الرأي

الرحلة العلمية من قسنطينة إلى باكو عاصمة أذربيجان (2)

د. حسين بوبيدي
  • 248
  • 0

بعد المقال الأول الذي عرضت فيه للجانب العلمي من زيارتنا إلى باكو عاصمة أذربيجان؛ هذا مقال يتمه حب استعراض الوجه السياحي لهذه الرحلة.
وقد تحكمت التزاماتنا العلمية في الأيام القليلة التي قضيناها هناك (1-10 ديسمبر 2025)، في إطار إقامة علمية من كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية بجامعة قسنطينة 2، خاصة وقد تأجَّل أحد مواعيدنا بسبب انعقاد مؤتمر دولي شاركت فيه مديرة معهد الدراسات الشرقية، فلم نتمكن من زيارة كلّ الأماكن التي خططنا لمشاهدتها، وكان تجوالنا غالبا بترتيب الصديق الأستاذ ألنور مصطاييف، وهكذا اكتفينا – بالإضافة إلى المدينة الجديدة التي تجولنا فيها كثيرا- بزيارة إلى المدينة القديمة بمعالمها الثرية (وهي تقع داخل المدينة الجديدة ذاتها)، ومتحف السجّاد، وسوق سادراك الشعبي، وقبر السيدة حكيمة بنت الإمام موسى الكاظم، التي تعرف بــ: بيبي حكيمة الذي مررنا به في طريق عودتنا من السوق.
كانت زيارتنا للمدينة القديمة برفقة الصديق د. إلنور مصطفاييف في مساء يومنا الثاني إثر خروجنا من معهد المخطوطات، وهي مدينة أدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونيسكو سنة 2000، تحمل بصمات التراث الإسلامي الأذري بالمنطقة، وتحمل صورة تمازج روافد عديدة شكلت هذا النموذج المميز، ولا تزال أسوارها العالية تؤرخ لزمن الحماية والتحصينات التقليدية حيث الجدران السميكة ومواقع الحراسة والمدافعة، ووجود منجنيق قديم داخلها يحمل رمزية كبيرة لما مرّ بها، وتذكّر شوارعها المبلّطة بالحجارة الصخرية المرصوفة بالمدن الإسلامية العتيقة. والمدينة مع عراقتها لا تزال عامرة بالناس وحوانيت التجّار الذين يبيعون التحف للسياح.

* صلينا العصر في مسجد يسمّى “مسجد الجمعة”، ومن صور التوازن في التوفيق بين المذاهب أن أئمته يتناوبون بين الشيعة والسنة، وحسب مضيِّفنا دائما، فإن خطبة الجمعة أيضا فيها تناوب مذهبي، ولعل التعايش المذهبي صورة بارزة تثير الانتباه لمن حاول أن يفهم طريقة إدارة هذا الاختلاف الممتد في جذور التاريخ.

تعلو هذه المدينةَ قلعةٌ تسمى “قلعة الفتاة”، وترتبط بالاسم أسطورة أذربيجانية عن فتاة أحبّت شابا فرفض أبوها تزويجها له فألقت بنفسها من أعلى القلعة! ولا أظن هذه الأسطورة صحيحة؛ فالذي أعرفه أن صرعى العشق كانوا دوما من الرجال! والذي يفسِّر به الباحث في التاريخ هذا النوع من العمران هو ضرورات المراقبة والحراسة، لأن هذا الارتفاع يسمح لمن يحمي المدينة بمراقبة مجال واسع من مختلف الجهات، وبالتالي فإنها كانت ذات وظيفة عسكرية.
داخل هذه المدينة عدّة معالم تشهد على تاريخها الطويل، إذ أنها عاصمة دولة شيروان التي حكمت أذربيجان لمدة تزيد عن 6 قرون، وداخلها يقع قصر الحكم الذي يضم مجلس الملك ودواوينه المختلفة، وأخبرنا صديقنا أنه يعود للسلطان خليل (1417-1463) الذي كان من السلاطين المشاهير لهذه الدولة برعايته للعلم والثقافة وقربه من المتصوفة، وهذا القصر لا يزال قائما شاهدا على تاريخ هذه الأسرة التي يسمى ملوكها بالشيروانشاهات، وخلّف أعلامها تراثا زاخرا باللغات الأذرية والعربية والفارسية، وقد سقطت على يد الصفويين في عهد طهماسب الأول سنة 1538م، لتتحول إلى مقاطعة إدارية تتبع الدولة الصفوية.
تضم المدينة القديمة عددا هاما من المساجد والمصليات تبلغ الأربعين حسب صديقنا الأذربيجاني، لكن بعضها فقط لا يزال مفتوحا، وبعضها صغيرٌ للحدّ الذي يبدو مجرّد مصلّى لحيّ قليل السكان، وقد صلينا العصر في مسجد يسمّى “مسجد الجمعة”، ومن صور التوازن في التوفيق بين المذاهب أن أئمته يتناوبون بين الشيعة والسنة، وحسب مضيِّفنا دائما، فإن خطبة الجمعة أيضا فيها تناوب مذهبي، ولعل التعايش المذهبي صورة بارزة تثير الانتباه لمن حاول أن يفهم طريقة إدارة هذا الاختلاف الممتد في جذور التاريخ.

تضم المدينة متحفا مميزا يسمّى “متحف الكتب المصغرة”، وهو متحف فريد من نوعه، تم افتتاحه سنة 2002 من طرف السيدة ظريفة سالاهوفا، ويضم آلاف الكتب من نحو 64 دولة، حيث تجد الكتاب أقل من راحة اليد، ويضم أنواعا مختلفة من العلوم ومن ثقافات عديدة، ويجد الزائر نفسه أمام روائع عالمية في الفكر والأدب.

في المدينة العتيقة يوجد قبر المؤسس الثاني للطريقة الخلوتية، وهو سيدي يحيى الباكوي واسمه الكامل السيد جمال الدين يحيى بن السيد بهاء الدين الشماخى الباكوي (وهو صاحب نسب شريف من ذرية الإمام موسى الكاظم تُوفي سنة: 1462)، وللملاحظة فالنسبة الشمّاخي هنا هي نسبة للمدينة ذاتها؛ لأنها كانت في زمن الدولة الشيروانية تسمى شماخي، وقد كان والد سيدي يحيى أحد وزراء السلطان خليل السابق ذكره، ولما دخلنا المكان الذي عاش فيه هذا الزاهد العابد وجدناه خلوة بأتم معنى الكلمة، فهو مجرد غرفة صغيرة جدا في قبو تحت الأرض، ملحقة بمصلى، ولا يمكن أن تصلح سوى للتعبّد والتأمل، وقد دفن بها، ونجد هذه الشخصية ضمن أسانيد هذه الطريقة الصوفية بالجزائر، كما نجدها لدى الرحمانية أيضا؛ لأن هذه الأخيرة انبثقت عن الخلوتية، وقد كان حديثُنا عن الدور الجهادي للرحمانية في جهاد المستعمِر الفرنسي محفِّزا للباحثين الأذربيجانيين في اكتشاف القواسم الثقافية المشتركة مع الجزائر، بالإضافة إلى الرحلات العلمية في زمن كانت دار الإسلام فضاء واحدا للمسافرين.
شاهدنا في هذه المدينة أيضا بقايا حماماتها في منطقة قريبة من القصر الملكي، ومقبرة تضم آثارا لفترات مختلفة، منذ عصور ما قبل الإسلام، وفيها بعض شواهد القبور الإسلامية، كما تضم نقوشا صفوية، وللتذكير فإن الصفويين هم الذين نقلوا مذهب أهل أذربيجان من التسنُّن إلى التشيع الإمامي الإثنى عشري، مع بقاء نسبة هامة من أهل السنة تبلغ نحو 35% في غياب إحصاءات رسمية، وأهم نقش صفوي هو امتياز منحه الشاه إسماعيل الصفوي لأهل باكو بإسقاط الضرائب عنهم، وقد كُتب على شكل نقوش كبيرة جدا ممتدة لعشرات الأمتار، على ألواح حجرية عرضها نحو 80 سم، ولا أظن أن هناك مثيلا لهذه الوثيقة في العالم.
تضم المدينة متحفا مميزا يسمّى “متحف الكتب المصغرة”، وهو متحف فريد من نوعه، تم افتتاحه سنة 2002 من طرف السيدة ظريفة سالاهوفا، ويضم آلاف الكتب من نحو 64 دولة، حيث تجد الكتاب أقل من راحة اليد، ويضم أنواعا مختلفة من العلوم ومن ثقافات عديدة، ويجد الزائر نفسه أمام روائع عالمية في الفكر والأدب.
قبر السيدة حكيمة (بيبي حكيمة) بنت الإمام موسى الكاظم وأخت الإمام علي الرضا في باكو هو أحد أشهر قبرين منسوبين لها، إذ نجد لها مشهدا آخر في إيران، ويبدو أن قصتها وهجرتها ووفاتها فيه خلاف كبير، لذلك تعددت المشاهد التي نُسبت لها، وقد هُدم ضريحها في زمن ستالين على عهد السوفييت وبقي القبر فقط، ثم أعيد بناؤه بعد استقلال أذربيجان، وتحمل إحدى منارتيه اسم الرئيس الأسبق حيدر علييف.
بجوار هذا الضريح نجد مسجدا صغيرا، قادنا فضولنا عند دخوله إلى إلقاء نظرة على محتويات مكتبته، وقد انتبه مرافقُنا الذكي إلى تفتيشنا الدائم عن تاريخ المنطقة في كل ما نلاحظه ونزوره، فأخبرنا أن الأذريين يرجِّحون الأصول الأذربيجانية للقائد الإسلامي الشهير صلاح الدين الأيوبي، وأنهم مهتمون بجهاده في تحرير بيت المقدس، وأرانا في هذه المكتبة عملا حوله، وأرسل لنا لاحقا ما جاء عنه في الموسوعة الأذربيجانية، وهذا نصه:
“أسرة بني أيوب هي أسرة ثابتة الأصل، ممتدة الفروع، ومن أقوى الأسر التي حكمت الشرق الأوسط في العصور الوسطى، وامتدَّ حكمها إلى شتى بلدان العالم الإسلامي. وينتمي الأيوبيون إلى أيوب بن شاذي، الذي كان موطنه الأصلي مدينة دوين الواقعة في أذربيجان (في إقليم أران وبلاد الكرج) قرب القوقاز. هاجر شاذي إلى بغداد، ومعه إبناه نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه. ومن تكريت، حيث وُلد نجم الدين أيوب، انتقل مع عائلته إلى الموصل”.
أمام هذا الصرح المعماري ساحة واسعة تمنح زائر المدينة إطلالة رائعة، ويمكن من خلالها مشاهدة مختلف أبراجها ومعالمها العمرانية الوسيطة والحديثة، إذ تتداخل عناصر عديدة في تشكيل الملمح العمراني، فبالإضافة إلى الملمح الأذري والفارسي الذي يعبِّر عن تاريخ طويل من التمازج الفني، نجد تأثيرا كبيرا للعمارة الروسية بقبابها المميزة، وقد علمنا أن واجهة المدينة ليست متروكة لتصرُّف الملَّاك، بل لهيئة مختصة تنظم المشهد العمراني.

بجوار هذا الضريح نجد مسجدا صغيرا، قادنا فضولنا عند دخوله إلى إلقاء نظرة على محتويات مكتبته، وقد انتبه مرافقُنا الذكي إلى تفتيشنا الدائم عن تاريخ المنطقة في كل ما نلاحظه ونزوره، فأخبرنا أن الأذريين يرجِّحون الأصول الأذربيجانية للقائد الإسلامي الشهير صلاح الدين الأيوبي، وأنهم مهتمون بجهاده في تحرير بيت المقدس، وأرانا في هذه المكتبة عملا حوله، وأرسل لنا لاحقا ما جاء عنه في الموسوعة الأذربيجانية.

زرنا سوق سادراك الشعبي يوم السبت لأنه يوم عطلة رسمية، رافقنا في زيارتنا د. مصطفاييف دائما، ونقلنا بسيارته، وكان هذا السوق ضخما متنوعا، يعدُّ -حسب محدثنا- أكبر سوق في منطقة القوقاز، وكنا قد شاهدنا بعض الفيديوهات حوله في اليوتيوب، واتجهنا مباشرة إلى محلات بيع التحف التذكارية، لنحمل منها بعض ما يذكِّرنا بهذه الزيارة، ولا يقتصر زبائن السوق على أهل البلد، بل يقصده الجورجيون والشيشان والأنغوشيون وغيرهم، باعتباره سوقا للبيع بالجملة، ولاشك أنه يحتاج إلى عدة أيام لمن أراد أن يزور كل أجنحته.
بالقرب من السوق هناك مسجدٌ صلينا فيه صلاة العصر، وهو مسجد صُمِّمت قبته على شكل المسجد الأقصى حرَّره الله من عدوان الصهاينة، وداخله رأينا تنوُّعا مذهبيا لافتا، والتقينا إمامه الذي كان طالبا في اللغة العربية عند الأستاذ إلنور، ويعدّ شخصية معروفة بحكم نيله جوائز في المسابقات العالمية للتلاوة، وقد أخبرنا مرافقُنا أن المسجد له 3 أئمة، بما فيهم إمامٌ من السنة، وهو الذي أمّنا يومه في صلاة العصر.
أما متحف السجاد، فهو متحفٌ متفرد في طرازه المعماري، فقد صُمّم على شكل سجادة ضخمة مطوية، وقد دخلناه في مساء يومنا الأخير (الثلاثاء)، كانت تعريفة الدخول 10 مانات (نحو 4.5 أورو)، والمتحف من طوابق ثلاثة، يحكي تاريخ السجاد منذ القرن 17 إلى اليوم، وأقول إلى اليوم؛ لأن داخل المتحف سيدة تغزل زرابي جديدة بأشكال رائعة وألوان زاهية، تحكي تجارب الأذربيجانيين مع هذه الحرفة الضاربة في أعماق تاريخ البشرية، وفي الزخارف والصور التي رأيناها ما يذكِّر بزخارف سجادنا الجميل في ببّار بخنشلة، وبالإضافة إلى السجّاد يضم المتحف أواني فخارية ونحاسية تحمل تفاصيل دقيقة للطبيعة ولحياة الناس في حقولهم وورشات حرفهم ومدارسهم، ولحيوانات مختلفة، ويمكننا أن نلحظ التأثير الفارسي القديم في تصوير ذوات الأرواح خلافا لمميزات التصوير والزخرفة الإسلامية التي فضلت النماذج النباتية.
في رحلتنا هذه دعانا الدكتور مصطفاييف بكرمه الجميل مرتين لتناول وجبة العشاء، واختار لنا طبخا أذربيجانيا تقليديا، أتذكر أن اسم إحدى الوجبات تسمى: “بيتيي”، وهي من لحم الخروف المطهي في الفخار، إذ يحضَّر فيها شحم الخروف مع لحمه، وهو أكلة شهية جدا لها ما سميته أنا “بروتوكول الطعام”، إلى جانب أطباق أخرى، وعلمنا أن لحم الخروف هو مادة أهم الأطباق بأذربيجان.
كانت هذه محاولة تصوير بالقلم لبلد استضافنا بشكل رائع، ومن حق الضيف الذي أكرمنا أن نذكره بخير، وندعو لكل من ساعدنا بالتوفيق لكل خير.

مقالات ذات صلة