الرئيس “مادورو”: ضحية الجيواستراتيجية العالمية!
في يوم 2 ديسمبر 2025، وبمناسبة الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية (2026)، أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ملحق العودة إلى مبدأ “مونرو” أو ما سمَّاه (Trump corollary to the Monroe doctrine) ، وقبل ذلك بأربعة أيام كان قد أعلن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لسنة 2025، وقبلها بشهر كان قد التقى في 30 أكتوبر مع الرئيس الصيني “شي جين بينغ” على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في “بوسان”، وقبلها بشهرين ونصف (15 أوت) التقى بالرئيس الروسي “بوتين” في قمة “أنكوراج”. وهكذا كانت استراتيجية العالم قد تحددت، ويتحمل مسؤوليته كل مَن لم يُحسِن قراءتها. ويبدو أن الرئيس الفنزويلي لم يفعل.
ماذا يقول ملحق الرئيس ترامب لمبدأ “مونرو” أساس هذه الاستراتيجية في الجانب الأمريكي الذي يخص أمريكا الجنوبية؟
أهم نقاط ملحق مبدأ “مونرو” والتي وردت ضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية هي باختصار كما يلي:
– يظلّ النصف الغربي من الكرة الأرضية مستقرًّا بدرجة معقولة.
– تخضع دُوَله لحكم رشيد بما يكفي.
– منع الهجرة الجماعية إلى الولايات المتحدة وردعها.
– تعاون ضد (الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات)، وعصابات الكارتلات.
– منع أيّ توغّل أجنبي معادٍ.
– منع سيطرة قوى خارجية على الأصول الحيوية وسلاسل الإمداد الاستراتيجية.
– منعها من الوصول إلى المواقع الاستراتيجية الرئيسية.
ولعل البندين الأخيرين هما الأوضح لفهم ما حدث في فنزويلا:
ما هي القوى الخارجية التي ينبغي أن تُمنَع للوصول إلى سلاسل الإمداد الاستراتيجية؟ توجد قوة وحيدة هي الصين. ما هي القوى التي ينبغي منعها من الوصول إلى المواقع الاستراتيجية: توجد قوة وحيدة هي روسيا بترسانتها العسكرية. ماذا يعني ذلك؟ يعني بكل بساطة أنه تم الاتفاق جيواستراتيجيا بين الولايات المتحدة والصين وروسيا على مناطق النفوذ في العالم. روسيا في أوكرانيا وأوروبا ودول الجوار، الصين في آسيا والمحيط الهادئ مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في بقية العالم، الولايات المتحدة تبقى وحدها (جيواستراتيجيا) في أمريكا الجنوبية أو ما سَمَّته استراتيجية الأمن القومي في النصف الغربي للكرة الأرضية وقد يشمل كل ما هو غرب خط “غرينتش” بما في ذلك غرب افريقيا!
الوضع الجيواستراتيجي في العالم إذن تم رسمه بهذا الشكل وانتهى الأمر. ضَمِنَ للولايات المتحدة أن لا تتدخل القوى العظمى في نصف الكرة الذي اعتبرته جزءا من أمنها القومي، وعليها أن تقوم بما تراه مناسبا في هذه المنطقة من العالم. وكانت فنزويلا هي الهدف الأول، ولن تكون الأخير. لا علاقة للموضوع بطبيعة نظام الحكم في فنزويلا ولا بالديمقراطية ولا بالدكتاتورية ولا بالمخدرات! إذْ سَبَقَ أن أطاحت الولايات المتحدة الأمريكية بحكم الرئيس “سلفادور إليندي” بتشيلي سنة 1971 وهو المنتخب ديمقراطيا، ودعَّمت الدكتاتور “بينوشي” بديلا له، ثم أيّدت الإطاحة بالدكتاتور بعد أن غيَّرت من استراتيجية أمنها القومي في نهاية الثمانينيات وأصبحت في حاجة إلى رئيس يصل إلى الحكم عبر مرحلة “انتقال ديمقراطي” سنة 1990، كما فعلت في أكثر من بلد في العالم…
بمعنى آخر، أن الرئيس “مادورو” هو ضحية توازنات وتفاهمات جيواستراتجية جديدة في العالم، لو لم يُعتقل بتلك الطريقة لتمت الإطاحة به بطريقة أخرى، المسألة تتعلق في هذا المستوى بالإخراج فحسب، أي كيف يتم ذلك، والأمريكي يُحبِّذ في آخر المطاف مثل هكذا سيناريو يُخيف به البعض ويخلق أوهاما بالقوة الأمريكية الخارقة لدى البعض الآخر وربما يخلق حتى هلوسات لدى آخرين يعتقدون أنهم سيكونون هدفا في يوم من الأيام.
والخلاصة (الدرس لنا جميعا)، أنه ينبغي فهم المصالح الجيواستراتيجية للقوى الكبرى والاستعداد ضمنها، لا خارجها، ثم الحركة ضمن هذه الحدود بحسابات دقيقة. وهذا لا يعني أبدا الاستسلام، إنما يعني تعزيز قوة الوعي الاستراتيجي بما يدور حولنا ووضع عبارة الحليف “الموثوق” دائما بين قوسين. المصالح الحيوية المرتبطة بالأمن القومي للقوى الكبرى لا تعترف بالصداقة والصديق…