جهة أخرى، قام فرانسوا هولاند بحملة انتخابية تحت شعار “التغيير”، وهي الكلمة التي لا تعجب السلطة الجزائرية. ويريد الرئيس الفرنسي تغيير كثير من الأشياء في الداخل وفي الخارج، وهو ما قد يتطلب تغيير الأطراف التي يتعامل معها. وستبرز مع الرئيس الفرنسي الجديد شخصيات سياسية جديدة من أجيال جديدة، تحمل أفكارا وقيما ومفاهيم جديدة، وسيجد هؤلاء صعوبة كبيرة للتحاور مع عالم سياسي جزائري لم يخرج بعد من العالم القديم.

وأخيرا، سيجد الرئيس الفرنسي الجديد نفسه أمام أزمات كبرى وأولويات يجب أن يتكفل بها بسرعة، لمواجهة الأزمة الاقتصادية وأزمة الأورو وغيرها. وستفرض هذه الأولويات نفسها، مما يجعل الملفات الأخرى في الدرجة الثانية. ولذلك من المحتمل أن يطغى على العلاقات الجزائرية الفرنسية بعض الركود في بداية الأمر، مع احتمال قيام فرانسوا هولاند ببعض المبادرات الرمزية لشراء رضا الطرف الجزائري وحماية مصالح الشركات الفرنسية، وستأخذ فرنسا الأموال، ونكتفي نحن بالكلام الطيب الجميل.

مقالات ذات صلة