“الرقية” الديموقراطية للدولة العميقة
المتابع للحياة السياسية في الدول المغاربية الأربع، قد يفاجأ بتشابه مسارات الحكم فيها مع اختلاف النظم، وتناظر في أمهات المشاكل الاقتصادية والاجتماعية مع اختلاف الخيارات الاقتصادية، وتفاوت في الموارد، وصورة واحدة لحالة التخشب في أداء النخبة في الحكم كما في المعارضة، مع تنامي هيمنة مشاعر اليأس عند الجميع من قيام فرص التغيير.
فعلى مستوى الحكم، لم يغير الربيع العربي شيئا من أداء النخبة الحاكمة في تونس ولا في المغرب، الذي نجح فيه القصر الملكي في تنفيذ عملية استباقية ذكية، بفتح نافذة مشاركة مشروطة مقيدة في الحكومة لحزب إسلامي. واستطاعت الدولة العميقة في تونس أن تعيد تأهيل تشكيلة من الحرس القديم تحت عباءة نداء تونس، نراه يستعير كثيرا من سلوك نظام بن علي، الذي سقطت واجهته، ولم تجتث جذوره في الدولة العميقة.
فموقع السلطة الفعلية في المغرب، وموريتانيا، والجزائر، وتونس، ما يزال قبضة يمين الملك في المغرب، والرؤساء في الدول الثلاث، وما تزال الدولة العميقة في المغرب ملك المخزن الذي لا يعترف بالمؤسسات المنتخبة، وما منحه القصر تحت الضغط لحزب الأغلبية الإسلامي بالمين، يؤخذ منه ساعة تنفيذ البرنامج الحكومي، بل إن كل وزير في الحكومة المغربية قد جعل له القصر الملكي قرينا يرافقه كظله، يشكلون حكومة الظل الفعلية الماسكة بالقرار الحكومي.
الدول الأربع تدفع ثمن اختيار نظام شبه رئاسي، له نظيره في النظام الملكي المغربي، قد استبد فيه مقع رئاسة الدولة بجميع السلطات، يدير عن بعد المتشابه من الديموقراطية والتعددية، بحكومة لا تملك ولا تحكم، وبرلمانات مقيدة مغلوبة على أمرها، هي مجرد طواحن هوائية مسيرة عن بعد، تسمع لها جعجعة ولا ترى لها طحينا، أغلب الانتفاضات الفردية فيها لا تزيد عن شقشقة بعير تهدر ساعة ثم تبرد.
وفي الدول الأربع ثمة إخفاق واضح للنخب في السلطة كما في المعارضة، في فهم ومواجهة الأسباب الموضوعية التي أنتجت هذا التخشب في أداء الدولة، وانسداد آفاق التغيير والإصلاح، وغياب بدائل لا تحتاج بالضرورة أن تكون ثورية، أو إلى هدم الدولة كما حصل في ليبيا، ولا حتى إلى ترحيل الأحصنة المنفق من رأس الدولة، لكي تتوافق عل إصلاحات تحت عنوان الإجماع، تحرك المياه الراكدة الآسنة.
وعلى القوى السياسية في الدول الأربع أن تعي أن القوى المهيمنة على السلطة منذ الاستقلال عبر موقع رئاسة الدولة العميقة، لن تسمح بتداول السلطة على هذا الموقع، وقد رأينا شقيقهم في سورية يصل بالبلد حد الانهيار، وتفكك الدولة، وربما تقسيم البلد، على أن يقبل بفتح نافذة من السلطة، تشرك المعارضة في تسيير الشأن العام، ورأينا الدولة العميقة في مصر تعيد الحياة إلى النظام القديم وهو رميم، وليس بيد القوى المعارضة الراغبة في الإصلاح والتغيير سوى البحث مع أرباب الدولة العميقة عن توافقات، تشجعهم على فتح ميسر لقطاع من الجهاز الحكومي، وطرفا من المؤسسة التشريعية للتداول المتدرج المدروس، يؤسس حجرا حجرا، ويرقي الدولة العميقة مصل الديموقراطية جرعة بعد جرعة.