الرأي

الرئيس هولاند والبابا فرنسيس …وجرائم التاريخ !

الشروق أونلاين
  • 1293
  • 0

مازالت السلطات الفرنسية متمسكة برفض الاعتراف أو الاعتذار عن جرائم احتلالها للجزائر، فرغم زيارة سكرتير الدولة الفرنسي لقدماء المحاربين والذاكرة ،جان مارك توديشيني للجزائر للمشاركة في إحياء الذكرى السبعين لمجازر 8 ماي1945 ،ووضع باقة من الورود على ضريح الشهيد بوزيد كحال ،وهي الخطوة التي وصفها وزير المجاهدين بأنها جيدة ولكنها غير كافية، فبعدها بأيام معدودة ، أدلى الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، بدلوه في قضايا التاريخ الشائكة بقوله “إن فرنسا لم ترتكب حرب إبادة في الجزائر ، وأن ما وقع هو حرب وكفى… لأن الإبادة هي لما نريد قتل كل السكانس.!

وبهذا  التصريح يتأكد  من جديد الموقف الفرنسي الرسمي في التعامل مع ملف الذاكرة  المعلق بين الجزائر وفرنسا منذ أكثر من نصف قرن على استقلال الجزائر،  إذ سبق للرئيس هولاند أن صرح خلال زيارته للجزائر في أواخر سنة 2012: “لم آت الى هنا للتعبير عن الندم او الاعتذار، جئت لأقول ما هو حقيقة وما هو تاريخ“.!

ولكن لهجة الرئيس الفرنسي تجاه قضايا التاريخ تغيرت تماما خلال حضوره يوم الجمعة الماضي( 24 أفريل 2015 ) رفقة جان مارك توديشيني، وعشرات السياسيين والفنانين والمثقفين الفرنسيين في مراسم إحياء الذكرى المئوية لمذابح الارمن في 1915،فقد طالب تركيا أن تعترف صراحة بمسؤولية إبادة الأرمن خلال حكم الدولة العثمانية ورغم أن الرئيس التركي أردوغان قال في رسالته الموجه للحكومة والشعب الارمني: ” إننا نُقدّر حجم الآلام والمأساة التي تعرّض له الشّعب الأرمني. وإنّ تركيا قيادةً وشعباً تعلن تضامنها مع الشّعب الأرمني، فلم يظهر الرئيس الفرنسي مقتنعا بهذا الاسف وهذا التضامن التركي مع الشعب الأرميني ومأساته التاريخية، بل طالب تركيا بأكثر من ذلك، فقال في كلمته أمام المشاركين في مراسم إحياء الذكرى : ” صدر عن تركيا كلام مهم، لكن ينتظر منها الإدلاء بكلام آخر ليتحول تقاسم الحزن إلى تقاسم المصير“. واعتبر فرانسوا هولاند أن مأساة الأرمن قد ضربت الإنسانية بأكملها. ولا تكتفي فرنسا بالاعتراف بمجازر العثمانيين ضد الأرمن، ومطالبة الآخرين بالاعتراف بها، لكنها دعت إلى تجريم إنكارها، ففي شهر فيفري 2012 دعا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي حكومته الى ضرورة صياغة مشروع قانون جديد يجرم إنكار إبادة الأرمن بعد رفض المجلس الدستوري الفرنسي مشروع القانون  الذي تقدم به ،واعتبرأن إنكار الإبادة الجماعية أمر لا يحتمل ويجب أن يكون هناك عقاب للإنكار.”

أما عندما تعلق الأمر بمسألة الاعتراف بجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر واعتذار الحكومة الفرنسية عنها ،فإن ساركوزي يقول: ” بأنه لا يمكن للأبناء أن يحاسبوا على فعل الآباء، بل دعا الفرنسيين إلى عدم الخجل من تاريخهم.!

وللتذكير فإنه في سنة 1830 عند بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر كان عدد الجزائريين يقدر، حسب المؤرخ الفرنسي رونيه غاليسو، بثلاثة ملايين وأربع مائة ألف نسمة ، ثم انخفض في سنة 1870 ، اي بعد أربعين سنة من الاحتلال وحروب الإبادة التي يسميها مؤرخو إدارة الاحتلالالكارثة الأهلية، إلى مليونين وسبعمائة ألف نسمة، أما في تقديرات المؤرخين الجزائريين فقد انخفض الرقم من أربع ملايين ونصف مليون نسمة ، إلى مليونين وسبعمائة ألف نسمة ،أي بإبادة  قرابة مليوني جزائري في أقل من نصف قرن! وعلى سبيل المثال، ففي سنة 1832 تمت إبادة قبيلة العوفية بمنطقة الحراش من طرف قوات الدوق دو روفيغو ، أما العقيد مونتانياك فيقول في سنة 1841 :” لقد محا الجنرال لاموريسيير من الوجود خمس وعشرين قرية في خرجة واحدة ، أما الكولونيل بيليسيي فقد قام مع قواته  في سنة 1845 بإبادة قبيلة أولاد رياح حرقا داخل المغارة  التي لجأوا اليها بمنطقة الظهرة، ولذلك يقول المؤرخ الفرنسي شارل أندريه جوليان: ” إن جنرالات إفريقيا لا يحرقون البلاد خفية، إنهم يستعملون ذلك ويعتبرونه مجدا لهم، سواء أكانوا ملكيين، أم جمهوريين، أو بونبارتيين“!

وفي سنة 1885 قال جول فيري مؤسس التعليم اللائكي ورئيس مجلس الوزراء أمام البرلمان الفرنسي:” ينبغي أن نقولها صراحة، إنه للأجناس الرفيعة واجبات نحو الأجناس الوضيعة

ويعتقد بعض الفرنسيين حتى يومنا هذا، أن حربهم العنصرية والإبادية التي سلطوها على الشعب الجزائري لمدة 132 عاما، كانت من أجل تمدين الشعب الجزائري، وإخراجه من ظلمات الهمجية إلى نور الحضارة الغربية!

وحتى بابا الفاتيكان الذي طالب مؤخرا تركيا بالاعتراف بجريمة إبادة الأرمن  واعتبار ضحايا  تلك المجازرشهداء الكنيسة، لم يطالب فرنسا المسيحية بالاعتذار للشعب الجزائري الذي بلغ عدد ضحاياه من المجازر الفرنسية اضعاف ضحايا المجازر العثمانية ضد الارمن، مع التذكير والتأكيد على الدور المباشر والمسؤولية المادية والمعنوية للكنيسة عن حرب احتلال الجزائر وما تمخض عنها من مآسي ومجازر، إذ يكفي الاطلاع على كتاب (أرشيف الفاتيكان السري حول غزو الجزائر من قبل الجيش الفرنسي) الذي ألفته المستشرقة الإيطالية لورا فيشيا فافلييري، ونقله إلى الفرنسية ايمانويل باتاي، لمعرفة ما قام به الفاتيكان  من دعّم لعملية الغزو الفرنسي باسم الحروب الصليبية، وقد ذهب الفاتيكان إلى حد دعوة الملك شارل العاشر، لإسناد مهمة تسيير الإيالة (إيالة الجزائر) إلى تنظيممالطا الصليبي”  وساهم بابا الكنيسة الكاثوليكية مساهمة فعلية في عملية الغزو بتقديم مساعدة للفرنسيين تمثلت في 200 فارس من فرسانسان جونبالقدس، من أجل حماية الكاثوليكية في شمال إفريقيا.

 

فهل يعتبر قادة الغرب السياسيون، والدينيون، بالإضافة إلى جزء معتبر من نخبهم الثقافية والفنية والاعلامية ، أن جرائمهم في حق الشعوب غير المسيحية هي مجرد أضرار جانبية وحوادث تاريخية متفرقة لا تستحق الاعتذار والندم، بل أنها كانت أعمالا خيرية ساهمت في أيصال فوائد الحضارة الغربية المسيحية إلى أدغال تلك الشعوب الكافرة المتخلفة؟!

مقالات ذات صلة