الرقابة الرقمية تُسرّع الحلول وتعيد الاعتبار لقوة المجتمع
صفحات تصوّر وتعلق… وسلطات تتحرك لعلاج المشاكل
لم يعد موقع الفيسبوك في الجزائر، مجرد منصة لتبادل الصور والمنشورات أو فضاء للترفيه أو حتى الخروج عن النص، بل تحول خلال السنوات الأخيرة، إلى ما يشبه غرفة عمليات مفتوحة، تنقل انشغالات المواطنين بالصوت والصورة، وتضعها أمام الرأي العام والمسؤولين في اللحظة نفسها، ففي كثير من الولايات، وعلى رأسها خنشلة وأم البواقي وباتنة وتبسة، فرضت صفحات التواصل الاجتماعي نفسها كوسيط بين المواطن والإدارة، بل وأصبحت في أحيان كثيرة أداة رقابة شعبية تُسرّع تدخل المؤسسات العمومية، وتُسهم في حل مشكلات كان أصحابها ينتظرون أسابيع أو أشهر لمعالجتها.
في خنشلة مثلا، لم يحتج الأمر سوى إلى دقائق، بعد نشر فيديو وثّقته إحدى الصفحات المحلية للشاب طه شخاب، أظهر حفرة بدأت تتشكل وسط الطريق الوطني، المؤدي إلى ولاية باتنة، عند مدخل مدينة خنشلة، وهو محور يعرف حركة مرور كثيفة يوميًا، وحوادث خطيرة أيضا.
الفيديو حذّر من الخطر قبل وقوع الكارثة، إذ كشف بداية هبوط للتربة قد يتطور إلى انهيار أكبر إذا استمر الإهمال، وما هي إلا فترة وجيزة حتى باشرت مصالح الأشغال العمومية، التدخل لإصلاح الموقع، في مشهد عكس سرعة التفاعل مع ما يُنشر عبر المنصات الرقمية، ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة، فقد وثقت الصفحة نفسها انهيارًا جزئيًا للطريق عند مفترق الطرق المؤدي نحو مسكيانة، وهو ما استدعى تدخلًا سريعًا لتأمين المكان وحماية مستعملي الطريق. وهي أمثلة تؤكد أن الصورة والفيديو أصبحا وسيلة إنذار مبكر، تدفع الجهات المعنية إلى التحرك قبل أن تتحول المشكلة إلى مأساة.
ولا يقتصر الأمر على الطرق والمنشآت، بل امتد إلى الجوانب الاجتماعية والإنسانية، فكثيرًا ما تنشر الصفحات المحلية نداءات تخص مرضى يحتاجون إلى عملية جراحية مستعجلة، أو إلى متبرعين بالدم، أو إلى أدوية نادرة، فتتحرك مديريات الصحة أو مديريات النشاط الاجتماعي، كما يتسابق المحسنون والجمعيات لتقديم يد العون، وفي حالات كثيرة، كانت ساعات قليلة كافية لتوفير العلاج أو تغطية تكاليف عملية جراحية أو تأمين كرسي متحرك أو أجهزة طبية لمحتاجين.
أما في مجال التضامن، فقد أصبحت صفحات التواصل الاجتماعي سوقًا للخير، لكنها سوق لا تُباع فيها السلع بل تُتداول فيها قيم التكافل، فبمجرد نشر حالة عائلة معوزة أو أرملة أو يتيم يحتاج إلى مساعدات، تنهال المبادرات من المواطنين، ويُجمع المال، وتُوفر الملابس والأغطية والمواد الغذائية، بل وحتى تجهيزات المنازل، في مشهد يعكس الوجه الإنساني للمجتمع الجزائري.
صفحات شعبية بمصداقية أكيدة
وفي المقابل، برزت ظاهرة لافتة تعكس حجم الثقة التي أصبحت تحظى بها هذه الصفحات، وهي نشر صور المفقودات، فمن يعثر على هاتف أو محفظة أو وثائق أو حتى مجوهرات أو مبالغ مالية، يلجأ في كثير من الأحيان إلى صفحات الفيسبوك المحلية بدل الاحتفاظ بها أو تجاهلها، ولا تمر سوى ساعات حتى يظهر صاحبها الحقيقي، بعد أن يتعرف عليها أو يتواصل معه أحد معارفه، وتحولت هذه الصفحات إلى سجل مفتوح للأمانة، أعاد الاعتبار لقيم الصدق وحفظ حقوق الآخرين، ولعبت هذه المنصات دورًا محوريًا في البحث عن المفقودين، سواء كانوا أطفالًا أم مسنين أم أشخاصًا يعانون أمراضًا عقلية، فبمجرد نشر صورة الشخص ومكان اختفائه، تنتشر المعلومة بسرعة كبيرة بين آلاف المتابعين، وهو ما ساهم في العثور على العديد منهم في وقت قياسي، بفضل التفاعل الواسع للمواطنين.
كما لا يقتصر تأثير صفحات التواصل الاجتماعي على نقل الانشغالات اليومية، بل برز دورها بقوة خلال الأزمات والكوارث التي عرفتها البلاد، وعلى رأسها حرائق الغابات التي مست العديد من الولايات خلال السنوات الأخيرة، ففي تلك الظروف الاستثنائية، تحولت الصفحات المحلية إلى غرف عمليات ميدانية مفتوحة، تنشر النداءات العاجلة وتنسق بين المواطنين والسلطات والجمعيات. فكانت توجه دعوات لأصحاب صهاريج المياه للتوجه نحو المناطق المتضررة، وأخرى لمربي الأبقار من أجل توفير الحليب والمياه والمواد الغذائية للعائلات وأعوان الحماية المدنية، كما كانت تدعو المتطوعين إلى المساهمة في عمليات الإغاثة وفق تعليمات الجهات المختصة. وفي الوقت نفسه، تولت نشر تنبيهات حول الطرق المقطوعة أو المناطق التي ينبغي تجنبها، والتحذير من الأخطار المحتملة، إلى جانب تداول صور المفقودين والمركبات المسروقة، وكشف بعض قضايا السرقة والاعتداء بعد توثيقها، وهو ما ساعد في كثير من الحالات على تسريع التدخل واسترجاع الحقوق، لقد أثبتت هذه الصفحات أنها لم تعد مجرد منصات افتراضية، بل أصبحت وسيلة فعالة للتعبئة المجتمعية، ونشر المعلومة الآنية، وتعزيز روح التضامن والتكافل بين الجزائريين في أحلك الظروف.
الماء والكهرباء على الصفحات
وفي ولايات أم البواقي وباتنة وتبسة، تتكرر المشاهد نفسها، صفحات محلية ترصد حفرة، أو انقطاعًا للمياه، أو أعمدة كهربائية تشكل خطرًا، أو تراكمًا للنفايات، فتصل الرسالة بسرعة إلى الجهات المختصة التي تتدخل في كثير من الأحيان مباشرة بعد انتشار المنشور، فلقد أصبح الهاتف الذكي، في يد المواطن وسيلة مراقبة مدنية، لا هدفها التشهير، وإنما حماية المصلحة العامة والدفاع عن حق المواطن في خدمة عمومية أفضل.
ويؤكد عدد من الفاعلين الجمعويين، أن هذه الصفحات ساهمت في ترسيخ ثقافة جديدة، تقوم على الشفافية وسرعة نقل المعلومة، كما دفعت العديد من الإدارات إلى متابعة ما يُنشر يوميًا، لأن أي تقصير قد يتحول في دقائق إلى قضية رأي عام محلي.
ويقول فتحي مهناوي، أحد النشطاء الجمعويين بخنشلة، عندما يكون النشر موضوعيًا ومدعّمًا بالصور والفيديو، فإنه يساعد المسؤول على معرفة مكان الخلل واتخاذ القرار بسرعة، بدل انتظار وصول الشكوى عبر القنوات التقليدية.”
ويرى ياسين إعلامي محلي من أم البواقي أن صفحات التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم شريكًا غير مباشر للإدارة، فهي تنقل انشغالات الناس، وتبرز النقائص، كما تُبرز أيضًا التدخلات الإيجابية، وهو ما يشجع المؤسسات على تحسين أدائها.
لكن، ورغم هذه الإيجابيات، يلفت مختصون إلى أن هذا الدور يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية، فالتسرع في النشر دون التحقق، أو نشر معلومات غير دقيقة، قد يسيء إلى أشخاص أو مؤسسات، لذلك تبقى المصداقية والتحري واحترام أخلاقيات النشر أساس نجاح هذه التجربة.
لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي شكل العلاقة بين المواطن والإدارة. فلم يعد المواطن مجرد متلقٍ للخدمة العمومية، بل أصبح شريكًا في مراقبتها وتحسينها، وأصبحت الصفحات المحلية بمثابة عين ساهرة ترصد الخلل، وتنقل صوت المحتاج، وتوثق المبادرات النبيلة، وتُعيد المفقودات إلى أصحابها، وتجمع المتبرعين، وتُسرّع تدخل السلطات.